شواهد تاريخية

| د.حورية الديري

تتواتر‭ ‬الانعكاسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬القوية‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬الثقافات‭ ‬وترسيخ‭ ‬جذورها،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬ما‭ ‬تتبادله‭ ‬الشعوب‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬الموروث‭ ‬الحضاري،‭ ‬فما‭ ‬تظهره‭ ‬أنماط‭ ‬السلوك‭ ‬الثقافي‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬ونوعية‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬متنوعة‭ ‬تستحق‭ ‬دراسة‭ ‬مضامينها‭ ‬العظيمة‭ ‬واستذكارها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مرآة‭ ‬عاكسة‭ ‬لأسلوب‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭ ‬وتمازج‭ ‬علاقاتهم‭ ‬ببعضهم‭ ‬البعض‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬رمضانية‭ ‬أقرب‭ ‬للصورة‭ ‬والمعنى،‭ ‬حيث‭ ‬نتأمل‭ ‬فيما‭ ‬تحويه‭ ‬الموائد‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬المأكولات‭ ‬والمشروبات‭ ‬نجدها‭ ‬تجسد‭ ‬قوة‭ ‬الاندماج‭ ‬والتلاحم،‭ ‬فلو‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬أصل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬وتسميتها‭ ‬لأدركنا‭ ‬أننا‭ ‬نجمع‭ ‬تشكيلة‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬مائدة‭ ‬واحدة،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬فيه‭ ‬مائدة‭ ‬من‭ ‬“اللقيمات”‭ ‬أو‭ ‬“الفيمتو”‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لنعلم‭ ‬أنه‭ ‬مشهد‭ ‬تاريخي‭ ‬جاب‭ ‬العالم‭ ‬صغيرًا‭ ‬حتى‭ ‬دخل‭ ‬دائرة‭ ‬التاريخ‭ ‬ونما‭ ‬وتطور‭ ‬عبر‭ ‬مروره‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحضارات‭. ‬

إن‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬وقصة‭ ‬الانتشار‭ ‬تجعلنا‭ ‬بين‭ ‬متأمل‭ ‬ومدرك‭ ‬لمغزى‭ ‬كبير‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬اليوم‭ ‬نعطي‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬التقدير‭ ‬والولاء‭ ‬لهذه‭ ‬الموروثات،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬اختلافًا‭ ‬أو‭ ‬فجوة‭ ‬هنا‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬حول‭ ‬ذلك‭! ‬بل‭ ‬استطاعت‭ ‬هذه‭ ‬الوصفات‭ ‬بما‭ ‬تحمل‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬في‭ ‬الطعم‭ ‬والمذاق‭ ‬أن‭ ‬تكسب‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬صفته‭ ‬الخاصة‭ ‬وستبقى،‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬يرجع‭ ‬لاجتهاد‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬إلهام‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬يليه‭ ‬حتى‭ ‬يتولى‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬آت‭ ‬الدور،‭ ‬ويضيف‭ ‬لمساته‭ ‬وخبراته،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬النمط‭ ‬الحياتي،‭ ‬ولكن‭ ‬تأملوا‭ ‬معي‭ ‬أعزائي‭ ‬القراء،‭ ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬تكونوا‭ ‬بحضرة‭ ‬السيدة‭ ‬لقيمات‭ ‬والسيد‭ ‬فيمتو‭.. ‬كيف‭ ‬حصلا‭ ‬على‭ ‬شعبية‭ ‬جماهيرية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬التنوع‭ ‬الهائل؟‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬النشأة؟‭ ‬وما‭ ‬قصة‭ ‬انتشارهما؟‭ ‬إنه‭ ‬سحر‭ ‬الهوية‭ ‬والأصالة‭ ‬والحداثة،‭ ‬كذلك‭ ‬عندما‭ ‬نبحث‭ ‬في‭ ‬أسرار‭ ‬المأكولات‭ ‬ونشأتها،‭ ‬فما‭ ‬يصدر‭ ‬لسبب‭ ‬ومغزى‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬قد‭ ‬يتطور‭ ‬وينمو‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬كقصة‭ ‬الفيمتو‭ ‬وانتشاره‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬دواء‭ ‬خاص‭ ‬إلى‭ ‬مشروب‭ ‬تحفيزي‭ ‬منعش‭ ‬بمذاق‭ ‬مميز‭. ‬

الخلاصة‭ ‬فيما‭ ‬نرمي‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬أننا‭ ‬شعوب‭ ‬ولدت‭ ‬لتتقارب‭ ‬وتنسجم‭ ‬وتؤثر‭ ‬وتصنع‭ ‬حضارة‭ ‬شاملة‭.. ‬والتاريخ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬شاهد‭.‬