باقـــــر النجــــــــار: خليفة بن سلمان رجل الدولة الذي ضبط توازنات المجتمع بحكمته
“عند ما تلتقي برئيس الوزراء صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان، فإن أول ما يشدك إليه هي شخصيته الكاريزمية وقوة حضوره السياسي والاجتماعي، ومتابعته الحثيثة لقضايا الداخل والخارج، وعلى رغم إنني لست في موقع الحديث عن نمط إدارة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان للحكومة، فهو في هذا قد قيل فيه الكثير وعرف دائما بكونه رجل دولة قادرا على أن يكون متوازنًا لا يطلق العنان للانفعالية والانطباعية في قراراته. وهي قدرة قد مكنت سموه من إدارة الحكومة طيلة العقود الماضية إدارة حديثة تجاوزت بفعل حكمة سموه الكثير من المعضلات الداخلية والخارجية”.
بذلك بادرني الأكاديمي باقر النجار، على هامش حديثه عن صاحب السمو رئيس الوزراء، والحوار كان مختلفًا ومتألقًا ومتفوقًا، وفيما يلي نص اللقاء.
الحديث عن صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان بصفته رجل دولة حديث واسع، عميق، به مؤشرات دقيقة عن قدرة سموه على ضبط التوازنات في المجتمع، بل وقدرته في الوصول إلى المكونات والتشكيلات التي يقوم عليها المجتمع والتي وفقها تتأسس معطيات التوازنات السياسية في المجتمع.
وحول ذلك يقول النجار :”إن معرفة سموه الدقيقة لهذه المكونات وجوهريتها في المكون الاجتماعي مكنته من رسم معادلة إدارته. بل قد نضيف على ذلك و نقول لقد شكلت لدى سموه مدرسة الحياة و التعامل الدائم مع الناس و الاحتكاك بهم فهما عميقا بما هو مناسبا للمجتمع من خيارات و ما قد يعتبر قفزا على قدرته على التكيف معها.
وأما في الحديث عن سموه بصفته رجلاً للاجتماع، أي في قدرة سموه ليس فيما يتعلق بالتعرف إلى مشكلات الناس و مشاكلهم فحسب، وإنما في قدرته على الوصول للناس و أن يكون لهم جميعا. لذا فليس بغريب أن نقول إن سموه يحتفظ في ذاكرته بمخزون كبير عن الناس والمجتمع، بل إن سموه يحتفظ بهامش كبير من العلاقات الاجتماعية مع كل مكونات النسيج الاجتماعي القائم في البلاد.
فهو في هذا متواصل مع الكبير كما الصغير و مع أهل المدينة كما هم أهل الريف و القرى ومع الشيعة كما هم السنة. وهو في هذا يعرف أهل المدنية بأفرادها وعائلاتها كما يعرف أهل القرية بأفرادها وعائلاتها. ويعرف العجم منا كمعرفته بالعرب، ويحتفظ سموه في ذاكرته بمخزون اجتماعي كبير عن الأفراد و الجماعات وهو في هذا يتذكر تفاصيل أحاديثه مع كل هؤلاء الناس. فهو في هذا متواصل معهم في أفراحهم وأحزانهم، بل إن سموه قد ملك قدرة غير عادية في الوصول إلى الناس وهي قدرة قلما وجدت في بعض رجالات الدول في الكثير من المجتمعات.
من الوهلة الأولى
فمنذ اللحظة الأولى من اللقاء به، فإن سموه يشعرك بحضوره بل وباهتمامه الشخصي بشخصك، على رغم كثرة الحضور و رغم كثرة الذين يلتقي بهم. كما أن سموه في حديثه الشخصي لك وفي تحسسه لوجود الأشخاص الذين أعتاد عليهم في قربهم منه وفي مشاركتهم له فإن سموه يموضعك في نسيجنا الاجتماعي ويحرص على أن تكون قريبًا منه. فهو في هذا يعاتبك عتاب المحب إذا ما أطالوا غيبتهم عنه، بل أن عَتَبِهِ يشعرك باهتمامه الشخصي بك و في رغبتك في التواصل معك و يشعرك بمحبته و وده لك كإنسان. و أتذكر أول لقاء لي مع سموه قبل أكثر من عشرين عاما كانت أسئلة سموه لي كثيرة إلا أنها كعادة كل أسئلته عند أول لقاء هي محاولة منه لموضعة الفرد ضمن سياق نسيجنا الاجتماعي.
