البحارنة: رئيس الوزراء أول من دعم "الغرفة" بسخاء كبير
| أجرى الحوار: نادر الغانم، أمل الحامد - تصوير: رسول الحجيري
في الحلقة الثانية من لقاء "الأحد"، يستكمل ضيفنا الاستثنائي تقي البحارنة حديثه عن ذكرياته المليئة بالشجون، والتي ينظر لها على أنها من الأمور الممتعة التي تستوقف وجدان أي مواطن يسعي لمعرفة مراحل تاريخية حصلت إبان حقبات مختلفة في تاريخ هذا الوطن العزيز، وفيما يلي نص الحلقة الثانية من اللقاء:
* هل كنت سفيرًا للبحرين في بلدان أخرى غير مصر؟
- عدت للبحرين في أواخر 1974، وعرضت عليَّ وزارة الخارجية التجديد، لكنني شعرت بكفايتي بهذه المهمة التي اعتبرتها تحديًا وخدمة للبحرين، وليست وظيفة فقط؛ لأنني كنت في الأساس رجل أعمال، وإن كانت قد فاتتني فرص أعمال عديدة في السنوات الأربع، ولكنني أشعر بالسعادة أنني خدمت وطني بإخلاص وقمت بتأسيس سفارة البحرين في جمهورية مصر العربية، وعملت على إنشاء العلاقات مع الدول وتحسينها، وأخذت اعترافات الدول باستقلال البحرين، كما سعيت لتحسين العلاقات الاقتصادية مع الدول الاشتراكية في ذلك الوقت مثل الصين، ودول أوروبا الشرقية، وأصبح هناك تعاون تجاري، وبذلك انتهت عقدة الاعتراف المتبادل فيما بعد.
لقد أثلج صدري كثيرًا موقف سمو أمير البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة عندما انتهت مهمتي، إذ استقبلني بحفاوة، وشكرني كثيرًا، إضافة إلى جلالة الملك (حين كان وليا للعهد)، ورئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي داوم على تعييني في مجالس الشورى المتعاقبة بين العام 1993 حتى العام 2002.
* لقد كنتَ عضوًا في عدد من الشركات والبنوك والمؤسسات؟
- بدأ تكليفي بعدد من المهام من جانب الدوائر الرسمية وشبه الرسمية، ابتداء من خمسينات القرن الماضي حين أحالت إلي غرفة التجارة والصناعة مهمة التحقيق في مخالفات إدارتها المالية، وبعدها لحلّ عدد من المنازعات التجارية. كما كلفتني المحاكم بالتحكيم في عدد من قضايا المنازعات التجارية أيضًا، وعينت في لجنة وسائل المواصلات في عهد المرحوم يوسف الشيراوي، ثم عينت عضوًا في دائرة أموال القاصرين وبعد ذلك في لجنة الزكاة، ولجنة المساعدات للمجاهدين الأفغان ولجنة تسمية الشوارع ولجنة طوابع البريد الخيرية، وصندوق التعويضات التعاوني برئاسة المرحوم عبدالله فخرو، ولجنة التعاون البحرينية المصرية المشتركة، وعضوًا في مجلس أنشاء سوق الأوراق المالية في عهد الوزير حبيب قاسم، وشركة مطاحن الدقيق الحكومية في عهد الوزير علي صالح الصالح. وبعد تولي جلالة ملك البحرين تم تعييني في لجنة وضع الميثاق الوطني وفي لجنة صياغة الميثاق. وبعد ذلك في لجنة تطبيق توصيات الخبير السيد بسيوني، وفي فرقة تحقيق المصالحة الوطنية. وحاليًا نائبًا لرئيس جائزة عيسى لخدمة الإنسانية وعضوًا في الهلال الأحمر البحريني. هذا كل ما تعينني عليه الذاكرة بالنسبة للدوائر والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية.
أما بقية المؤسسات والشركات العامة، فأذكر منها مثلا غرفة تجارة وصناعة البحرين، وكنت فيها خلال الستينات رئيسًا للجنة الموازنة والمؤتمرات والعلاقات الخارجية، وكان وقتها المرحوم علي الوزان رئيسًا للغرفة، وفي عهده توليت أيضًا رئاسة لجنة تعديل النظام الأساسي للغرفة في مراحل عدة، وفي أواخر الستينات انتخبت رئيسًا لاتحاد غرف تجارة وصناعة إمارات الخليج العربي. ثم استقلت منها بعد تعييني سفيرًا فوق العادة مفوضًا في جمهورية مصر العربية. وفي الثمانينات كلفت بتولي رئاسة لجنة الأبحاث والدراسات في غرفة التجارة والصناعة البحرينية.
