ياسر ناصر: مشكلة التلفزيون تتفاقم سنة بعد أخرى
كل شيء بالنسبة إلى الفنان والمخرج ياسر ناصر سقف يجب أن يثقب... انه من أولئك الفنانين الواعين الذين يتميزون بالدقة والصنعة الماهرة. تجاربه المسرحية والدرامية تغني المتفرج وتعمق رؤاه وتدفعه إلى الأمام... إنه مخرج مثقف يؤمن إلى حد كبير بأن مقياس الفن هو مقدار الأثر الذي يتركه في النفس... يتحسر كثيرا على ما وصل إليه حال المسرح البحريني، ولكنه يثق كل الثقة في الفنان البحريني الذي يعتبره أكثر الفنانين الذين أخلصوا للفن وللحياة... وقضايا عديدة تطرق إليها الفنان والمخرج الشاب ياسر ناصر عبر هذا اللقاء:
“نكسة في تاريخ الدراما البحرينية”
- ما تعليقك على عدم إنتاج أي عمل درامي هذه السنة في البحرين؟
• إن عدم إنتاج أي عمل درامي هذه السنة جاء بمثابة نكسة في تاريخ الدراما البحرينية، بينما وصل ما أنتجته بعض القنوات الخليجية الى 14 عملا دراميا في رمضان فقط.
وفي اعتقادي ان العيب ليس في العاملين بل بالعكس، فهم مجتهدون ومثابرون وغيورون على الإنتاج الدرامي، ولكن كثرة التغييرات الإدارية وغياب الاستراتيجية هي سبب وصولنا إلى هذا المستوى.
“التغيير الإداري وما جناه”
- بعد مسلسل “الفجر المستحيل”... ابتعدت عن الدراما لماذا؟
• إنها التجربة الأولى التي قدمتها، وكنت أتمنى من القائمين على الدراما آنذاك ان يقيموا ويناقشوا التجربة من وجهة نظرهم وما هي انطباعاتهم... لأنني كنت قريبا منهم وكانوا متفائلين ان هناك مخرجا جديدا قد ظهر في الساحة، وبعد تجربة ليست بالقصيرة حسب قولهم ولكن... التغيير الإداري وما جناه، علما لم اتوقف؛ فبعد مسلسل “الفجر المستحيل” قرأت كثيرا من النصوص، وقدمنا نحن كشركة “ ميديا ون” للتلفزيون أربعة نصوص منها التراثية ومنها الأكشن ومنها التراجيدية... ولكن!
“المسرح البحريني... كيان ضعيف وهزيل”
- ماذا عن المسرح... ألا تعتقد ان النشاط المسرحي في البحرين كان ضعيفا خلال الفترة الأخيرة؟
•”إييييييييه...” المسرح هذا الهم الأكبر، ماذا تترجى من كيان ضعيف وهزيل ليس لديه أدنى المقومات الأساسية، وفي ظل غياب البنية التحتية والاهتمام الإعلامي بهذا الفن سيظل مغيبا وضعيفا وهزيلا، ولطالما كنت استشهد في البحرين وبالتحديد في التسعينات بالسينما، عندما كانت هناك سينما وحيدة وهي سينما أوال التي كانت تعرض آخر الأفلام، وكان الإقبال عليها ليس بالكم الحالي للسينما، وكنا عندما نذهب إلى السينما لا نعرف متى وقت العرض ولا اسم الفيلم ولا حتى نوعيته. كنا نذهب لأجل السينما فقط.
أما الآن، فصارت السينما من أولويات الشارع البحريني وصار المشاهد يختار الفيلم حسب نوعه وحسب ممثليه ومخرجه، ووصلت ثقافتهم السينمائية لمعرفة الموسيقى التصويرية لمن... كل هذه الثقافة السينمائية للشارع جاءت من وراء البنية التحتية للسينما، وبوجود أكثر من 35 صالة عرض، وإعلانات وقنوات وبرامج تدعم هذه الثقافة.
