كورونا والمنظومة المناخية : الحرارة عنصر حاسم في المعركة!

مما لا شك فيه أن العالم يوما بعد يوم يحصد مئات بل الاف من الخسائر البشرية جراء تفشي فيروس كورونا (كوفيد-١٩) في أنحاء المعمور، لكن نجد أن لهذا الفيروس التاجي ايجابيات على المنظومة المناخية، متمثلة في انخفاض انبعاث الغازات السامة ) CO2 NO2 , ( بنسبة تفوق ٢٥٪، على مدى ١٤ يوم من تفشي الوباء، و هو ما جعله حسب علماء المناخ أكبر انخفاض من الانبعاث منذ الحرب العالمية الثانية.

الا أن نشاط فيروس كورونا، فإذا حذفنا عامل الهجرة_ باعتباره مساعد في دينامية نشاط الفيروس_ سنجد أنه خلف تباينا واضحا على مستوى النطاق العالمي بين المناطق الحارة وتلك الباردة، بحيث سجلت أعلى معدلات الإصابة في الباردة منها، بينما أخفضها كان في المناطق الحارة، وهذا ما ينطبق بالأساس على المنطقة العربية التي يغلب عليها ويسود فيها المناخ الصحراوي الحار، وهنا يصبح التفكير في الوضعية على أنها ليست مسألة عفوية بل هناك سببية علمية وراء هذا التباين، والاختلاف في التوزيع. بشكل أكثر صراحة كل التفسيرات التي تجول حاليا في تفكيرنا حول المسألة، بالتأكيد تصب لا محالة في اتجاه الحرارة على أنها محور جواب سؤال كيف ذلك؟

منذ نشأة العشائر الاجتماعية إلى يومنا هذا، لا طالما عانت الشعوب، والمجتمعات التي تعيش تحت وطأة المناخات القاحلة الحارة من كوارث طبيعية جراء التصحر والجفاف، والتي سببها الأول والأخير ارتفاع درجات الحرارة، والتي أصبح ينظر لها بشكل سلبي، باعتبار أنها قاهرة لاستقرار المجتمعات، بل ومحددة لنمط عيشهم وثقافاتهم، حتى جاء فيروس كورونا ليؤكد عكس ذلك، بأن قساوة جوهرها يعد نعمة، وهي بذلك وبعد إرادة الله عز وجل، بيدها الحسم في المعركة.

فإذا عمقنا النظر في ذلك سنجد أن فيروس كورونا ينتمي إلى طائفة من الفيروسات تسمى المغلّفة، بمعنى أنها مغطاة بغشاء خارجي دهني، يعرف باسم الطبقة الذهنية المزدوجة، وتبرز منها نتوءات من البروتينات تشبه أطراف التاج، ولهذا سميت بالفيروسات التاجية. وتشير الأبحاث التي أجريت على الفيروسات المغلّفة إلى أن هذا الغشاء الذهني يجعلها أكثر تأثرا بالحرارة مقارنة بغيرها من غير المغلفة. فهذه الطبقة الذهنية تتجمد في الطقس البارد، كتجمُد الدهون المتساقطة من اللحم بعد تبريدها، وتقسو وتتحول إلى ما يشبه المطاط لتحمي الفيروس لوقت أطول عندما يكون خارج الجسم، ولهذا تستجيب معظم الفيروسات المغلفة للتغيرات الموسمية، وقد يقودنا هذا إلى الاعتقاد أن فيروس كورونا المستجدّ قد يصبح موسميا.

تمثل هذه الرؤية العلمية للفيروس بارقة أمل في وسط الأزمة، مما يتطلب استجابة عاجلة من قبل حكومات العالم، وخاصة العربية، من خلال برمجة الاستراتيجيات السوسيو-اقتصادية ذات البعد الايكولوجي، والتي تحد من تطاولهم البرغماتي على البيئة، لكن كيف يكون ذلك؟

نجاعة استراتيجية معينة من عدمها راجع بالأساس لمدى حضور مقومات تخطيط بيئي مستدام، والتي تتركز على : توفر  معلومات بيئية شمولية وتفصيلية، وجود بعد حاكماتي فعال  في الادارة البيئية، وتأهيل الموارد البشرية وفق منظور تنموي مستدام، فضلا عن الرقابة والتوعية البيئيتين، والمشاركة الشعبية في القرارات البيئية، وفي هذا الصدد تتكيف المقاولات والشركات الدولية والوطنية مع قواعد اللعبة الجديدة التي فرضها فيروس كوفيد-١٩.

ومن هذا القبيل واستنتاجا لما سلف ذكره، نجد ان الأزمة الصحية لها بعدين متناظرين متعاكسين: أولاهما سلبي متمثل في ارتفاع عدد الوفيات وهذا يشكل خطر على استقرار البنية السكانية لدولة مصابة، أما الايجابي متمثل في الحرارة والمناخ، وهذا الأخير لا طالما أثقل كاهله بمخلفات أنشطتنا الاقتصادية البرغماتية المضرة للبيئة، ها هي اليوم تؤكد الحرارة وحتى البيئة المضرة من الانسان أنها تحمينا بنظامها بل تشملنا برعايتها  الحاضنة للإنسانية.