عن المدينة والأفلام

يقدم المخرج بازوليني في فيلمه الجديد “ماما روما” ما يمكن وصفه بدراما مأزومة، ومصاغة وفق زوايا متعددة يتشابك فيها الاجتماعي بالاقتصادي والنفسي والديني، أو ما يمكن اعتبارها خلطة بازوليني الأثيرة، ومنبع مقارباته الإبداعية، فنحن أمام دور مكتوب لآنا مانيني لتأتي بشخصية ماما روما كما لو أن بازوليني فصّلها تماماً على مقاس وقدرات مانياني، فالشخصية البذيئة صاحبة الصوت العالي، سرعان ما نكتشف أنها بائعة هوى سابقة في منتصف العمر، تعود إلى قريتها لاستعادة ابنها المراهق، وقد تخلت عن مهنتها المذلة، واشترت بيتاً وصارت تعمل في بيع الخضار. وعليه يمضي الفيلم في تتبع علاقة الأم بابنها، والعالم الذي تسعى إلى تقديمه إليه، وتحالف كل شيء حولها على فشلها، رغم فعلها المستحيل بكل ما تعنيه الكلمة، فحين تجد ابنها عالقاً في غرام امرأة لعوب، تهب نفسها لكل رفاقه، تسأل مساعدة زميلتها في مهنتها السابقة لتنسيه تلك المرأة عبر جعله يتذوق غرام امرأة غيرها، كما أنها تلجأ إلى حيلة كبيرة لتساعد ابنها على الحصول على عمل ، سيهجم عليها ماضيها من اللحظة التي تأتي فيها بابنها إلى روما، وسيكون تعليمها له رقص التانغو لحظات فرح عابرة مثلما هو حالها حين تحضر له دراجة نارية وتركب خلفه ويمضيا في رحلة طويلة في شوارع روما. سيكتشف الابن ماضي أمه، وسيمضي في الانحراف مع رفاقه، إلى أن يصل إلى نهاية يصورها على شيء من مشاهد صلب المسيح، الموروث الديني الذي يستعين به بازوليني دائماً... في الفيلم رصد اجتماعي خاص، وبحث مؤلم في مطامح من في العالم السفلي أو المضطهدين اجتماعياً في التغيير، وممارسة حياة طبيعية، ويبدو أن بازوليني يقول إن ماما روما تأخرت في استدراكها وربما على شيء من اللعنة التي ستلاحقها دائما، أو في مسعى لمجاز ما إن كانت روما المدينة هي ماما روما، وابنها الذي يقدم أضحية لواقع كامل له شروطه الاجتماعية والاقتصادية التي ترسم قدره.