وشاركت في إنشاء البنك الأهلي التجاري وذلك في العام 1967، والذي هو الآن البنك الأهلي المتحد، وكنت في مجلس إدارة البنك إلى العام 1993 عندما كلفني سمو رئيس الوزراء بأن أكون عضوًا في مجلس الشورى، فرأيت أن أتخلى عن هذه المناصب حتى أتفرغ لمهمتي الجديدة.
فاستقلت من الغرفة ومن البنك ومن رئاسة شركة التأمين الأهلية رغم إلحاح الزملاء؛ وذلك لكي أفرغ نفسي لأعمال مجلس الشورى والمهمات المكلف بها باعتباري كنت رئيسًا للجنة المؤتمرات والاتصالات الخارجية لمجلس الشورى.
* لقد كنت عضوًا في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين خلال فترة السبعينات والثمانيات. كيف تجد الفارق في أوضاع الغرفة بين الماضي والآن؟
- إن غرفة التجارة ومنذ إنشائها في العام 1939 كانت تتكون من تجار كبار في السن، ولديهم تجارب ويحترمون بعضهم البعض، ويسعون عند وجود أية خلافات إلى حلها بصورة عقلانية، ولهذا فقد سارت الغرفة بانسجام، كما كان أعضاء الغرفة المشتركين يحترمون أعضاء مجلس الإدارة؛ لأنهم تجارا يتعاملون معهم، فكان هنالك بينهم تفاهم واحترام متبادل.
لقد كانت هناك خلافات تقع، لكنها خلافات دون عصبية، ولهذا أعتقد أن العامل الأول في هذا الشأن أنها كانت تتكون من رجال ذوي خبرة، ومعظمهم معروفون في التجارة والأعمال مثل بيت فخرو وبيت كانو وبيت يتيم والمؤيد ويوسف المشهور في السوق بيوسف (كاز)، وجاء من تلك البيوت رؤساء للغرفة - وغيرهم سواء من بيوت تجارية أجنبية أو عوائل تجارية شهيرة.
ثم تغيرت مسؤوليات الغرفة، وأصبحت أثقل من ذي قبل ابتداء من الثمانينات، وتغيرت الوجوه إلى وجوه شابة، والشباب كما نعرف متحفز ولديه آمال وطموحات كثيرة، وبعضهم سريعو الغضب، وفيهم خريجو جامعات خلافًا للسابقين، وقد ألفوا الصراحة دون المجاملات - ولا نلومهم على ذلك-. ولكن أعتقد أن عليهم إيجاد وسائل مجدية لحل ما ينشأ بينهم من خلافات بالحوار الهادف واستبعاد العوامل الشخصية.
ومن الأمور الأخرى التي تجدر الإشارة إليها أن موارد الغرفة في ذلك الزمان كانت محدودة تعتمد فقط على اشتراكات الأعضاء، ومعظهم يتخلف عن دفعها، وربما بلغت نحو 100 ألف ربية، أو200 ألف ربية. أما الآن، فهي بما تحصل عليه من دعم معنوي ومادي من سمو رئيس الوزراء ومن إيجارات مبانيها واشتراكات الأعضاء ربما تصل إلى ملايين الدنانير. وأعضاء مجلس الإدارة في الغرفة أصبحت عليهم مسؤولية كبيرة في استثمار هذه الأرصدة من الأموال وكذلك التأكد من وجوه الصرف والإنفاق منها حفاظًا على ذممهم ومسؤولياتهم. فإذا أثيرت ضجة ومساءلة عند تدقيق الحسابات، فهو أمر طبيعي يقتضي من الإدارة المالية في الغرفة التعاون مع مجلس الإدارة بمنتهى الشفافية ومن دون حساسية أو إحراج.
ومن الأمور الأخرى أن قانون الغرفة الأساسي القديم، والذي شاركت في تعديله كان يستند إلى القانون الموحد لاتحاد غرف التجارة العالمي في باريس. وبموجبه تكون غرفة التجارة والصناعة مؤسسة مستقلة، ويؤخذ رأيها في إنشاء الجامعات والمواني ومعاهد التدريب وفي القوانين التي لها علاقة. وفي القانون الجديد تكاد تكون الغرفة تحت إشراف وزارة التجارة والصناعة. وفي هذه الحالة تكون مسؤولية الغرفة كبيرة لاسيما فيما يتعلق بالموازنة والقرارات التي لا تتفق مع وجهة نظر الوزارة إلى غير ذلك.
