يبشر بزوال الشيوعية في الصين....

كتاب “عودة الله” يتحدث عن صحوة الغرب الدينية

شهد الغرب مرحلة وجد فيها المرء نفسه قادراً على العيش بمفرده... أي من دون الحاجة إلى الصلاة او استذكار الله، لا بل بات يُعتبر كل من هو ثابتٌ في إيمانه على انه مضلل وخائب. لم تتوقف الامور عند هذا الحد، بل قام احد كبار الفلاسفة، وهو فريدريك نيتش، بإعلان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مفاده ان الله غير موجود. ابتداءً من أوائل القرن العشرين وتحديداً النصف الثاني من القرن المنصرم، كثرت الاتجاهات والافكار التي نادت بالحرية الفكرية واعتبرت ان الدين يحد من قدرات الذهن، وبالتالي بات ضرورياً الابتعاد عن الدين الذي “يشتت الأذهان” بحسب تلك المذاهب. رغم كل هذه المواقف، نرى ان الدين، الذي بهت في فترةٍ من الفترات، قد عاد بقوّة في الآونة الاخيرة وبات يسيطر على الخطاب السياسي، وكأن الشعوب الغربية تداركت أهميته وفضلت عدم خسارته قبل فوات الأوان. وبالإضافة الى الخطاب السياسي، نلاحظ ان النبض الديني عاد الى سكان الغرب الذين وجدوا فيه الملاذ الوحيد في محنهم اليومية. انطلاقاً من “نبض الشارع”، قام الكاتبان جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج بتأليف كتاب “عودة الله، كيف غيرت الصحوة الدينية العالمية وجه العالم” (God Is Back: How the Global Revival of Faith Is Changing the World) الذي يتحدث عن عودة الدين إلى الحياة العامة لسكان العالم على اختلاف ثقافاتهم، ويؤكد الكاتبان على أن الديمقراطية والتكنولوجيا والحرية قد عززت من انتشار الدين. ولكن عن أي عودة الى الدين يتكلّم الكاتبان، وهل الله سبحانه وتعالى، الذي نتضرّع اليه دائماً، هو هو، بالنسبة لجميع الناس، خصوصاً الذين يشنون الحروب باسمه؟! يجيب الكتاب، الذي صدر في أواخر شهر ابريل/نيسان من العام الحالي على هذه الاسئلة انطلاقاً من خبرة الكاتبين حيث يتولى جون ميكلثويت رئاسة التحرير في مجلة “ذي ايكونومست” بينما يتولى أدريان وولدريدج ادارة مكتب واشنطن في المجلة عينها. البقع المهددة بالانفجار مما لا شك فيه، ان عالمنا اليوم يقوم على المنطق الديني انطلاقاً من الدول الإسلامية في الشرق وصولاً الى الدول المسيحية في الغرب. وكثير، لا بل أكثرية الصراعات القائمة بين البلدان او حتى بين القارات تقوم على الدين، ولا يمكن، بعد الآن، انكار هذه الصراعات، بل يجب التعمّق بها وايجاد الأسباب الحقيقية وراء نشوبها. وقد تمكّن الكاتبان من تحديد المناطق الساخنةً للصراعات الدينية، واولها تمتد من النصف الجنوبي الإسلامي للكرة الأرضية بطول خط العرض عشرة الذي يمر تحديداً في السودان وصولاً الى الفلبين، وتعتبر هذه المنطقة كالزلزال الذي سينفجر بين يومٍ وآخر مسبباً الكثير من الخسائر. كما ان منطقة المغرب العربي تشكل نقطة تصادم ما بين البروتستانتية – الإنجيلية المتجهة شمالاً والأصولية – المسلمة المتجهة جنوباً، وفي حال التقاء هذين الطرفين، لا يمكن تجنيب المنطقة، وبسهولة، مجزرةً حقيقية. وبعيداً عن الاسلام والمسيحية، تلعب البوذية ايضاً دوراً في اشعال فتيل الحروب، تماماً كما حصل في بورما حين اسقط الرهبان البوذيون النظام الحاكم او حتى حين اشعلوا الصراعات الدينية الدامية التي شهدنا أحداثها الرهيبة في الايام القليلة السابقة ما بين دولة سريلانكا والتاميل الهندوس. حتى ان الدين يتدخل، في بلادٍ كالهند، في معالم الحياة اليومية كالهندسة... فقد واجهت الهند اكبر اشكالية سياسية في تاريخها الحديث عندما قررت الشروع بتغييرات هندسية لجسرها الممتد تحت الماء الذي يصلها بسريلانكا، ففي حين كان الحزب العلماني يسعى الى هذا التغيير لاسبابٍ اقتصادية، كان المتشددون يرفضون هكذا تغيير باعتبار ان اسطورة هندوسية قديمة تقول ان “قرودا” قامت ببناء هذا الجسر حتى يتمكن الإله “راما” من الانتقال من الهند الى سريلانكا! واخيراً، برزت اهمية الخطاب الديني والتعصّب الديني بشكلٍ عام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فقد وجد العالم الغربي نفسه بمواجهة العالم الشرقي، كما وجد العالم الشرقي نفسه في خانة الاتهام في حين لم يرتكب اي جريمة فعلية. وعلى اثر هذه الاحداث، برزت تحالفات جديدة جمعت في كثير من الأحيان الاضداد وسقطت أنظمة كثيرة. العودة الى الدين ما من شعور اروع من العودة الى الدين والقيم الدينية، فحتى علماء النفس او العلمانيون يؤكدون ان الدين يعطي راحة كبيرة وان للصلاة قوة لا يمكن تدارك مفاعيلها. ولكن أي عودة؟ والى اي دين؟ بما ان الدين هو السبب الاساسي وراء اكثرية الحروب حول العالم، فذلك يعني ان من يمارس الحروب باسم الدين يقوم بذلك بطريقة متطرفة تخالف القيم الحقيقية التي يقوم عليها الدين، اذ ان كافة الاديان، وبالتحديد السماوية، تدعو الى المحبة والتسامح، اما الحروب التي تقوم اليوم، فهي تتم بحسب السلوك الاصولي، اي بمعنى ان العودة الى الدين، عند البعض، لم تتم بمفهومها الايجابي، بل بتطرّف، والتطرف لا يمكن ان يجر وراءه سوى المزيد من التطرّف والدمار والصراعات الدموية. حتى ان الصراعات التي بدأت على اساسٍ علماني، باتت تأخذ حيزاً دينياً، كالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الذي بدأ كمنافسة على ارض فلسطين ومن يملك الحق على هذه الارض، ونراه اليوم يأخذ حيزاً دينياً. ويرى الكاتبان ان العودة الى الاصولية، تحديداً الاصولية الاسلامية، قد يكون السبب الاساسي امام حروبٍ صليبية في العالم. وقد بدأت النزعة الصليبية بالبروز بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر. ودائماً بحسب الكاتبين، إن الراديكالية الشيعية في إيران والأصولية السنية في السعودية – بحسب وصفهما – ستشكلان الدافع الرئيسي أمام الحروب الجديدة التي ستشنها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. اما القارة الاوروبية العلمانية، فيبدو انها تعود تدريجياً الى الدين، ففرنسا ساركوزي تدعو الى العودة الى جذور الدين في حين يزداد تأثير الكنائس في انكلترا. كما ان الكنيسة الكاثوليكية – ابتداءً من البابا يوحنا بولس الثاني وصولا الى البابا بينيدكتوس (مبارك) السادس عشر - تسعى الى بسط صيغة دينية أكثر تقليدية والى “كثلكة الحداثة”. حتى ان الولايات المتحدة الإنجيلية تحرص دائماً على اظهار اهمية الدين في نمطها السياسي، ورغم ان الرئيس الحالي باراك اوباما ديمقراطي اي يساري الميول، الا ان خطابه وكتابه الشهيرين حملا عنوان “جرأة الامل” تيمناً بخطاب “جيريمي رايت” وهو الرجل الذي أرشده الى الله عندما كان لا يزال يافعاً. سقوط الشيوعية لا يمكن نسيان كيف ان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني قدّم صلوات كثيرة من اجل سقوط الشيوعية التي كانت تعد من اخطر العوامل التي هددت الكنيسة، وبالتالي، يمكن الجزم ان لسقوط الشيوعية اثر كبير امام عودة بروز دور الدين. ساهم سقوط الشيوعية وظهور العلمانية ببروز الصحوة الدينية العالمية، فامتزج الدين بالسياسة، في الحياة اليومية، بفضل النموذج الإنجيلي الأميركي الذي هدم الحواجز بين الكنيسة والدولة، وقد تمت الاستعانة بأدوات العولمة للتبشير حول العالم. كما تحوّلت واجهة روسيا من دولة لا تعترف بالدين الى دولة مؤمنة تستند على الخطاب الديني وعلى العودة الى جذور الدين كما كانت الحال ايام قياصرة روسيا. فقد أظهرت آخر استطلاعات الرأي ان 84% من الروس يؤكدون التزامهم بالدين المسيحي في حين لا يزال 16% فقط منهم ملحدين، وابرز مثال على عودة روسيا الى الدين يكمن في الرئيس السابق فلاديمير بوتين الذي اشتهر بارتداء الصليب وبملازمة الصلاة والكنيسة بالإضافة الى دائرة الاستخبارات الروسية التي تحتوي كنيستها على مجموعة نادرة من الأيقونات. اما اغرب ما برز في الكتاب فهو ان الصين الشيوعية ستتحول ما قبل العام 2050 الى اكبر دولة مسيحية اذ ان عدد المؤمنين المسيحيين فيها بات يفوق عدد المنتسبين الى الشيوعية. نلاحظ ان الكتاب يشدد على ان الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي يحمل طابعاً دينياً ويتناسى العوامل الاخرى كحق الارض... ولا يمكن اختصار خلاف عمرة 60 سنة بمجرد اشكالية دينية. كما ان الكتاب يؤكد ان العلمانية والدين يمكنهما التعايش جنباً الى جنب، لا بل يكملان بعضهما البعض... فهل ان الدين بشكله المعاصر العلماني يحمل معالم الدين الفعلية، ام انه يغيّر بها، ولو بالمضمون، حتى تتماشى مع العصر؟! كذلك، نجد في الكتاب دلالات واضحة تؤكد عودة الدين الى الغرب من دون التطرّق فعلياً الى الشرق، باعتبار ان هذه البقعة من العالم لم تتخل فعلياً، في اي يومٍ من الايام، عن أديانها (على اختلافها). واخيراً، مهما اختلفت الاديان لا بد للشعوب ان تتذكر ان للدين اهدافاً نبيلة تتخطى المصالح الشخصية ولا يجوز ان يستمر عالمنا المعاصر بشنّ الحروب تحت شعار الدين، حيث يموت الأبرياء، فينتصر الاقوياء ويتشوّه وجه الدين.