فتصور معي لو أن هناك، في كل مجمع تجاري، صالة عرض مسرحي واحدة...الا تعتقد بأن المسرحيين سيشتغلون على مدار العام وبأعمال منافسة ومبدعة؟
“هذا ما حققته ميديا ون”
- بودي أعرف... هل شركة “ميديا ون” تهتم بالمواهب الشابة؟
• “ميديا ون” ومنذ تأسيسها وهي تحتضن المواهب الشابة في كل المجالات الفنية بدءا بالتصوير والمونتاج وانتهاء بالتمثيل. ولعل تجربة “ميديا ون” الدرامية خير دليل على ذلك، عندما تم تكوين فريق عمل فني للدراما، وهناك وجوه جديدة شابة ظهرت على الساحة من هاتين التجربتين. والفريق الفني لـ “ميديا ون” صار مطلوبا الآن في معظم الأعمال التي تنفذ في البحرين وآخرها كان لـ “أم بي سي” وهو مسلسل الساكنات في قلوبنا.
وللعلم فإن” ميديا ون” وقعت اتفاقية مع جامعة البحرين “قسم الإعلام” بالتحديد لتدريب طلاب الإعلام وإشراكهم في أعمال “ميديا ون” الفنية لتكون مشاريع تخرجهم بالإضافة إلى أي احتياجات فنية يريدونها فإننا نوفرها لهم.
“الفنان البحريني محبوب في الخارج... أما هنا!”
- بصراحة... حتى متى سيظل الفنان البحريني في عالم البطالة... وأنت تعرف ماذا أعني؟
• لقد وضعت يدك على الجرح... إن الفنان البحريني بشكل عام فنان قدير ومبدع ومجتهد وهذا بشهادة الغير والأصدقاء في الدول. ولكن مع الأسف ليس هناك توجه لصناعة نجم بحريني في البحرين. وفي المقابل تجد أن الفنان البحريني نجم في الخارج ومحبوب، كل هذا يرجع إلى الاستراتيجية العامة الفنية التي إذا ما وجدت ستكفل للفن البحريني والفنان الظهور والنجومية والتقدم والوقوف في مصاف الدول المتقدمة فنيا وجماهيريا.
- ياسر... أنت مخرج مجيد... ألم تحاول إخراج أعمال كوميدية؟
•للعلم إن إخراج الأعمال الكوميدية لا يختلف كثيرا عن إخراج أي عمل آخر. ومن وجهة نظري الأعمال الكوميدية تعتمد بالدرجة الأولى على كتابة المواقف الكوميدية في النص وعلى الممثل، ومدى تمكنه من إبراز الشخصية بالشكل اللائق، وعدم الابتذال في الحركات والأصوات وما إليه.
“السينمائيون أوفر حظاً من المسرحيين”
- ما رأيك بالنشاط السينمائي الذي يمارسه الشباب خلال هذه الأيام... أفلام قصيرة، ومشاركات في مهرجانات عدة؟
• أنا فرح جدا بهذا الحراك السينمائي وهو نواة وبذرة أمل لصناعة سينما جادة ومنافسة واعتقد أن حظوظ السينمائيين أوفر من حظوظ المسرحيين لوجود البنية التحتية لفنهم، ولكن ينقصهم الدعم والتوجيه والأخذ بيدهم. ومع هذا فإن الرعيل السينمائي الأول لا يزال موجودا وهو لا يألو جهدا ولا فكرا ولا دعما في تقديمه للشباب، وعلى رأسهم الفنان بسام الذوادي وشركته السينمائية، فكل التقدير له ولشركائه في الشركة على كل جهودهم والله يوفقهم.
“سينتهي العالم بسقوط المسرح”
- هل تعتقد معي أن هذه المرحلة هي مرحلة بداية السقوط للمسرح البحريني والخليجي بشكل عام... لا أعمال متميزة، ولا مهرجانات قوية؟
• أنا لا أسميه سقوطا ولا اعتقد انه سيأتي يوم للمسرح أن يسقط. فبسقوطه سينتهي العالم كله. أنا اسميه “ كبوة” أو مرحلة سيتخطاها المسرح البحريني إن شاء الله . أما على المستوى الخليجي، فهناك تجارب مسرحية وحراك مسرحي واعد تخطى هذه الكبوة ومضى في الارتقاء ووجد له قدما ومكانا في قلوب جماهيره وصار مطلوبا، أما عن المهرجانات وضعفها، فباعتقادي، أن الوضع الضعيف العام ينعكس على هذه المهرجانات.
