هناك من يخون ثقافة بلاده بتفريغها من محتواها الوطني

علي عبدالله خليفة: لا قيمة لشاعر إذا كانت الناس من حوله لا تحفظ شيئًا من شعره

| أسامة الماجد | تصوير:رسول الحجيري

للاستعمار‭ ‬وجوه‭ ‬قبيحة‭ ‬عديدة‭ ‬ومنها‭ ‬الاستعمار‭ ‬الثقافي أعبر‭ ‬بعفوية‭ ‬عن‭ ‬مشاعري‭ ‬الذاتية‭ ‬وأحترم‭ ‬الشعر‭ ‬ولا‭ ‬أبتذله أفتقد‭ ‬الحوار‭ ‬الصريح‭ ‬العلني‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬المبدع‭ ‬وجمهوره هناك‭ ‬صراع‭ ‬أجيال‭ ‬ومصاعب‭ ‬جمة‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬الجديد لا‭ ‬توجد‭ ‬مؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬تعنى‭ ‬بتكليف‭ ‬نقاد‭ ‬مهمين‭ ‬لدراسة‭ ‬النتاج‭ ‬المحلي

يرى‭ ‬الشاعر‭ ‬القدير‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬ليس‭ ‬مصلحًا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬مرشدًا‭ ‬تربويا‭ ‬يؤدي‭ ‬واجبات‭ ‬محددة،‭ ‬فهو‭ ‬طائر‭ ‬حر‭ ‬مجاله‭ ‬الفضاء‭ ‬الفسيح‭ ‬دون‭ ‬قيود‭. ‬فالشاعر‭ ‬ملزم‭ ‬بفنه‭ ‬وبتطوير‭ ‬أدواته‭ ‬وبالتعبير‭ ‬عن‭ ‬خلجات‭ ‬روحه‭ ‬وما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬زمانه‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬وبدون‭ ‬أية‭ ‬اشتراطات‭ ‬أو‭ ‬إملاءات،‭ ‬وهو‭ ‬معني‭ ‬بالتأمل‭ ‬والتفكر‭ ‬واجتراح‭ ‬الرؤى‭ ‬والصور‭ ‬الفنية‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬خلجاته‭ ‬دون‭ ‬زيف‭ ‬أو‭ ‬تزوير،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬ادعاء‭ ‬بطولات‭ ‬كاذبة‭. ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬ذكر‭ ‬شاعرنا‭ ‬صاحب‭ ‬التجارب‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬نهرا‭ ‬عميق‭ ‬النبع‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬طباعة‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬وإصداره‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬لكن‭ ‬العبرة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬حقيقة‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬ويترك‭ ‬أثرا‭ ‬يبقى‭. ‬وفيما‭ ‬يلي‭ ‬نص‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭.. ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬أشربنا‭ ‬من‭ ‬أباريق‭ ‬الفردوس‭ ‬إبداعا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬50‭ ‬عاما‭:‬

‭ ‬الفنون‭ ‬العظيمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬إنسان‭ ‬الغد‭ ‬وتصوغ‭ ‬له‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة،‭ ‬فهل‭ ‬تعتقد‭ ‬أنك‭ ‬أسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصياغة؟

الفنون‭ ‬وعوامل‭ ‬أخرى‭ ‬عديدة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬إنسان‭ ‬الغد‭ ‬وتصوغ‭ ‬له‭ ‬قواعد‭ ‬وأساليب‭ ‬حياة‭ ‬جديدة،‭ ‬والمبدعون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يستقرئ‭ ‬أحداث‭ ‬الواقع‭ ‬المعاش‭ ‬ويستشرف‭ ‬الرؤى‭ ‬المستقبلية‭. ‬والمبدع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يضيف‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬وفكره‭ ‬وفنه‭ ‬لبنة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬إنسان‭ ‬الغد‭ ‬دون‭ ‬منّة‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬ادعاء،‭ ‬أنا‭ ‬مجرد‭ ‬مجتهد‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬بصدق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موهبته‭ ‬عن‭ ‬همومه‭ ‬ومشكلات‭ ‬زمانه‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬رؤاه‭ ‬حولها‭ ‬لتكون‭ ‬عبرة‭ ‬لصياغة‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭.‬

