فنان البساطة الذي رسم على حوائط منازلنا ظلال البسمة بأعماله الخالدة

سمير غانم.. رحلة ملأت القاعات بالضحك والنفوس بالمرح والعقول بالثقافة

| البلاد - أسامة الماجد

النجم الكوميدي الذي ينبغ في مضمار الفكاهة لا بد أن يكون إنسانا قبل أن يكون بهلوانا، وقد استطاع الفنان الكبير الراحل سمير غانم الذي رحل عن عالمنا قبل أيام بعد معاناة مع المرض، أن يكون لنفسه صفة خاصة في السينما والمسرح، من حيث قوة تأثيره على الجماهير وتقبلها له واعتيادها وإدمانها لفنه، فرحلة سمير غانم في السينما والمسرح ملأت القاعات بالضحك والنفوس بالمرح والعقول بالثقافة والأمل، فالكوميديا هي فن القسوة والأمل، القسوة على أعداء الإنسان والأمل في تقدم البشر.

إن نجاح مسرحيات سمير غانم مثل "المتزوجون"، "أهلا يا دكتور"، "الأستاذ مزيكا" وغيرها الكثير، حققت النجاح الشعبي المنقطع النظير، إذ كان يعتمد في الحقيقة إلى جانب التمثيل على تركيبات المواقف المسرحية، تركيبات جزئية مفتعلة تكون في نهاية كل منها نكتة جميلة أو تكشف عن شيء ما يثير الضحك، ففي مسرحية "المتزوجون" التي كتبها فيصل ندا وقدمت العام 1979 وأخرجها حسن عبدالسلام، وناقشت مشكلة المتزوجين في مصر بشكل كوميدي، كان غانم يعالج الموقف بطريقته الخاصة أمام جورج سيدهم أو شيريهان، وهذا الموقف جعل من المسرحية نصا آخر يختلف قليلا عن النص الأصلي ومساندا له، وقد أثبتت التجربة أن مسرحيات غانم هي أكثر المسرحيات المصرية التي عالجت المشاكل الإنسانية بكوميديا الفارس، وأوصلت الأفكار والقيم التي قصدها المؤلف بأبسط الطرق وايسرها إلى جمهور المسرح.

لماذا تميز سمير غانم في الكوميديا الراقية؟ الإجابة باختصار لأنه استعان بوسيلة أخرى لا تخيب مطلقا في إثارة الضحك، وهي انه يتوجه بالحديث إلى الجمهور ويشركه معه في القصة، وهذه هي الوسيلة التي تروق جدا في نظر الجمهور وترضي طموحه، ومن ثم تشعره بالتفوق. سمير غانم عندما يصعد على خشبة المسرح يحرص على إعجاب جمهوره، ويلتزم دائما بقاعدة مطلقة لا يحيد عنها أبدا، وهي بث طاقة جديدة من الثقة في النفس والشجاعة على مواجهة الحياة للمتفرج بالضحك، مطبقا المقولة الشهيرة لشارلي شابلن "ان الضحك يقضي على منابع شقاء الإنسان".

سمير غانم كان يحرص دون غيره من نجوم الكوميديا الكبار، أن يلتقط بفضل التبسيط بعض النواحي المضحكة ثم يضخمها ويغالي فيها ليبرزها اكثر، وأخيرا يغذيها بأفكار شائقة ومرحة، تماما كما فعل في مسرحية " أستاذ مزيكا" للمخرج عبدالغني زكي في أكثر من مشهد مع الفنانة نوال أبو الفتوح، والفنان إبراهيم سعفان، فقد كانت روح الابتكار والقدرة على الإبداع واضحة وإشاعة الحيوية في مختلف الأفكار وتقديمها بنظرة يقظة تنبض بالحركة والحياة. فلا يوجد شيء مضحك في ذاته، إنما يمكن أن يصبح كل شيء مضحكا بفضل المعنى الذي يكسبه إياه الفنان، إذن فمصدر الضحك ليس في الحدث ذاته، إنما في الشخصية ومدى تفاعلها مع الأحداث، لذا كان غانم يحرص على أن يجعل شخصيته التي رسمها المؤلف تتحرك وتتكلم لتكشف عن الناحية المضحكة في الأحداث ويبين ما يثير الضحك في هذه الشخصية.

كان غانم بأعماله المسرحية تحديدا يمنح الناس قوة لمواجهة المشاكل ويجدد عزيمتهم على الكفاح، بل انفرد بفضل أخر وهو انه عندما يؤدي دورا كوميديا إنما يضحي بكبريائه ليخفف عن الناس آلامهم، ولهذا قال الكاتب الفرنسي الرائع مارسيل بانيول: إن الفنان الأصيل الذي يثير الضحك في قلوب الناس جدير أن نرفعه إلى مراتب الأبطال العظماء، فنقول البطل العظيم مولير، والبطل العظيم شارلي شابلن. ونحن بلغتنا نقول البطل العظيم سمير غانم الذي تغلب على تصاريف الحياة وظروفها وبؤس الحياة البشرية والاتجاه نحو الخير بمفهومه المطلق بالضحكة، فهو قد ذهب بكل أعماله المسرحية والسينمائية إلى أبعد مما هو مألوف، وحطم بأعماله الجميلة ذلك الإطار الذي يضم صورة للإنسان القانع بالضعف والمستسلم لتيار الحياة، وكأنه يدفع الأحداث بأصبعه لتتجه في الطريق الذي تتحقق فيه سعادة البشر.

كان سمير غانم الفنان الذي يرمز إلى عالم السعادة والسرور والفضيلة والأمل في الحياة، وهو من رسم على حوائط منازلنا ظلال البسمة بأعماله الخالدة حتى المشهد الأخير من حياته. كان هو فنان فلسفة البساطة القادم من السماء على صهوة القمر.