عبدالحميد المحادين: قيادة رئيس الوزراء ألهمت خيال الشعراء وأطلقت قيمهم الشعرية
منذ أن أطل رئيس الوزراء صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة على الشأن العام، تشكلت آثار لذلك في مواقع كثيرة، تبدو للوهلة الأولى متباعدة، ولا يربطها ببعضها أي رابط عضوي، فهل يستطيع الباحث أن يتتبع رحلة الماء في عروق الشجرة، وهي تنمو. وتتكون بالنسق الأخضر والأوراق، وتصير الزهور، ثم الثمار والبذور، فهي جوانب يمكن لمحها ولا يمكن تقنينها أو تحديد آثارها وعلاماتها، فهي أدخل في تشكلات الحياة ذاتها.
في حوار الحلقة الثانية مع المحادين، تستكمل “البلاد” حديثه الشيق عن خليفة الشعر والثقافة.
الشعر والبطولة
يتابع المحادين حديثه قائلاً: إن شخصية صاحب السمو رئيس الوزراء ألهمت عشرات الشعراء بقصائد كرست مزايا هذا القائد الفذ، ودارت حول شخصيته وإنجازاته ومواقفه حركة شعرية لافتة، اتخذت روحها من مزاياه ومن أبعاد شخصيته وتكامل الإنسان في مواقفه، وبراعة قيادته، فصار موضوعاً للشعر الجميل الذي يتغنى بجوانب متعددة من هذا الرجل الذي هو في منتصف الساحة الشعرية كالراية يلتف حولها الآخرون ويقولون في خصائص حضوره ما يجمل من الشعر ويطيب من البيان.
لقد أشعل سموه خيال الشعراء وبث في شعرهم قيماً اشتقت من قيادته، ومواقفه ومشاعره، وأقواله وإدارته، فصارت أشعارهم وثائق تؤرخ لهذا الرجل الذي قاد هذه السفينة أعواماً طويلة، ولم تخطئ بحمد الله الميناء ولم تضل في البحر، بل كانت تعرف كيف تبحر وكيف تقف في موانئ السلام والاطمئنان.
لقد تكونت علاقة وثيقة بين اكتمال البطولة والنموذج القيادي والإنساني في شخصية صاحب السمو الشيخ خليفة، واكتمال الشعر المنبثق من هذه البطولة والإنسانية، فجاء الشعر توصيفاً وتسجيلاً وتحليلاً في إطار لغة اجتياحية، مكتنزة بالبساطة والعمق وبالتلقائية والصناعة، متكاملة في رحاب رجل هو النموذج المكتمل لمعنى التفاني والإنجاز والتخطيط.
إن العلاقة بين الشعر وبين سموه ظاهرة تكاد تجعل خليفة بن سلمان هو الشعر، ولسنا بصدد دراسة الشعر الذي تماهى مع سموه، فهذا له مكان آخر، ولكننا من وجهة كمية وموضوعية نقول إنه كان محفزاً لا حدود لأثره في حركة الشعر المعاصر في البحرين.
جاشت النفوس
كثيرون ممن قالوا الشعر لم يعرف لهم شعر في أي موضوع آخر سوى ما فجره من مكامن مشاعرهم سموه، فكان لروعة حضوره ما يبرر استدعاء شاعرية كانت كامنة أو هادئة، فجاشت النفوس وكان الشعر في هذا الحقل لا سواه.
فسموه كان المفجر الأول لحركة شعرية تعالت غصونها والتفت أشجارها. وكما هو معلوم فقد نشأ الشيخ خليفة في منطقة الصخير، وتلقى الشعر سماعاً ورواية، واكتمل فيه الشعر الرواية والدراية، وقد تجلى اهتمام الشيخ بالشعر خاصة، والأدب عامة، في مواقف كثيرة.
ومن هذه المواقف المشهورة انه في مناسبات كثيرة كان يصغي إلى الشعراء يلقون بين يديه أشعارهم التي تدور حول منجزاته وسماته، وكان الشعراء يحسون أمامه بالدفء والألفة وهو يغمرهم باهتمامه وتقديره، ويتذوق الجميل من أشعارهم وقلما يخلو مجلس الشيخ خليفة من الشعراء الذين يتلقون الترحاب من سموه.
لقد كان سموه يشجع الشعراء، ولقد دأب على نشر مجاميع للشعراء على حسابه، وبعض الشعراء كتبوا دواوين كاملة محضوها لسموه وكرسوها له.