“أتمرد على أعمالي”
- ما هي علاقة الفنان والمخرج ياسر ناصر مع النقد الذاتي الذي يعتبر من مظاهر الصحة الاجتماعية... اعني... هل تنتقد نفسك وبعنف؟
• النقد الذاتي موجود عند كل إنسان ولكن تختلف نسبته من شخص لآخر. وأنا من النوع الجارح أحيانا لنفسي، فكل تجربة أقوم بها ومع مجرد انتهائها أتمرد عليها وانتقدها وادرسها واستخرج مكامن الضعف فيها لأتحاشاها في التجارب القادمة.
“أيام البحرين المسرحية... قادمة”
- حدثنا عن نشاط اتحاد المسرحيين في البحرين؟
• اتحاد المسرحيين كيان حديث الولادة ولا يزال غصنا ولم يقوى عوده بعد، وهو في المراحل التأسيسية للجانه وإدارته ومشاريعه واستراتيجيته العامة، ولكن مع هذا التأسيس استطاع الاتحاد انجاز بعض الطموحات والتطلعات وجاءت باكورة هذه الانجازات ورشة مسرحية عالمية للمخرج فاضل الجاف وعملا مسرحيا مشتركا ضم تحت مظلته كل الفرق المسرحية الأهلية وشارك في مهرجان المسرح الخليجي الأخير بالكويت، وهي تجربة أولى لا تخلو من بعض الإخفاقات والهفوات والأخطاء التي نتمنى أن نتجاوزها في التجارب المقبلة بإذن الله.
كما انتهينا مؤخرا من صياغة دستور صندوق الفنانين الذي هو الآن بيد الخبير القانوني لوزارة الإعلام لإقراره وبدء العمل به. وهناك نظام ولائحة لمهرجان أيام البحرين المسرحية يتم مناقشته وتداوله لإقراره والعمل عليه ليرى النور، الذي سيكون موسمه موسما مسرحيا خصبا، تُعرض فيه جل التجارب للفرق المسرحية، وستتنافس في جو فني راق سيرجع الجمهور البحريني للمسرح...
وهناك كثير من المشاريع والخطط التي تنتظر إقرار الميزانية والدعم السنوي من وزارة الإعلام لتنفيذها.
“ إننا محكومون بالأمل”
- ياسر... هل أنت معي أن الحلول المطروحة لمعالجة وتطوير الدراما البحرينية ما زالت متواضعة أمام ضخامة المشكلة؟
• أمانة أنا لا أجد حلولا... وارى أن المشكلة تتفاقم سنة بعد الأخرى، ولكننا وكما يقول الكاتب السوري سعد الله ونوس “إننا محكومون بالأمل” حيث إن الأمل موجود ومعقود على الإدارة الجديدة للتلفزيون.
“ أحضر لفيلم سينمائي”
- ما هو جديدك؟
• حاليا أنا مشغول بالتحضير لعملي المسرحي الجديد (الحوطة) الذي سأقدمه بإذن الله في شهر رمضان المبارك. كما نحن في مسرح جلجامش مقبلون على موسم مسرحي حافل بالأنشطة والبرامج والورش والأعمال المسرحية، وفي طور الإعداد والترتيبات لمهرجان فنون الشعوب في نسخته الثانية. وأحضر حاليا لتصوير فيلم سينمائي قصير من تأليف الفنان الكاتب جمال الصقر.
- من يعجبك من الممثلين البحرينيين؟
• كل الفنانين البحرينيين المجتهدين والحريصين على تقديم الجديد دائما.
- كلمة أخيرة...
أتمنى الخير والتقدم لهذا البلد، وأراهن على أن البحريني لو أُعطي المجال والدعم للإبداع، لكان في مقدمة المبدعين والفنانين، وصناع السينما والتشكيليين والموسيقيين، وجميع المجالات. فالإنسان البحريني مبدع ومخلص بذاته... فقط يريد الفرصة.