بعضهم يسوق له بشكل جيد...

حفلات التدشين تروّج للكتاب أم بروتوكولات خاسرة؟

يسير الكتاب على وقع مجلجل، عند حفل تدشينه، إذ يرى المؤلف أن أوراقه التي امتلأت بالحبر، وسارت نحو النشر بأي وسيلة إلكترونية أم ورقية، قد حان انتشاؤها في مخطوطة/ منظمة/ مفهرسة/ معنونة، بغلاف مصقول بجودة كبيرة، نوعاً ما، طبعاً كما أراده المؤلف... في ريبورتاج البلاد ولمعرفة بعض النقاط حول المؤلف والكتاب تساءلنا عن المؤلف الذي يحاول إبراز صورة الكتاب مسبقاً أي ما قبل حفل التدشين، ومن جهة أخرى استوضحنا صورة الكتاب التي تأتي إما على شاكلة، مادية، أو ترويجية، وتعويضية، أي عناء يتكبد المؤلف؟ إضافة إلى النسخ المجانية التي تهدى، بينما آخرون يضطرون إلى شرائها؟ وإلى ذلك ، ألا يخشى المؤلف من انحسار/ انقراض الحضور إلى هذه المناسبات التدشينية؟ كذلك ماذا عن المؤلف الذي يذهب نصف أو جزء من ريع كتبه إلى المؤسسات المعنية لرعايتها له؟ الكتاب عمل تطوعي يقول الناقد جعفر حسن “يبدو من خلال اطلاعنا على تجارب الآخرين أن الكاتب يسعى لإبراز صورة كتابه قبل نشره، وما تتناقله الصفحات الثقافية عن الكتب المزمع اصدراها إلا دورانا في هذا الفلك، ويبدو أن هناك امتعاضا من بيع الكتب ناتج مما ترسخ في ثقافتنا عن الكاتب الذي ينقل العلم ولا يطلب مقابلا له، وكذلك تتطابق مع صورة المعلم التي تركها الجاحظ، بينما نرى العكس في كتب التراث التي تشير إلى تقدير الخلفاء للكتاب وللمترجمين، ونرى أن من حق الكاتب أن يبيع كتابه، ذلك أن الناشر يقوم ببيعه ويحتفظ بكل المردود المادي. ويضيف “أن توزيع الكتاب المجاني هو من قبيل التشجيع على القراءة، لأن من ينظر إلى كمية الكتب التي تطبع في العالم العربي وتسوق، يعرف أنه لم يتحرك السوق على أساس قوى العرض والطلب، ذلك الطلب الذي يخلق ضمن سياسة الإغراق التي تولد الحاجة، ولا توجد سوق بمعنى من المعاني لهذه السلعة، والكتاب لا يعامل على هذا الأساس، ولكنه كذلك، ولا تزال صورة المثقف المدمن على الكتب مخيفة في مخيالنا الجمعي، فإن تكون مدمنا على القراءة، يصيبك العمى أو الجنون والشقاء، أو يؤهلك ذلك للذهاب إلى ما وراء الشمس”. ويوضح قائلا “يبدو أن العمل الكتابي هو في نهاية المطاف تطوعي مثله مثل العمل في مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي لترويج الكتاب يمكن أن يروج للتبرع أيضا بالريع المالي أو ببعضه ولا بأس في ذلك”. أهدي نسخا للمثقفين والمهتمين بالقراءة بدوره، يقول الكاتب حسن مدن إن مؤلف أي كتاب يريد لكتابه أن يُعرف ويُقرأ من قبل القراء، وما حفلات تدشين الكتب أو التوقيع عليها سوى شكل من أشكال ترويج الكتاب والتعريف به، وبهدف وصول نسخ منه إلى أكبر قطاع ممكن من القراء”. ويضيف “ما عدا كتابي الأخير:”ترميم الذاكرة”، فان بقية كتبي صدرت في دولة الإمارات فترة إقامتي وعملي فيها، وهي صادرة عن مؤسسات ثقافية هناك، وأُقيم لبعضها حفل توقيع عند صدورها، خاصة في معرض الشارقة للكتاب، وإن كان هناك من عائد مالي فانه يذهب للمؤسسات التي تولت إصدار هذه الكتب”. ويوضح مدن “أن “ ترميم الذاكرة” صدر هو الآخر عن قطاع الثقافة والتراث الوطني الذي أمن لي بعض النسخ التي وُزعت مجاناً في حفل التوقيع الذي أقامه القطاع في متحف البحرين الوطني”. ويتابع “بشكل عام فإن العائد المالي لنسخ كتبي التي بيعت ذهب للجهة التي نشرتها، التي لم تمنحني سوى مجموعة من النسخ قمت بإهدائها إلى أصدقائي والى المهتمين بالقراءة من مثقفين وسواهم، وفي بعض الحالات دفعتُ شخصياً تكاليف النشر والطباعة للناشر مسبقاً”. وختاما يقول “إن المؤلف غالباً -كما افهم من تجربتي، يقوم بإهداء حصته من النسخ، أما الناشر فهو الذي يبيع”! أما عن خشية انحسار الحضور لحفل التدشين فيرى مدن أن الأمر لا يقلقه، لكنه يعتقد أن الناس ستظل تهتم بالكتاب الجيد. استثمار المنتج الثقافي مرتين من جانبها، تقول ضياء الكعبي إن “هناك تسويقا ذكيا للكتاب يتم قبل حفلة التدشين وبروتوكولاتها المتميزة، وهي أن المؤلف ينشر نتاجه الإبداعي بصيغة مقالات أسبوعية في زاوية لإحدى الصحف ذات الانتشار المحلي أو الإقليمي، وعندما تنتهي المقالات يعلن عن حفل التدشين”. وتضيف “أن هذا النمط من التسويق والترويج أراه استثمارا فاعلا جدا من نواحٍ عدة فهو يضمن للمؤلف أن كتابه سيصل إلى أكبر قاعدة قرائية افتراضية له، لا سيما إذا حسبنا عملية النشر الإلكتروني للمقالات، ومن ناحية ثانية المؤلف سيستثمر منتجه الثقافي ماديا مرتين:المرة الأولى من خلال المقالات المدفوعة والمرة الأخرى من خلال دار النشر والاتفاق معها على نسبة ربح معينة”. وتوضح “حفلات تدشين الكتب عندنا هي في حقيقتها حفلات لتوزيع الكتاب المحتفى به مجانا، ولكن من حق المؤلف أن يقتصر تدشينه لكتابه على التوقيع فقط دون التوزيع المجاني لكل من يأتي. علما ان المناسبات التدشينية للكتب حتى وقت قريب في عالمنا العربي مقتصرة على النجوم الأدباء الكبار على سبيل المثال “نزار قباني ومحمود درويش ومن هو في مثل قامتهما الإبداعية.وكادت مناسبات التدشين هذه أن تصبح امتيازا لبنانيا ثقافيا بجدارة؛ إذ حافظ معرض بيروت الدولي للكتاب على ترويج المناسبات التدشينية”. وتتابع “في الخليج برز طقس التدشين وتكرس تأثرا بالمزاج اللبناني ومن خلال فاعلين للنشر من اللبنانيين”. وتستدرك قائلة “وحتى لا تتحول مناسبات التدشين عندنا إلى استعراض شكلي “لمن هب ودب”من المؤلفين لا بد من عملية انتقاء يقوم بها المتلقي الذكي كي يختار من بين هذا الكم الهائل من العروض”.