جذبت أنظار المشاهدين من كل أرجاء العالم وبلغت حد الكمال

الدراما الكورية.. براعة في معالجة الأفكار ذات المضمون الإنساني

| أسامة الماجد

لقد استطاعت الدراما الكورية وفي فترة قياسية ان تكون رقما صعبا ومختلفا عن الدراما السائدة "الأميركية والتركية والمكسيكية والإسبانية وغيرها" وذلك بسبب رؤيتها الخاصة للحياة والعالم وتميزها بالأسلوب الفني الخاص والمتماسك، حيث إنها عبرت عن الإنسان الشرقي بأسلوب يرتبط بثقافة هذا الإنسان وجذبت انظار المشاهدين من كل أرجاء العالم لأنها تطرح في حبكتها مواضيع المحبة الإنسانية وتنقل الروح الكورية الفريدة والتي تمزج بين القيم التقليدية الكونفوشيوسية والمادية الغربية والفردية، المترسخة في ذهن الجمهور المعاصر، ومن يتابع الدراما الكورية سيلاحظ أمورا قد لا يراها في الدراما الغربية المليئة بالجريمة والعنف والجنس، مثل العلاقات الأسرية واحترام الوالدين والحب بين الاشقاء وكلها فضائل مشتركة في الثقافات الاسيوية على الرغم من التغيرات الاجتماعية السريعة وتدفق النزعة الفردية الغربية خلال القرن الماضي.

كناقد ومتابع شاهدت خلال الأشهر الماضية عبر منصة "نتفليكس" العديد من الأعمال الدرامية الكورية واكتشفت فيها الفهم الطبيعي لمعنى الدراما التلفزيونية وقدرتها الفعالة في نقل ومعالجة الأفكار ذات المضمون الإنساني الشامل دون ما عائق وهو مالا تستطيعه الدراما الأخرى كالأمريكية وغيرها، ناهيك على قدرة الاعمال الدرامية الكورية على سرد قصص الحب دون استخدام الصور الجنسية وهذا يعد من أهم أسباب انتشارها ودخولها قلب المشاهدين من كل الأعمار، وكذلك الابتعاد عن الإسفاف والابتذال، كما أن  الفنانين الكوريين تفوقوا على العواصف والتيارات الغربية وتألقوا في الأفق العريض الممتد بمواهبهم وبراعتهم كالممثل "هيان بين" بطل مسلسل "هبوط طارئ للحب" وكذلك الممثلة الرائعة "سو يي جين" التي ضيعتني شخصيا في دروب ومتاهات الإبداع وتتعامل مع التمثيل والوقوف أمام الكاميرا كالنظريات الهندسية التي تبدأ بفرض معين وتنتهي ببرهان أو أدلة.

جانب آخر مهم كان عاملا مهما في قوة الدراما الكورية وازدهارها وتسيدها الساحة عالميا وهو الدعم الحكومي، فقد نمت صناعة الثقافة الكورية بشكل كبير منذ التسعينات، وهو العقد الذي شهد تدفقا للثقافات المختلفة إلى جانب تبنى الحكومة سياسة انفتاح أكبر، كما تلقت الدراما الكورية دعما حكوميا غير مباشر من خلال تطوير الثقافة الشعبية في السابق، ولكن اليوم تمضي الحكومة قدما في تطبيق سياسات اكثر جرأة لتعزيز الازدهار المستمر للدراما من خلال مجموعات متنوعة من القنوات ودعم الاعمال الدرامية القصيرة وتعديل القوانين المتعلقة بالبيئة الإنتاجية الدرامية،  إضافة إلى قيام المؤسسات الحكومية مثل هيئة الثقافة والاعلام الكورية ومؤسسة كوريا، بتقديم الثقافة الكورية في معظم دول أمريكا الوسطى والجنوبية عبر بث المسلسلات الكورية مجانا، وكان نتاج ذلك دبلجة مسلسلي "خريف في قلبي" و "أغاني الشتاء" إلى اللغة الاسبانية لعرضها في 11 بلدا، في حين عرض مسلسل "جوهرة القصر" في 8 دول من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، وزحفت كذلك الدراما الكورية الى دول أوروبية شرقية كالمجر ورومانيا وحققت مشاهدات عالية هناك بل وأقيمت نواد خاصة لعرض الدراما الكورية.

إذا كان منتخب كوريا لكرة القدم يطلق عليه "بالشمشون الكوري" فإن الدراما الكورية أو "الهاليو" سيطلق عليها بلا أدنى شك بالساحرة الخلاقة التي بلغت حد الكمال والنضج بحيث لن يصبح لها الآن منافس في أي مكان آخر في العالم.