داعياً إلى ضرورة تشكيل هيئة حقوق الإنسان وفق مبادئ باريس... الأمين العام لجمعية “مراقبة حقوق الإنسان”:

ما نعيشه من حراك حقوقي حقٌ أصيل لتراكم فعلي عبر امتداد التاريخ

اختلفت الآراء وتعددت في تعريف ماهية المجتمع المدني ورصد أهم مقوماته وطبيعة علاقته بالدولة والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد فيها. بيد أنه لا يمكننا اعتبار المجتمع المدني ساحة مفتوحة الأذرع للاختلافات والتناقضات بصيغة قانون الغاب، فهو أشبه “بحقل اجتماعي يعكس ممارسات البشر في صورة هيئة أو تنظيم اجتماعي منظم لإدارة وتسيير أمورهم”، في حين يرى البعض أن المجتمع المدني هو القوة الأساسية نحو الحراك الحقيقي في المجتمع باتجاه التغيير والنمو الطبيعي للوعي الإنساني في كافة مناحي الحياة، فهو بمثابة “اللبنة الأولى التي تقوم عليها مجمل الأحداث المؤسسة للنخب الفكرية” ونستطيع أن نستشف من ذلك التعريف أن أحد أبرز سمات مؤسسات المجتمع المدني هو تحررها النسبي من سلطة الدولة نحو تحقيق أغراض متعددة، وهذا بلا شك لا يتحقق دون توافر دولة قائمة على شرع القانون والمؤسساتية من جهة، ومجتمع مدني يتشح بوشاح الاستقلالية عن القوى المهيمنة في الدولة سواء أكانت تلك القوى سياسية أو دينية أو اجتماعية من جهة أخرى. مع الأخذ بالاعتبار لتصريحات رئيس مجلس حقوق الإنسان الدوليMartin Ihoeghian Uhomoibhi الأخيرة بشأن استعداده للتعاون مع البحرين في مجال حقوق الإنسان؛ لما “يتمتع به المجتمع المدني من حيوية أثرت الديمقراطية البحرينية”. فهل صحيح أن ذيوع صيت وتنامي مؤسسات المجتمع المدني جاء ليحل بديلاً عن دور الدولة في عملية البناء والتطور؟ وكيف لمؤسسات المجتمع المدني أن تتصدى لذلك وهي لا تملك قوة وصولجان الدولة بكافة أجهزتها وعتادها وحراسها؟ ما دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية التنمية السياسية في البحرين؟ هذا ما حاولنا معرفته لدى لقائنا بالأمين العام لجمعية البحرين البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، عضو مجلس الشورى الأستاذ فيصل فولاذ... إن فكرة الإعلاء من الولاء للوطن، فكرة حميدة، قد حث عليها ديننا الحنيف، ودعانا للدفاع عن حياض أوطاننا، ومما لاشك فيه أن تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني يقتضي بها أن تلعب دوراً على صعيد الوطن، فليس تحررها النسبي عن الحكومة يعني انسلاخها التام عن الواقع السياسي وما يمور فيه من تجاذبات، بل إن الوقت يحتم عليها العمل كشريك في صون مكتسبات الثوابت الوطنية وترسيخها بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من التكامل القومي... ترى، إلى أي مدى أوليتم فكرة التكامل القومي والإعلاء من الولاء للدولة أهمية في قاموسكم الحقوقي؟ - إن من أهم مرتكزات العمل بالنسبة لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان منذ بدء انطلاقتها وتشكل نواتها الأساسية في فبراير 2004 بين مجموع من المهتمين بالشأن العام، هو إيلاء عنصر “المواطنة” بعداً محلياً كبيراً، لاسيما أننا كجمعية حقوقية نفخر بأننا استطعنا أن نستقطب مختلف الديانات والأعراق ضمن سياق أهدافنا ومبادئنا، حيث المسلم “سنة وشيعة” والمسيحي واليهودي، وقد جاء الاتفاق على أن الانتماء لهذا الوطن وقيادته هو المحرك الأساس نحو تحقيق غاياتنا. وعلينا أن نعترف أن جميع المكتسبات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها البلاد، ما كانت لتكون لولا نضج ووعي القيادة بأهمية المشاركة التوافقية، مما أضفى بعداً تاريخياً لهذا الوطن. على أننا لاحظنا أن التركيز على مطلب الحقوق كان على حساب الواجبات، في حين أن حق الإنسان يبدأ من احترام حق الآخر، ومن هذا المنطلق عرفت تلك الديانات المختلفة أن تعيش في البحرين