وكان اهتمام سموه بي اهتمامًا أشعرني بقربي منه وبأننا جميعًا بمثابة أبنائه يهمه أمرنا ويسعده إنجازنا. وكنت حينها وزملاء آخرون من الجامعة نحرص على زيارة سموه بين الفينة والأخرى. وقد لا أخفي حقيقة أن سموه كان ينظر لنا كقادة للفكر والمعرفة وهي جزء من نظرته لرسالة الجامعة التي يعتقد أن رسالتها التنويرية يجب أن تسبق في ذلك وظيفتها التعليمية. وقد كانت تهنئة سموه لي عندما حصلت على جائزة الشيخ زايد للكتاب، وهي أعلى جائزة علمية في الوطن العربي، تعكس المكانة الرفيعة التي يضعها سموه لقادة الفكر والمثقفين وأساتذة الجامعات، وهو في هذا من القادة السياسيين الذين يضعون مكانة لرأي أهل العلم والمعرفة وأن يستأنسوا بآرائهم.
والد الجميع
ولأسباب متعلقة بالعمل والارتباطات الأخرى فقد انقطعت عن سموه بعض الشيء و عند ما زرت مجلسه بعد ذلك وجدته معاتبا عتب المحب و الراغب بصدق على استمرارية علاقاته بكل أحبته والقريبين منه، وهو يفعل ذلك راغبا صادقا في مشاعره واتجاهاته رغم كل مشاغله وارتباطاته.
ورغم انشغالات سموه الكثيرة: الإدارية و السياسية، إلا أن ذلك لم يكن عائقا أبدا من أن يكون سموه متابعا لمشكلات الناس وما قد يؤرقهم أو يضايقهم معيشيا، فتجده متعاطفا معهم بل ويعمل ما في وسعه لحل مشكلاتهم. ويقدم نموذج زيارة سموه لجمعية الصيادين بعد إضرابهم و حديثه من القلب للقلب لهم، بل وفي قدرة سموه على احتواء مشاكلهم و محاولة حلها. بل أن حديثه عنهم وعن تعاطفه الشخصي معهم بل و في تذكر أشخاصا منهم بعينهم يعكس عمق الجوانب الاجتماعية في شخصية سموه.
كما أن هذا يعكس فهم سموه لحقيقة أن إدارة الناس تتطلب قبل كل شيء المعرفة القريبة بهم كما وتتطلب مشاركتهم الوجدانية وهي احد أهم المداخل في إدارة المجتمعات الصغيرة التي تتميز العلاقة فيها بكونها تتسم بعلاقاتها الأولية. وهو نموذج من الإدارة التي تتسم بها الكثير من المجتمعات الشرقية وهو في هذا كنموذج يقف قبالة النموذج الغربي المعروف بكونه يقوم في جلّه على نمط العلاقة الرسمية وهو لذلك نمط من الإدارة التي تفتقر فيه أي أدوار للعلاقات الاجتماعية الإنسانية.
مخزونه المعرفي
وعندما تقابل سموه تُدهشك قدرة سموه على تذكر أسماء من مروا عليه بدقة، سواء أولئك الذين نسجت بين سموه وببينهم علاقات بها قدر من التواصل أو أولئك الذين قد يكون قد التقى بهم مرات محدودة.
وقد مكنت سموه ملكة روح الدعابة ومخزونه المعرفي: التاريخي و الاجتماعي و السياسي كما هي معرفته الدقيقة بأسر المناطق السكانية المختلفة في البحرين وقد نزيد على ذلك فنقول إن معرفته باختلاف نطق الحروف وتشكيلها في مناطق البحرين المختلفة، من أن يحمل حديث سموه كلمات ينطقها سموه بطرق نطق الكلمات في هذه المناطق. بالإضافة لمخزون معارفه بالناس في هذه المناطق، وقد ساعد هذا سموه من أن يكون قريبا من هذا الخليط الاجتماعي المتوالف بمواضعه و تراتبياته المختلفة.
وختاما فليس بجديد القول إن مجلس سموه الأسبوعي ليس مجلسا للقاء الناس و التعرف عليهم وعلى مشكلاتهم فحسب و إنما هو مجلس يعكس طبيعة علاقات سموه المتنوعة بكل مكونات المجتمع البحريني كما أنه من ناحية أخرى هو مجلس تناقش فيه القضايا و المشكلات بكل جرأة و شفافية سواء أكان ذلك ما يخص الداخل أو الخارج.