في رثاء قداسة المطران كاميلو بالين... رمز التواضع وحب الخير للبشرية

| سمية المير - الأمين العام لمركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي

لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أبدأ‭ ‬في‭ ‬رثاء‭ ‬قامة‭ ‬دينية‭ ‬وإنسانية‭ ‬لها‭ ‬صولاتها‭ ‬وجولاتها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬النبل‭ ‬والتواضع‭ ‬وحب‭ ‬الخير‭ ‬لجميع‭ ‬بني‭ ‬البشر‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للوجع‭ ‬الضارب‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬أن‭ ‬يخفّف‭ ‬لوعة‭ ‬فقد‭ ‬مطران‭ ‬الروم‭ ‬الكاثوليك‭ ‬النائب‭ ‬الرسولي‭ ‬لشمال‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬قداسة‭ ‬المطران‭ ‬كاميلو‭ ‬بالين،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للدمع‭ ‬أن‭ ‬يكفكف‭ ‬آلام‭ ‬رحيله‭.‬

فاجعة‭ ‬وفاة‭ ‬قداسته‭ ‬أثارت‭ ‬غصّة‭ ‬في‭ ‬الحلق،‭ ‬وانطفاءً‭ ‬لومضة‭ ‬نبل‭ ‬إنساني،‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬دنيانا‭ ‬تاركًا‭ ‬لنا‭ ‬طيب‭ ‬عمله‭ ‬وحسن‭ ‬سيرته،‭ ‬ونقاء‭ ‬سريرته‭ ‬واجتهاده‭ ‬الخيّر‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الأرض‭ ‬وإعمارها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬حميدة‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬والتآلف‭ ‬والتعايش‭ ‬بوئام‭.‬

 

رغم‭ ‬مكانة‭ ‬قداسته‭ ‬الدينية‭ ‬الرفيعة‭ ‬جدا؛‭ ‬كونه‭ ‬معيّنا‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬الأعظم،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬متواضعًا‭ ‬دمث‭ ‬الخلق،‭ ‬باب‭ ‬التواصل‭ ‬معه‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬أمام‭ ‬الجميع،‭ ‬كان‭ ‬رمزًا‭ ‬للإخلاص‭ ‬والوفاء،‭ ‬كريمًا‭ ‬في‭ ‬عطائه،‭ ‬صادقًا‭ ‬وموضوعيًا‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.‬

عندما‭ ‬كان‭ ‬عضوًا‭ ‬بمجلس‭ ‬أمناء‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي،‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬يردّد‭ ‬لي‭ ‬بأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬تسامحها‭ ‬الكبير‭ ‬وحرية‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬المباركة،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخصال‭ ‬أو‭ ‬المميزات‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭.‬

كما‭ ‬كان‭ ‬قداسته‭ ‬يؤكد‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬مناسبة‭ ‬بأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬دولة‭ ‬مسلمة‭ ‬ولكنها‭ ‬نموذجية‭ ‬وفريدة‭ ‬في‭ ‬احترامها‭ ‬للأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬الأخرى،‭ ‬متفوقة‭ ‬بذلك‭ ‬على‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬وحتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬فيها‭ ‬المسيحية‭ ‬حصة‭ ‬الأسد‭. ‬لقد‭ ‬وجد‭ ‬الفقيد‭ ‬بالبحرين‭ ‬واحة‭ ‬سلام‭ ‬وهي‭ ‬المكان‭ ‬الأنسب‭ ‬لبناء‭ ‬صروح‭ ‬الدين‭ ‬والعلم‭ ‬وتهيئة‭ ‬الأرضية‭ ‬الخصبة‭ ‬لترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬المحبة‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭.‬

كان‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الفقيد‭ ‬قداسة‭ ‬المطران‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬مقر‭ ‬إقامته‭ ‬الرئيسي‭ ‬وبيته‭ ‬الثاني؛‭ ‬لإعجابه‭ ‬البالغ‭ ‬بقيادتها‭ ‬الفذة‭ ‬ممثلة‭ ‬بعاهل‭ ‬البلاد‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وحسن‭ ‬ضيافة‭ ‬مجتمعها‭ ‬وتسامح‭ ‬شعبها‭.‬

ترأس‭ ‬قداسته‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬كنيسة‭ ‬“ليدي‭ ‬أوف‭ ‬أريبيا”،‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬تشييدها‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬وهبها‭ ‬عاهل‭ ‬البلاد‭ ‬بمساحة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬8788‭ ‬مترًا‭ ‬مربعًا؛‭ ‬لتكون‭ ‬أكبر‭ ‬كاتدرائية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬وستتسع‭ ‬لـ‭ ‬2300‭ ‬شخص،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مكاتب‭ ‬ومسكن‭ ‬للأسقف‭ ‬وساحة‭ ‬تكفي‭ ‬لـ‭ ‬6000‭ ‬آلاف‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬الزوار‭ ‬والمصلين‭.‬

قد‭ ‬يجلب‭ ‬استذكار‭ ‬محطات‭ ‬الفقيد‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬السلوى،‭ ‬ولكنها‭ ‬لن‭ ‬تعوّض‭ ‬فراق‭ ‬شخصية‭ ‬إنسانية‭ ‬ودينية‭ ‬رفيعة‭ ‬بقيمها‭ ‬وأخلاقها‭ ‬الحميدة‭ ‬وصنعه‭ ‬للخير‭ ‬في‭ ‬حله‭ ‬وترحاله،‭ ‬عزاؤنا‭ ‬الوحيد‭ ‬أن‭ ‬ذكراه‭ ‬ستظل‭ ‬باقية‭ ‬طالما‭ ‬حيينا،‭ ‬نور‭ ‬إيمان‭ ‬قداسته‭ ‬ونبل‭ ‬مقصده‭ ‬سيبقى‭ ‬متقدًا‭ ‬لأجيال‭ ‬قادمة‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬دربه‭ ‬وتنهل‭ ‬من‭ ‬تواضعه‭ ‬وحبه‭ ‬لفعل‭ ‬الخير‭ ‬للجميع‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬طوائفهم‭ ‬ومعتقداتهم‭.‬

رحمك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬قداسة‭ ‬المطران،‭ ‬مقدمين‭ ‬أحر‭ ‬التعازي‭ ‬والمواساة‭ ‬لعائلتك‭ ‬ولأتباع‭ ‬الديانة‭ ‬المسيحية‭ ‬والكنيسة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬على‭ ‬مصابنا‭ ‬ومصابهم‭ ‬الجلل،‭ ‬سائلًا‭ ‬العلي‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يتغمّد‭ ‬الفقيد‭ ‬بواسع‭ ‬رحمته،‭ ‬ويلهم‭ ‬ذويه‭ ‬الصبر‭ ‬والسلوان‭.‬

إن‭ ‬العين‭ ‬لتدمع،‭ ‬وإن‭ ‬القلب‭ ‬ليحزن،‭ ‬وإنا‭ ‬على‭ ‬فراق‭ ‬قداستك‭ ‬لمحزونون،‭ ‬ولا‭ ‬نقول‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يرضي‭ ‬ربنا،‭ ‬إنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬إليه‭ ‬راجعون‭.‬