* تشعر أن هذه الصلاحيات كلها ذهبت وغير موجودة؟
- لا أعتقد أن قانون الغرفة تم تعديله بغرض تحديد صلاحيات الغرفة وربما وضعت صلاحيات لوزارة التجارة والصناعة؛ من أجل التنسيق بين مشاريع الحكومة وإستراتجياتها الاقتصادية مع الغرفة لتلافي التعارض بينهما وما يتبقى من نقاط الاختلاف أعتقد انه مازالت توجد لجنة مشتركة بين الوزارة والغرفة للحوار؛ بغية الوصول إلى حلول مشتركة. ولعل من الجائز للغرفة أن تطالب بإنشاء لجان مشتركة مع مختلف الوزارات والدوائر الحكومية التي لها صلة بمصلحة رجال الأعمال وشكاوى أعضاء الغرفة في المجالات المتعددة. ومن واجب الغرفة أن تنقل أراء وتطلعات جمهورها إلى المسؤولين والدفاع عن مصالحهم إذا تجاهلتها الأنظمة والقوانين لاسيما حين تؤدي إلى أضرار مادية أو معنوية دون أسباب وجيهة تتصل بالمصالح الوطنية العليا.
* هل كانت الغرفة تتلقى دعمًا حكوميًا؟
- الغرفة في العهود الماضية كانت مستقلة ولا تتلقى أي دعم، الأول الذي استطاع أن يقنع الحكومة بمساعدة الغرفة هو علي الوزان، والثاني هو المرحوم علي يوسف فخرو، وذلك عن طريق سمو رئيس الوزراء في المساهمة في بناء مبنى الغرفة في سوق المنامة (المبنى القديمة)، ولكن سمو رئيس الوزراء كان يشعر بأهمية غرفة التجارة فرصد لها موازنة سخية، كما أن سموه ساعد في بناء مبنى الغرفة القديم ومنحهم أرض الغرفة، ثم تكفل بكل ما يتعلق ببيت التجار الحالي ولا يزال مهتمًا بالموضوع. فالقصد أن تكون الإدارة في الغرفة اليوم مستقرة وهادئة ومتفرغة؛ لتأدية وظيفتها التي ازدادت الآن، وهي ليست فقط دراسات ولجان وهنالك مسؤوليات جديدة على الغرفة في مجالات متعددة.
* متى بدأت الكتابة؟
- بدأت في الخطابة وإلقاء الكلمات أولا في نادي العروبة عندما كان عمري نحو 15 عامًا. ثم كتبت في صوت البحرين العام 1949- مقالات اجتماعية وأدبية ومقالات عن الأسفار وأخرى عن الإسلام والقومية العربية. وألقيت محاضرة في العام 1957 في النادي الأهلي في شارع الزبارة عندما كان عمري 27 عامًا، وهذا مذكور في كتابي (أوراق ملونة)، وأول كتاب تم طبعه ونشره هو (نادي العروبة وخمسون عامًا) في العام 1993 وبعد ذلك صدرت لي ثلاثة دواوين شعرية وثلاثة كتب ثم الكتاب الحالي (مذكرات سفير)، ونشرت قبل ذلك العهد وبعده مقالات وأشعار في الصحف والمجلات.
* من من الشخصيات التي لك ذكريات عديدة معهم؟
- "أبو مشعل" عبدالنبي الشعلة له معي زمالة في مجلس الشورى وغرف التجارة وذكريات. وهو الشخصية الذي وقفت بجانب الجالية الهندية وسعى في سبيلها وشكل لها كيانًا خاصًا. ويذكر للشعلة بشاشته وسعيه إلى قبول الآخر، وميله إلى المرح. وأنا دائم التواصل معه سواء عبر الإيميلات أو الواتس اب.
* من هو أقرب أصدقائك الذين تلتقيهم يوميًا؟
- بيني وبين رسول الجشي صداقة وود قديم ومصالح مشتركة وحب متبادل ولقاء دائم. وأصدقائي كثيرون ولا أعتقد أنني في سلوكي المتزن استجلبت عداوة أو بغضًا عند الآخرين، وأحمد الله على حسن العاقبة.
* حكمة تؤمن بها، وترددها دائمًا.
- حكمة أعجبتني (رأس الحكمة مخافة الله) منسوبة إلى الأمام علي عليه السلام. والحكمة الأخرى كانت مكتوبة على نادي العروبة القديم ورسخت في ذهني (أحب الرجل الذي يكافح وهو يبتسم).
* بيت شعر قريب إلى قلبك.
- توجد أبيات كثيرة والشاعر يعتبر أشعاره بنات أفكاره لكل قصيدة مناسبة وخاطرة، ولكن يحضرني من شعري هذا البيت: (إنما العزة أوطان نمت * ونفوس حرة ذات رشاد)