أكثر من مئة عام وتمارس طقوسها العقائدية دون أدنى مضايقة. فجاءت تجربة البحرين فريدة من نوعها على مستوى دول الخليج العربية من حيث التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الأطياف والمشارب الفكرية والدينية. وكانت رؤيتنا من هذا البعد أولاً وأخيراً؛ إذ استطعنا أن نستقطب مزيداً من الديانات للجمعية كالبهائيين والهندوس، وذلك إيماناً منهم ومنا بضرورة العطاء والمشاركة في بناء الوطن، وتعميق الثقافة الحقوقية لدى النشء. وهل ترى أن هذا التغيير في الثقافة الحقوقية في مملكة البحرين كان وليد قناعة القيادة بأهمية ذلك، أم كما يروج له البعض باعتباره مجرد مشروع دمقرطة قادم إلينا من الغرب؟ - لا يمكن القول إن ما تعيشه البحرين هو خضوع لإملاءات خارجية، فجميع التحليلات والشواهد تثبت أن البحرين سائرة على النهج الإصلاحي والانفتاحي منذ إعلان الميثاق الوطني 1999، أي قبل أحداث سبتمبر 2001. أضف إلى ذلك التاريخ التراكمي الذي نعيشه ومشاركات القيادة في عملية الاندماج المجتمعي على أكثر من صعيد، فالكثير من أبناء العائلة الحاكمة، من كان منهم في المحرق أو الحد أو الرفاع، أسهموا إلى جنب المواطن في الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، مما تمخض عنه أول مجلس بلدي في منطقة الخليج، وكان لنا شرف أول اتحاد عمالي وأول حركة أدبية وأول مجلس تعليمي، ولا يفوتني التذكير بأن أول مسرح وأول جريدة وأول امرأة تتقلى التعليم بدأ من البحرين أيضاً، فكيف يردد البعض أن ما نعيشه من ديمقراطية نابعٌ من قناعة ورغبة الآخر، بل هو حق أصيل لتراكم فعلي عبر التاريخ. من ضمن الأدوار التي تلعبها مؤسسات المجتمع المدني نحو تكريس مفهوم التنمية السياسية، ترسيخ مبدأ المؤسساتية في العمل السياسي... وقد يكون مطلوباً قبل شروع مؤسسات المجتمع المدني في مطالبة الدولة بتفعيل دور القانون والمؤسساتية في دوائرها، أن تبدأ بنفسها، على اعتبار أن خير العمل يبدأ بصاحبه، فإلى أي مدى أسهمتم كجمعية حقوقية في تطبيق قيم المؤسساتية والقانون داخل نشاطكم الحقوقي؟ - في الواقع هناك من تعود على النقد لمجرد النقد، وقد أزعج البعض تحركاتنا لما تتسم به من وضوح وشفافية وانطلاقة من الداخل، وامتثالاً لقوانين البلاد بعيداً عن تحقيق أية مآرب أو أجندات خارجية. هذا لا يعني أننا لا نلامس مثالب المجتمع ونواقصه، فما من أمر تام، “ولكل شيء إذا ما تم نقصان”، بيد أن لغة الحوار هي الفارق في المطالبة بالحقوق؛ إذ تتسم لغتنا بالهدوء والعقلانية والبعد عن الصخب والافتعال غير المجدي، فنحن نؤمن بأهمية التراكم، ونعي جيداً أن حرق الأوراق من شأنه إصابة أهدافنا وتطلعاتنا بمقتل. فما زلنا في بدايات التجربة الديمقراطية واستطعنا أن نحقق مكاسب، في حين مرت الشعوب الأخرى بـ200 - 250 سنة من عمر التجربة الديمقراطية، ولا تزال تتعرض لأخطاء وعثرات. عوداً على موضوع الالتزام بالقانون في أدائنا، أؤكد أننا لا ننطلق من منطلق تسييس جانب الحقوق أو أن نكون قبعة لجمعية سياسية، لذلك نشترط لمن يود الانضمام لجمعيتنا ألا يكون عضواً في جمعية سياسية؛ لمنع حدوث الازدواجية وتشتت الأهداف. وأستطيع أن أضرب لك مثلاً بمراقبة الانتخابات، فأنا لا أستطيع المراقبة، وفي الوقت ذاته أقوم بعمل “لوبينغ”، أي ضغط لصالح جمعيتي... إن ذلك من شأنه أن يفقدني روح الحيادية والموضوعية في تناول الملفات كل على حدة. ماذا فعلتم من أجل رفع سقف الوعي بالثقافة الحقوقية لدى المواطن وإقناعه بأهمية المشاركة؟ - لعل من أهم ما قمنا به في هذا المجال هو تدشين موقعنا الإلكتروني باللغتين العربية والإنجليزية في 2005، وذلك لما يشكله الحاسوب والإنترنت من مصدر معلومة لدى جيل الشباب، وقد تم ذلك برعاية الأمم المتحدة عن طريق ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لدى البحرين. كما قمنا بعقد ورش عديدة تتمحور حول موضوعات ذات صلة بروح المواطنة من قبيل الدستور، الميثاق والحقوق السياسية والاقتصادية... هذا فضلاً عن قيامنا بتأسيس هياكل تحت مظلة جمعيتنا، حيث أنشأنا حركة تسمى “احترام” لتكريس قيمة احترام الآخر - تحديداً المرأة- وقد وفقنا في الإسهام في إقرار قانون الأحوال الشخصية في شقه السني، وأتأمل أن يرى الشق الشيعي طريقه إلى النور قريباً. كما سعينا لإكساب العمالة المنزلية مزيدا من الاحترام والتقدير. وقمنا بالمرسم الحقوقي وإشراك الأطفال في التعبير عن رأيهم، ولنا مشاركات جلية في البحرين وخارجها، أجمل ما يميزها أنها قامت على كوادر بحرينية، ولست أجد غضاضة في القول إن كافة تقاريرنا ومداخلاتنا جنباً إلى جنب التقارير الرسمية. ماذا عن حجم الضمانات التي حصلتم عليها من قبل الحكومة في سبيل تفعيل أدائكم واقعاً؟ - لقد قدمت لنا الحكومة كل شيء. وحتى الآن لم نتلق اتصالا أو رسالة تبدي امتعاض الحكومة من تحركاتنا، بل هناك تشجيع واحتضان مستمران من قبل القيادة؛ ذلك أننا في نظر الحكومة طرف رئيس في إحداث التحول الديمقراطي في البلاد. وحتى بعد عودة الوفد الحكومي والمدني من زيارته لجنيف بعد النجاح الباهر الذي حققه (UPR) المراجعة الدورية الشاملة، استقبلنا في مجلس صاحب السمو رئيس الوزراء، وكان جل حديث سموه موجهًا لنا كوفد مدني، هذا يعطيك انطباعًا أن القيادة الحكيمة مدركة لأهمية أداء مؤسسات المجتمع في إحداث التنمية بكافة مناحيها في البلاد. أود أن أعرف رأيك في مسألة المبادرة التي أطلقها جلالة الملك فيما يعنى بالحوار الوطني عبر السلطة التشريعية كممثل عن الشعب؟ - لاشك أنها مبادرة كبيرة وكريمة، وعلينا جميعاً أن نحتضنها، خصوصاً أن من أطلقها هو رأس الهرم في الدولة، وأن كثيراً ممن حلم بالحوار، قد قارب حلمه للمثول واقعاً، وهي فرصة لمعرفة معدن الآخر، فإذا كان الاعتراض على أن هناك من هو ليس طرفاً في البرلمان سيحرم من الحوار الوطني، فإن الشارع هو من أوصل القوى السياسية (الأصالة، والمنبر الوطني، والوفاق، والمستقلين) للبرلمان، ولابد أن يكون لك كمواطن ناطق رسمي يعبر عن أحلامك وتطلعاتك، تلك قاعدة في كل أنحاء العالم لا يمكننا أن نحيد عنها. وأستطيع هنا أن أستشهد لك بمدى حصافة أداء “المنبر التقدمي الديمقراطي”، فعلى الرغم من أن أحداً لم يحظَ بالفوز في انتخابات 2006، إلا أنهم لم يرفضوا الحوار الوطني، بل إن د. حسن مدن هو أول من أطلق مبادرة الحوار. والحق أن هذه المبادرة الكريمة قد أظهرت معادن الكثير ممن تهفوا نفوسهم للبناء والإصلاح من أولئك الذين لا همّ لهم سوى المعارضة من أجل المعارضة. ما آمالك وتطلعاتك لمستقبل الحراك الحقوقي في مملكة البحرين؟ - أتمنى أن تشكل هيئة حقوق الإنسان حسب مبادئ باريس، وأن تحظى بالاستقلالية. كما أتمنى مشاركة الجميع في العملية السياسية ونبذ العنف والتطرف وكل ما من شأنه عرقلة عجلة التنمية والبناء، وذلك لن يتحقق إلا بالشراكة المجتمعية وتكاتفنا يداً بيد (قيادة وشعباً وحكومة) باحترام قوانين البلاد المنظمة لسير العملية التنموية، وعدم الاستقواء بالخارج، وإعطاء المرأة كافة حقوقها من جانب، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة من جانب آخر. فبلدنا أعطى الكثير، وآن الأوان لأن نبادله حباً بحب؛ إكراماً لمستقبل أبنائنا. أخيراً، هل تتوقع مستقبلاً مشرقاً لأبنائنا؟ - نعم، فالفئة الصامتة ذات الأغلبية بدأت تتحرك وتنتعش عبر ممثليها في المجلس الوطني بغرفتيه (الشورى والنواب)، وهي في ذلك تتكئ على ما تمتلكه من موروث كبير ثقافي واجتماعي وسياسي مع يقين بوجود قيادة حكيمة قادرة على استيعاب مكونات المجتمع البحريني باختلاف تضاريسه المذهبية والسياسية والفكرية والنفسية.