‭ ‬باعتبارك‭ ‬من‭ ‬الرواد‭..‬هل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬قد‭ ‬قامت‭ ‬بدورها‭ ‬لرعاية‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬وتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬أمامه؟

نحن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬انغلاق‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬وتمحوره‭ ‬حول‭ ‬ذاته،‭ ‬وقد‭ ‬بذل‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬أتيح‭ ‬له‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬زمانه‭ ‬ومدى‭ ‬قبول‭ ‬الجديد‭ ‬برؤاه‭ ‬وأطروحاته‭. ‬وبالتأكيد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬صراع‭ ‬أجيال‭ ‬ومصاعب‭ ‬جمة‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬الجديد،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬يفرض‭ ‬جديده‭ ‬وأدواته‭ ‬وينتصر‭.‬

 

كيف‭ ‬تتولد‭ ‬عندك‭ ‬القصيدة‭ ‬وبماذا‭ ‬تبالي‭ ‬في‭ ‬تكوينها؟

للشاعر‭ ‬مخيلة‭ ‬غنية‭ ‬وواسعة‭ ‬ترصد‭ ‬وتسجل‭ ‬أحداث‭ ‬يومه‭ ‬وتخزن‭ ‬انفعالاته‭ ‬تجاهها‭ ‬لتنضجها‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة،‭ ‬لذا‭ ‬تصبح‭ ‬الذاكرة‭ ‬مكنز‭ ‬للمشاعر‭ ‬الدقيقة‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬الشاعر‭ ‬فتتكون‭ ‬لديه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الشعورية‭ ‬وكلما‭ ‬نضجت‭ ‬تجربة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬فالقصيدة‭ ‬لدي‭ ‬تكتب‭ ‬نفسها‭ ‬فلا‭ ‬أبتسر‭ ‬تجاربي‭ ‬الشعورية‭ ‬ولا‭ ‬أتكلفها‭ ‬ولا‭ ‬أحضر‭ ‬ورقا‭ ‬وقلما‭ ‬وأقول‭ ‬للقصيدة‭ ‬تعالي‭. ‬يختلط‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تجربة‭ ‬شعورية‭ ‬عندي‭ ‬الحاضر‭ ‬بالماضي‭ ‬التاريخ‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬الوطن‭ ‬بالأم‭ ‬البشر‭ ‬بالنخيل‭ ‬والتراب‭ ‬بالسحاب‭ ‬والمواويل‭ ‬بالمعلقات‭ ‬والسفر‭ ‬بذكريات‭ ‬قواقع‭ ‬البحار‭ ‬وجداول‭ ‬الأنهار‭ ‬والمطر‭ ‬بالندى‭ ‬والأعشاب‭ ‬في‭ ‬خليط‭ ‬عجيب‭ ‬يتماهى‭ ‬أمامي‭ ‬ليكون‭ ‬حروفا‭ ‬وكلمات‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬تستدعي‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬الحاضر‭ ‬في‭ ‬توق‭ ‬لمستقبل‭ ‬جميل‭ ‬قادم‭.‬

 

بصراحة‭.. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تفتقده‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬وعرض‭ ‬الساحة‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬البحرين؟

الأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬عديدة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬بجهود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وأبرزها‭ ‬أنشطة‭ ‬أسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتاب‭ ‬وجمعية‭ ‬تاريخ‭ ‬وآثار‭ ‬البحرين‭ ‬ومركز‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬كانو‭ ‬الثقافي‭ ‬وأنشطة‭ ‬جمعية‭ ‬البحرين‭ ‬للفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬وهند‭ ‬جاليري‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬الفردية‭ ‬الناشطة‭ ‬بتواضع‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اغتراب‭ ‬أنشطة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬لنا‭ ‬بصلة‭. ‬أفتقد‭ ‬في‭ ‬طول‭ ‬وعرض‭ ‬الساحة‭ ‬الأدبية‭ ‬الاحتضان‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬للحركة‭ ‬الأدبية،‭ ‬وأفتقد‭ ‬الحوار‭ ‬الصريح‭ ‬العلني‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬المبدع‭ ‬وجمهوره‭ ‬وتلك‭ ‬الحميمية‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الثقافية‭.‬

 

‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬تنقله‭ ‬بين‭ ‬الاحاد‭ ‬والبيئات‭ ‬والأزمنة‭ ‬بالشعر‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الشعراء‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬يسجلون‭ ‬شعره‭ ‬وإنما‭ ‬ينشدونه‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬ويتلقاه‭ ‬الرواة‭ ‬عنهم‭ ‬واحدا‭ ‬عن‭ ‬واحد‭.. ‬ما‭ ‬رأيك؟

كان‭ ‬الشعر‭ ‬الفصيح‭ ‬يوما‭ ‬أحد‭ ‬فنون‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬لاعتماده‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬التواتر‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬تجد‭ ‬إنسانا‭ ‬عربيا‭ ‬لا‭ ‬تحضره‭ ‬أبيات‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الفصيح‭ ‬أو‭ ‬العامي‭ ‬يرويها‭ ‬باعتداد،‭ ‬فالشعر‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي‭ ‬بعامة‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬رغم‭ ‬المزاعم‭ ‬بعكس‭ ‬ذلك‭.‬

وقد‭ ‬ظل‭ ‬الشعر‭ ‬الفصيح‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬حبيس‭ ‬الورق‭ ‬يعنى‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬يهتم‭ ‬وواصل‭ ‬الشعر‭ ‬العامي‭ ‬ومعه‭ ‬الأزجال‭ ‬والمواويل‭ ‬والأبوذيات‭ ‬تنتقل‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الرواة‭ ‬والحفاظ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دوّن‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬منشورات‭ ‬شعبية‭ ‬لهدف‭ ‬الدراسة‭ ‬والتحليل‭.‬

‭ ‬النقاد‭ ‬الحقيقيون‭ ‬غائبون،‭ ‬ومرحلتنا‭ ‬تطفح‭ ‬بمدعي‭ ‬النقد‭ ‬ومخترعي‭ ‬الاصطلاحات‭. ‬هل‭ ‬توافقني‭ ‬الرأي؟

النقد‭ ‬مجال‭ ‬علمي‭ ‬وفني‭ ‬وهو‭ ‬عملية‭ ‬عسيرة‭ ‬وطريق‭ ‬شاق‭ ‬يحتاج‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التمكن‭ ‬وامتلاك‭ ‬الأدوات‭ ‬والذائقة‭ ‬المرهفة‭ ‬الحساسة،‭ ‬وإذا‭ ‬عددت‭ ‬المجيدين‭ ‬من‭ ‬نقاد‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬ستجد‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬وضع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬حول‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬مركزين‭ ‬على‭ ‬النتاج‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬المركز‭ ‬مهملين‭ ‬دول‭ ‬الأطراف‭ ‬ومنهم‭ ‬البحرين،‭ ‬والبعض‭ ‬منهم‭ ‬منشغلون‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬النظرية‭ ‬لتأكيد‭ ‬وجودهم‭ ‬وتثبيت‭ ‬أقدامهم،‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬يتابع‭ ‬منهم‭ ‬النتاج‭ ‬الأدبي‭ ‬الجديد،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬تقييمه‭ ‬وتوجيهه‭. ‬ومما‭ ‬يؤسف‭ ‬له‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬مؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬تعنى‭ ‬بتكليف‭ ‬نقاد‭ ‬مهمين‭ ‬لدراسة‭ ‬النتاج‭ ‬المحلي‭ ‬وتقييمه‭ ‬وكما‭ ‬ترى‭ ‬فالأدباء‭ ‬بمجهوداتهم‭ ‬الفردية‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬وقد‭ ‬توجهت‭ ‬أسرة‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتاب‭ ‬مؤخرا‭ ‬لإصدار‭ ‬دراسات‭ ‬نقدية‭ ‬موثقة‭ ‬حول‭ ‬أدب‭ ‬البحرين‭ ‬وهو‭ ‬مما‭ ‬يعتدد‭ ‬به‭. ‬ونتطلع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبرز‭ ‬نقاد‭ ‬بحرينيون‭ ‬جدد‭ ‬يصنعون‭ ‬حركة‭ ‬نقدية‭ ‬جديدة‭ ‬متخطين‭ ‬كل‭ ‬الصعاب‭ ‬والعثرات،‭ ‬وهو‭ ‬أمل‭ ‬عزيز‭ ‬ليس‭ ‬ببعيد‭.‬

