”زينة الدنيا..“
| لمياء الشويخ
اركض وغيومي تلحقني، لا ادري اذا كانت نجومي التي التي اراها كل ليلة تسهر معي هي كذلك تلحق بي، لا اراها، بعد صراعي مع الزمن وصلت بعناء فهذا اليوم هو الاخير في الاسبوع، لاهثون، اراهم امامي وانا جالسا في زوايا المصرف، مثلهم اتيت اصارع وقتي الهث بينهم انحشر انتظر دوري من اجل ان اقبض حوالة مالية، كل له رقم، تلك الاموال التي بين يدي موظف المصرف وفي ادراج مكتبه هي اموالنا، ونحن الارقام ننتظر ان نقبضها، مؤكدا اننا لن نتساوى في الحصص فكل منا له قدره، لن يوزع الموظف تلك الاموال علينا بالتساوي، لكن عدم المساواة هنا يبقى حق.
كلنا جئنا نلهث من اجل تلك الاموال، لكن الفرق ليس في كمية او عدد الاموال فقط ايضا هناك فروق بين مشاعرنا وانفسنا وظروفنا، جميعنا هدفنا المال، وقد أقر القرآن أن حب الإنسان للمال حب فطري فقال سبحانه: ”وآتى المال على حبه“، والحب ميل قلبي لا دخل للإنسان فيه.
بين صمتنا سمعتها تحاور زوجها
- هل سيكفي هذا المال الذي اقترضناه من اخي لعملية الانجاب لم يرد الزوج، لست ممن يقرؤن الصمت كي افسر صمته، او ربما كنت استطيع ان ان أتنبأ بما وراء الصمت لكن في هذا الوضع كلنا هناك تركيزنا حول الرقم الذي احمله وتلك اللوحة التي امام نافذة الموظف التي تعد ارقامنا.
في همسات الصمت سمت زفرات الانتظار وتنهدات القلوب، اعتقد اني سمعت احدهم يقول: ساسافر من اجل علاج، وكان يرد عليه الاخر، ساسافر، سياحة، لكن اخر قال: ”ساخذ المال لاكمل دراستي“. نحن الان متساوون في الانتظار، والحاجة الى هذا المال هكذا اعتقد، حتى وصل احدهم، لم يتم اعطاءه رقم ولم يتم ترقيمه مثلنا فقد خرج مدير المصرف يستقبله، اخذه حتى اختفى في المكتب الزجاجي .
انظر نحو المكتب الزجاجي، صور المنتظرين تنعكس على ذلك الزجاج، لاحظت كل تلك الصور مرعوبة او ربما تهيأ لي وهي مرسومة على سطح الزجاج النظيف دون حتى ان تلمس وجوهنا ذلك الزجاج .
في الداخل يظهر المدير مع القادم الغير مرقم. ادركت من المعاملة والضيافة التي قدمت له انه شخص يختلف عنا ، لكنه مثلنا جاء من اجل المال وكلنا نحب المال ، لا احد يحرج من هذا الحب ، وقد جُبلت النفوس على حب المال، قال تعالى: ” وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ” [الفجر]، انا شخصيا لم يضايقني وجود او معاملة هذا الغير مرقم، لربما ازعج اخرون، فقد سمعت تعليقات احدهم بالمصطلح العامي "المال خلا الواطي عالي“ اضحكني هذا التعليق انساني للحظة حالة التوتر اثر الانتظار الذي شبهته بانتظار "جودو"، فجاة تحول المكان الى فوضى، الجميع هنا منزعج وبدأوا يعبرون عن انزعاجهم كلمات تسقط حول اذني من كثرها لم تستطع اذني ان تلقفها
- اين اختفى، الصندوق سيغلق بعد دقائق؟
- نحن ننتظر من الصباح
- الان دوري، رقمي على الشاشة
- ناس وناس، لا يجوز
بعد كل هذه الصيحات التي اغرقت سمعي، تدخل موظفو الامن، فهمت سبب ذلك الغضب، لقد غادر موظف الشباك الذي هو املنا، الذي ننتظر لقاؤه بحراره، حيث بعد اللقاء به نتحول من ارقام الى اسماء، او تعود لنا اسمائنا.
لم تكن مغادرته لسبب قد يتجاوزه الجميع او يقدره، وانما اخذ الكثير من تلك الاموال التي لنا فيها نصيب الى مكتب المدير، وهاهو يسلمها الى ذلك الرجل الغير مرقم. لا احد يكترث لصراخ هؤلاء اصحاب الارقام الذين اصبحوا يقفون خلف حاجز من رجال الامن في البنك. يعود الموظف الى مكانه، خلف ذاك السور الذي لا يظهر غير وجهه .
يعود الامان والارتياح، الجمع يهدأ، يختفي رجال الامن، كل منا يسقط في مكانه على مقعده، نعود ننظر الى اللوحة والى ارقامنا في هدوء . "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" كلنا ربما في هذه اللحظة نؤمن بهذه الجزء من هذه الاية الكريمة، لكن لا ادري لماذا تجاهلنا الجزء الاخر منها "والباقيات الصالحات"، لم اسمع احدهم سبح او وحد او استغفر او ذكر ربه، قد تكون باقياتنا الصالحات في سرنا في صمتنا، لا ادري، لكن كواحد من هؤلاء الاشخاص المرقمة، لم يكن في خاطري ولا في ايماني ذلك الجزء من الاية.
من جديد تعم الفوضى في المكان، يثور اصحاب الارقام، ينتشر مجددا رجال الامن الخاصين لهذا المصرف، تسقط عيني على لوحة الارقام والتي كتب عليها بالعربية والانجليزية "مغلق"، انتهى يوم هذا المصرف واغلق الصندوق الذي يقول الموظف: ”لا يمكن تجاوز الوقت ، هذا الصندوق مرتبط بالفرع الدولي ويغلق في ساعة ما“، سالت ماذا يجب ان نفعل الان، رجل الامن: ”عودوا يوم الاحد..“.