الهوية الوطنية وبناء إجماع وطني
يقوم اي نظام سياسي حقق درجة من الديمقراطية أو الإصلاح السياسي على التعددية السياسية؛ بمعنى تعدد القوى والتيارات السياسية والاجتماعية وحرية هذه القوى والتيارات ليس على مستوى التعبير والاعلام عن توجهاتها ومطالبها فقط، بل وأيضاً على مستوى التفاعل والحركة السياسية، هذه الحرية تكفلها عادة القواعد المعترف بها لتنظيم الحياة السياسية سواء أخذت هذه القواعد شكل قواعد للدستور أو الاعراف والعادات المرعية، أو الأسس والثوابت الوطنية التي تحميها مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضاء والمؤسسات السيادية والقيادة السياسية.
يأتي في مقدمة تلك الأسس والثوابت الوطنية ما يعرف في علم السياسة بالتكامل أو الاندماج السياسي Political Integration، ويعني هذا المصطلح تلطيف حدة الاختلافات بين القوى والتيارات أو الجماعات المختلفة، بعبارة أخرى فإن احترام هذه الاختلافات واحترام خصوصياتها والتعبير عنها لا يقود إلى تهديد الوحدة الوطنية والتكامل الاقليمي للدولة، فهو اختلاف بين أعضاء جماعة واحدة او مجتمع واحد، ويخضع دائماً لاعتبارات التهذيب والمواءمة، ولا يعوق بحال قيام الاتفاق أو الاجماع الوطني العام كأساس رصين لبناء سياسي واجتماعي مستقر ومتطور.
تعني الهوية السياسية تعدد الجماعات والتنظيمات السياسية وحرية الانضمام والانتماء إليها، والتعبير عن ذاتيتها وخصوصيتها وهكذا تتنوع الهويات وتتعدد في طيف واسع المدى متباين الألوان والدرجات، كذلك فإن نمط العلاقات بين تلك الهويات والجماعات والتنظيمات يتنوع ويتباين من المنافسة التي قد تصل إلى حد الصراع الحاد، وإلى التعاون الذي قد يصل إلى حدود التحالف والاندماج.
والانتماءات والهويات في الدولة والمجتمع ليست على درجة واحدة؛ فالانتماء إلى جماعة للجيران يختلف في طبيعته ودرجته من الانتماء إلى جمعية سياسية أو نادي اجتماعي أو رياضي أو لأسرة أو عائلة ممتدة، وهذه الاشكال وغيرها من الانتماءات والهويات ليس بينها تناقض بالضرورة؛ فالانتماء لنادٍ لا يمنع الانتماء إلى جمعية سياسية أو منظمة تطوعية أو الانتماء لأسرة أو غيرها ولا يتضارب او يتناقض معها بل قد ينسجم ويتناغم.
وتحقيق درجة أعلى من التنمية السياسية يفترض قيام مثل هذا الانسجام والتناغم بين الهويات العديدة والمتنوعة التي تحفل بها حياتنا، فانتماء مجتمعنا وبلادنا وجماعاتنا العربي او الخليجي لا يتعارض ولا يتناقض مع هويتنا الإسلامية بل يعززها ويتكامل معها، وانتماء المواطن لجمعية سياسية أو لمنظمة تطوعية لا يعني ولا ينبغي ان يفهم على انه يعني تناقضاً مع انتمائه وهويته الوطنية... وهكذا.
نخلص من ذلك إلى ان الجمعيات والمنظمات المختلفة تعبر عن هويات السياسية، وهي في ذلك تتحمل مسؤولية كبرى في بناء الاتفاق الوطني العام، إذ يصبح على كل من هذه الجمعيات والمنظمات مهما كانت طبيعتها وخصوصياتها ان تعمل في اطار “المواطنة”، بمعنى ان يكون برنامجها وفلسفتها واهدافها وادواتها في إطار يمنح الأولية والسمو للهوية الأم، هوية البحرين الوطنية والانتماء للبحرين قبل أي انتماء آخر.