 

ما‭ ‬سر‭ ‬الاستجابة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬لقصائدك‭... ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬لغة‭ ‬جسر‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬المتلقي؟

لدي‭ ‬إحساس‭ ‬بأن‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬تصلها‭ ‬أشعاري‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬قصائدي،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬سر،‭ ‬فأنا‭ ‬ببساطة‭ ‬أعبر‭ ‬بعفوية‭ ‬عن‭ ‬مشاعري‭ ‬الذاتية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نبض‭ ‬الشارع‭ ‬دون‭ ‬افتعال‭ ‬أو‭ ‬تعال‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أحترم‭ ‬الشعر‭ ‬ولا‭ ‬أبتذله،‭ ‬ولا‭ ‬أعتبره‭ ‬مادة‭ ‬للتعالي‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬فلا‭ ‬قيمة‭ ‬لشاعر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬وأي‭ ‬زمان‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬لا‭ ‬تحفظ‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬شعره‭ ‬حتى‭ ‬ولا‭ ‬بيت‭ ‬شعر‭ ‬واحد‭ ‬تردده‭. ‬فمن‭ ‬السهل‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬طباعة‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬وإصداره‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬لكن‭ ‬العبرة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬حقيقة‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬ويترك‭ ‬أثرا‭ ‬يبقى‭.‬

 

‭ ‬هناك‭ ‬مقولة‭ ‬شائعة‭ ‬تقول‭ ‬“إن‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬ابن‭ ‬مرحلته‭ ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬دون‭ ‬تخلف‭ ‬أو‭ ‬تجاوز”‭.. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬صحيح؟

يظل‭ ‬الشاعر‭ ‬الحقيقي‭ ‬شاهد‭ ‬عصره،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬المعبر‭ ‬حقيقة‭ ‬عن‭ ‬أزمات‭ ‬روحه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ظروف‭ ‬العصر‭ ‬ومكابدات‭ ‬عواطفه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بيئته‭.. ‬مزروعا‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬أهله‭ ‬طالعا‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الأحداث‭ ‬شعلة‭ ‬منيرة‭.‬

 

‭ ‬ما‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬تجربتك‭ ‬الشعرية؟

في‭ ‬نظري‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬ليس‭ ‬شاعرا‭ ‬فقط‭ ‬وهو‭ ‬يكتب‭ ‬القصيدة،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭ ‬يقظ‭ ‬متوتر‭ ‬ومتوجس‭ ‬يتحرى‭ ‬حدثا‭ ‬وينتظر‭ ‬التماعه،‭ ‬لذلك‭ ‬نقاط‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الشاعر‭ ‬المبدع‭ ‬تصنعها‭ ‬ظروف‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬وهي‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬ذاته‭. ‬لذا‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬نقطة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عدة‭ ‬محطات‭ ‬وليست‭ ‬محطة‭ ‬واحدة،‭ ‬فلكل‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬تحولها‭ ‬العجيب‭ ‬في‭ ‬تجربتي‭ ‬الشعرية،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تأسيس‭ ‬حفظي‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وأنا‭ ‬طفل‭ ‬وتربيتي‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬يحتفي‭ ‬بالموال‭ ‬والشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬وانكبابي‭ ‬على‭ ‬القراءة‭ ‬وحفظ‭ ‬الأشعار‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬فنون‭ ‬الإلقاء‭ ‬وارتباطي‭ ‬بالدراسات‭ ‬الميدانية‭ ‬لجمع‭ ‬وتدوين‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وانشغالاتي‭ ‬بأعمال‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ ‬وصداقاتي‭ ‬الحميمة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأجناس‭ ‬بمختلف‭ ‬البلدان‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬اعتبرتها‭ ‬نقاط‭ ‬تحول‭ ‬ساعدتني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬ويثري‭ ‬تجربتي‭ ‬الشعرية‭ ‬وينوع‭ ‬مصادرها‭.‬

‭ ‬يعفي‭ ‬سارتر‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬جمهرة‭ ‬نقاد‭ ‬الغرب،‭ ‬ويعتمد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الشعر‭ ‬الغنائي‭. ‬فالشاعر‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الصورة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الشخصيات‭ ‬والأحداث،‭ ‬وتعتمد‭ ‬الصور‭ ‬على‭ ‬قوتها‭ ‬الإيحائية‭ ‬في‭ ‬الألفاظ‭ ‬والجمل‭ ‬على‭ ‬حسب‭ ‬موسيقاها‭.. ‬هل‭ ‬توافقه؟