وحين ألمّ بسموه عارض صحي في الثمانينات من القرن الفائت، نشطت حركة الشعر في البحرين، وتداعى كل الشعراء يتمنون لسموه العافية والصحة والشفاء والعودة الحميدة.
وكتبت في تلك الأيام عشرات القصائد، واحتفى به الشعراء غائبًا، ولما منّ الله على سموه بالشفاء احتفى به الشعراء حاضراً.
رعاية سموه للأنشطة الأدبية
وقد دأب الشعراء على إهداء دواوينهم إلى سموه، ليتم اقتناؤها في مكتبة سموه، وكان يقدر هذه الإهداءات إلى درجة أنني سمعت سموه ذات مرة يقول: من أراد أن يقدم لي كتاباً أو مطبوعة فليكتب لي إهداءً بخط يده. وهذا يصور الموقف الدافئ والتواصل الإنساني الحميم بينه وبين المؤلفين والمبدعين من كتاب الشعر وغيره.
ولم يقتصر اهتمام سموه على الشعر فقط، فهو يتابع الحركة الأدبية في كافة فروعها، وقد أقيم سنة 1994 مؤتمر للنقد في جامعة البحرين، واستقبل الشيخ خليفة المشاركين في ذلك المؤتمر من النقاد العرب البحرينيين، واستقبلهم في ديوان سموه ورحب بهم وأدار معهم الأحاديث بكل تواضع ودفء، وتعرف عليهم، وتبسط معهم وتواصل مع البعض ممن كان يعرفهم، وروى بعض الذكريات في ذلك المجال.
ولما عقدت وزارة الإعلام ملتقى طرفة بن العبد في أواخر التسعينات استقبل صاحب السمو رئيس الوزراء المشاركين في ذلك الملتقى، ورأيته وسمعته يتحدث مع الجميع ويثير معهم بعض القضايا المتعلقة بالأدب، وقال سموه معلقاً على ما يسمع من قصائد: “الذي يقوله الشعراء نفهمه ونعرفه، لكن لا نقول مثله”، ويومها أصغى سموه إلى جواب من أحد الباحثين حين سأل عن موطن طرفة بن العبد بالدقة، وأجاب الباحث أن طرفة بحريني، واستشهد الباحث بقول طرفة:
كأن حدوج المالكية غدوة
خلايا سفين بالنواصف من ددٍ
والمالكية قرية في البحرين وذكرها طرفة في شعره...
وفي المناسبات الأدبية يحظى المشاركون بتشجيع الشيخ خليفة ويستقبلهم ويدعم جهودهم وهو يتلقى إهداءاتهم المختلفة ويسأل عنهم ويعودهم.
الجوائز التقديرية للشعراء
ولما خصصت حكومة البحرين برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة جوائز تقديرية وتشجيعية للمبدعين في البحرين، نالها كثيرون من الأدباء والشعراء والفنانين، فنالها إبراهيم العريض، ومحمد جابر الأنصاري، وأحمد محمد الخليفة، ومبارك العماري، وعلي الشرقاوي، وراشد العريفي، وعبدالله المحرقي.
وقد خصص شعراء دواوين شعر كاملة تدور جميعها حول شخصية سموه، ومنهم علي الشرقاوي، وجاسم سبت، ويحيى الذوادي. وقد جمعت الأشعار التي قيلت في سموه في فترات سابقة وكانت عدداً من المجلدات.
إن ما يلقاه الأدباء والشعراء من تشجيع لا يأتي بعيداً عن تشجيع وتوجيه سموه، فالنشر المشترك الذي تنهض به وزارة الإعلام من خلال قطاع الثقافة هو شكل من أشكال دعم سموه للأدب والأدباء والشعراء وهو الداعم دائماً للحركة الأدبية.
وتنشر وزارة الإعلام في مطبعة الحكومة عدداً كبيراً من إنتاجات أدباء البحرين، وهو شكل من إسهامات حكومة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة في الحركة الأدبية، وهي حكومة تستمد روحها وتوجهاتها من توجيهات سموه.
كلمة حق تقال
لقد أثر سموه في الثقافة بشكل عام أثرا بارزًا، وقد أرسى سموه ثقافة الإنجاز من خلال مسيرته الملأى بالإنجازات، وكرس ثقافة الاهتمام بالشأن العام وتفاصيل الحياة، وهذه الألفة بين الناس وبين إبداعات رجل فيه من سمات الأبوة والإنسانية، ما لا يحيط به شعر ولا نثر.