العفو حق دستوري لجلالة الملك يهدف إلى إرساء القيم وتحقيق العدالة
العفو... مصطلح قانوني تردد كثيرا على مسامع المواطنين في الفترة الأخيرة، مما أثار عددا من التساؤلات لدى البعض منهم حول المعنى القانوني للمصطلح؟ وما الفرق بين العفو العام والعفو الخاص؟ “البلاد” التقت المستشار القانوني عمرو مهدي قنديل ليقلي لنا الضوء على هذه التساؤلات...
ما العلة من تقرير حق العفو؟
لا أحد يستطيع إنكار حقيقة أن القضاة بشر، وهم عرضة للخطأ والسهو، ومن ثم هناك أخطاء قضائية ليس في الوسع تداركها بالسُبل المقررة في القانون، ولذا شُرع نظام العفو لمعالجة تلك الأخطاء، والتخفيف من شدة العقوبات في الأحوال التي تفتقد فيها العقوبة للعدالة، وأعني هنا العقوبة كعقوبة وليس الحكم، أي إذا كانت قاسية مقارنة بالجرم المرتكب، فضلاً عن أنه قد يكون من حسن السياسة الجنائية العفو عن بعض العقوبات بغرض إصلاح المحكوم عليهم وضبط سلوكهم، أو إسدال النقاب على جريمة أو جرائم معينة بغرض إعطاء فرصة أخيرة للمحكوم عليهم أو المتهمين بمراجعة أنفسهم، وكبح جماحها.
وما رأيكم في موقف المقنن البحريني من قصر حق العفو الخاص على جلالة الملك؟
حق العفو - بصفة عامة - ليس بدعاً أو نشازاً، فقد نظمته معظم التقنيات الجنائية الحديثة، وأرى أنه حسناً فعل المقنن البحريني حينما اختص الملك بسلطة العفو الخاص، ذلك أنَّ الملك باعتباره راعي هذا البلد، وولي أمر من فيه، ونائباً عن الهيئة الاجتماعية في رعاية مصالحها، وفي إرساء القيم، وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، لابد من أن يكون له - في سبيل تحقيق هذه الغايات - العديد من الإجراءات التي يمكن له اتخاذها، والتي منها العفو عن العقوبة، وقد استمد الملك هذا الحق من الدستور مباشرة، وليس من قانون العقوبات، وطالما أنَّ هذا الحق جزء لا يتجزأ من دستور البلاد، فللملك ممارسته كيفما شاء ووقتما شاء، وله وحده تقدير الظروف التي في ظلها يباشر هذا الحق دون معقب عليه.
وهل ما حدث في خصوص قضية كرز كان والمعامير يعد تطبيقا للعفو؟
ليس من ريب أن ما حدث في خصوص قضية كرزكان والمعامير هو تطبيق نموذجي لنظام العفو الوارد في المادة 41 من الدستور، والتي تنص على أن “للملك أن يعفو، بمرسوم عن العقوبة أو يخفضها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون وذلك عن الجرائم المقترفة قبل اقتراح العفو” ولكون هذا الحق دستوريا محضا فإن صدوره من قبل الملك لا يمكن التعقيب عليه، ولا يمكن مناقشته، حتى ولو شمل قرار العفو بعض المتهمين دون البعض، أو عقوبة دون أخرى، لذا أكرر بأن ما حدث في شأن قضية كرزكان والمعامير تطبيق نموذجي لنظام العفو المنصوص عليه في الدستور.
وماذا عما أثير حول هذا القرار من آراء؟
لم أسمع أنَّ هناك آراء حول هذا القرار، وذلك لأنه لا يمكن اعتبار كل ما يقال رأيا، فنحن كقانونيين ننظر إلى المسألة بشكل مختلف، إذْ نقيِّمها برمتها، ونزنها بميزان القانون، وإذا كان المقصد من السؤال ما قيل بأنَّ هذا القرار لم يهدف إلى تحقيق الصالح العام، فأعتقد أنه من الإسفاف القول بأن قرار العفو في قضية كرزكان والمعامير، لم يبتغ تحقيق الصالح العام، ذلك أنه لا يوجد لدى حكومة مملكة البحرين وعلى رأسها الملك سوى هدف واحد وهو كما أسلفتُ رعاية مصالح الأفراد، وإرساء القيم الفاضلة، وتحقيق العدالة بين الموجودين داخل هذا المجتمع، والقول بغير ذلك لا يعدو كونه سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تقشع، ولا يستأهل التعرض له بالمناقشة، لتعارضه والواقع، وتناقضه والمنطق السليم..