ليس‭ ‬الشاعر‭ ‬مصلحًا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬مرشدًا‭ ‬تربويا‭ ‬يؤدي‭ ‬واجبات‭ ‬محددة،‭ ‬فهو‭ ‬طائر‭ ‬حر‭ ‬مجاله‭ ‬الفضاء‭ ‬الفسيح‭ ‬دون‭ ‬قيود‭. ‬فالشاعر‭ ‬ملزم‭ ‬بفنه‭ ‬وبتطوير‭ ‬أدواته‭ ‬وبالتعبير‭ ‬عن‭ ‬خلجات‭ ‬روحه‭ ‬وما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬زمانه‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬وبدون‭ ‬أية‭ ‬اشتراطات‭ ‬أو‭ ‬إملاءات،‭ ‬وهو‭ ‬معني‭ ‬بالتأمل‭ ‬والتفكر‭ ‬واجتراح‭ ‬الرؤى‭ ‬والصور‭ ‬الفنية‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬خلجاته‭ ‬دون‭ ‬زيف‭ ‬أو‭ ‬تزوير،‭ ‬وبدون‭ ‬ادعاء‭ ‬بطولات‭ ‬كاذبة‭.‬

 

‭ ‬هل‭ ‬تؤمن‭ ‬بالاستعمار‭ ‬الثقافي؟

الثقافة‭ ‬هي‭ ‬المكون‭ ‬الأساس‭ ‬لهوية‭ ‬كل‭ ‬أمة،‭ ‬وللاستعمار‭ ‬وجوه‭ ‬قبيحة‭ ‬عديدة‭ ‬ومنها‭ ‬الاستعمار‭ ‬الثقافي،‭ ‬فالمستعمر‭ ‬بإمكانه‭ ‬تسطيح‭ ‬وطمس‭ ‬الثقافة‭ ‬الوطنية‭ ‬لأي‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الشعوب،‭ ‬لفرض‭ ‬ثقافته‭ ‬الخاصة‭. ‬ومقياس‭ ‬ذلك‭ ‬بسيط،‭ ‬حين‭ ‬تسأل‭ ‬المتعلمين‭ ‬وطلاب‭ ‬الجامعات‭ ‬بأي‭ ‬بلد‭:‬ما‭ ‬هي‭ ‬مكونات‭ ‬ثقافتكم‭ ‬الوطنية؟‭ ‬ويحارون‭ ‬بماذا‭ ‬يجيبون،‭ ‬فاعلم‭ ‬بأن‭ ‬ثقافة‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬قد‭ ‬طُمست‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬بيد‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أهلها‭. ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬فعلى‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يخون‭ ‬ثقافة‭ ‬بلاده‭ ‬بتفريغها‭ ‬من‭ ‬محتواها‭ ‬الوطني‭ ‬وتقديمها‭ ‬بصورة‭ ‬هزيلة‭ ‬أمام‭ ‬ثقافات‭ ‬الشعوب‭ ‬العظيمة،‭ ‬مع‭ ‬التنكيل‭ ‬بمنتجي‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬طمس‭ ‬وجودهم‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬الذكية‭ ‬خلاف‭ ‬السجون‭ ‬والاغتيالات‭.‬

 

‭ ‬هل‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬شاعر‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬“الأيديولوجيا”‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تملي‭ ‬عليه‭ ‬شعره؟

الشاعر‭ ‬كإنسان‭ ‬هو‭ ‬عجينة‭ ‬أفكار‭ ‬ومشاعر،‭ ‬ويعتبر‭ ‬نتاجه‭ ‬الشعري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬إفرازا‭ ‬لما‭ ‬يختزن‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وأحاسيس‭ ‬مهما‭ ‬كانت،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الجائز‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬شاعر‭ ‬حقيقي‭ ‬بأن‭ ‬تملى‭ ‬عليه‭ ‬الأفكار‭ ‬ليعبر‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬زائفة‭ ‬لم‭ ‬يعايشها‭.‬