أحدهم كان ابن الخامسة والعشرين يوم وفاة الشيخ عيسى بن علي في 1932

معمرو بحارة الحد محرومون من حقوقهم الاجتماعية البسيطة

قصة تنسجها تجاعيد وجوه نواخذة الحد المعمرين، منذ أيام شراع الإبحار الأول إلى أيام قريبة كانت قدراتهم الجسدية متحملةً عبء العمل ومكابدة شؤون أرزاقهم في البحر. ربما تكون ذاكرتهم قد كابدها شيء من النسيان، إلا أنهم بركة المكان في قيامهم وركوعهم وصلاتهم وتجوالهم، إذ لا يُعرف عن أحدهم على سبيل المثال تخلفُ عن صلاة جماعة أو تكاسل في أداء حق لله عليهم، حتى إن ذويهم يقولون عنهم إنهم حفظةُ لكتاب الله من دون الدراية في الكتابة والقراءة، وهذا بلا شك يبارك في أسارير الذاكرة والحفظ لأحداث كثيرة، والأدهى من ذلك يجعلهم في وعي يبهج جلاسهم ممن يصغرهم عمرًا وهمةً في أمور يعدها عرف المجتمع من المقدسات العملية التي قد يُرى تفريط وتهاون عنها من قبل أبناء اليوم وعلى رأسها صلاة الجماعة التي لا تفاوت هؤلاء المعمرين، على الرغم من كل شيء. عندما تسأل أحدهم عن عمره لا يمكنه تحديده بتاريخ اليوم والشهر والسنة كما هو المعلوم حالياً، فحين مولده لم تكن هناك آلية واضحة لتسجيل المواليد في سجل أو أرشيف يحفظ لحظة الميلاد، ولكن يمكن استنتاج أعمارهم من مقاربة أحداث تاريخ البحرين الحديث، فالنوخذة صالح بن عبدالله بن بحر يبلغ من العمر مئة وسنتين تقريبًا، وذلك باعتبار قوله إنه كان في سن الخامسة والعشرين ربيعًا عندما توفي حاكم البحرين الأسبق المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة عام 1932م. وله هنا قصة طريفة مع والدته (رحمها الله)؛ إذ يقول بن بحر: “عندما سمعنا عن وفاة الشيخ عيسى بن علي، دخلت على والدتي لأبلغها بالخبر، فبادرتي باللوم قائلة: ناس تموت وأخرى تحيى وأنت قد بلغت الخامسة والعشرين ولم تتزوج بعد”، مداعبًا من حوله من أهله وأقرباءه “كنت حينها قد تجاوزت حدود العرس الذي كان في حد الخامسة أو السادسة عشر عاماً ببلوغ الرجل لزواجه”، مبيناً”هناك غاصة وصلت أعمارهم إلى الثلاثين ولم يتزوجوا وبعضهم مات من دون أن تكون له ذرية”. ويتابع النوخذة سرده قصاصات التاريخ: “على أيامنا كان هناك خير كثير في البحر لكن لم تكن هناك سيولة عند الشاري، فقد كانت الحياة بسيطة، إذ تكلفة ربعة أي نص كيلو من الأرز توازي سبع بيزات وهي أقل من ربع أرباع الربية التي تستطيع شراء كيلوين ونصف من الأرز”. ويضيف: “التمر بذات السعر تقريبًا، بحيث أن ربعة التمر توازي ثمان بيزات بأي أنواعه البصري أو الخنيزي”، متابعًا “تفرح عندما تحصل على مشتر أو اثنين للسمك الذي نصطاده، فإذا جاء المشتري تتم المساومة من نصف ربية إلى عشرين بيزة فأربع انات ثم اثنا عشر بيزة وينتهي عند آنتين، مع ذلك هناك بركة في الرزق على الرغم من كل هذه الظروف الصعبة التي عاشها شعب البحرين بين رزق البر والبحر”. قصة أخرى يطلقها بن بحر تقول معالمها: “غانم بن عبدالعزيز نوخذة من نواخذة الحد المعروفين ( جد النائب الحالي غانم فضل البوعينين)، منذ أشهر قليلة كنت أتحدث إلى علي بن جبر(أحد مشايخ الحد) فأقول له:هل لحقت على غانم بن عبدالعزيز؟، وأجابني بأنه يمكن أن يكون قد عاصره، فقلت: كنت رجلاً أدخل البحر عندما كان النوخذة حياً، وهي سنون طويلة لازلت أتذكر الكثير منها”. ويضيف: “دخلت البحر وأنا ابن ست أو سبع سنوات، ولكني لم أذهب إلى الغوص وكان عملي فقط في صيد السمك والقراقير المخصصة لها”، مواصلاً “توجهت مرة إلى الفلقة (منطقة لتكسير الحجارة البحرية) مع الشيخ جبر البوعينين(نوخذة معروف في الحد)، فبقيت أربع أو خمس أيام هناك ثم رجعت بسبب الروائح الكريهة هناك”. ويكمل “أبحرت في كل المناطق القريبة من هنا، واليوم لم يبق من هذه المباحر أي شيء، فمنطقة الشل على سبيل المثال أصبحت الآن منطقة أسري وبحر الحد السابق دُفن كله، وبقت منطقة صغيرة من منطقة جليعة البحرية لا زال منها بقية قليلة”، مضيفاً”كان هناك فشت للأسماك قريب من المنطقة، لكنه ذاب بقدرة قادر وانتهى”. وقصة أخرى تقفز إلى الذاكرة أثناء اللقاء “احتاجتني الحكومة مرتين، إحداهما أرسل إلي ضابط إنجليزي يطلب مني انتشال سفينة غارقة تابعة للحكومة، فذهبت معهم ليبحثوا عن موقعها بعد أن قيل لهم ليس لها إلا بن بحر، وكان عندهم نوع من الرادار ليبين موقعها، وبينما كنا نبحث أخبرتهم أن السفينة الغارقة تقع تحتنا مباشرة، وكان معنا شخص يدعى يوسف البوعلي، فقال: كيف عرفت أن السفينة (الجالبوت) موجود هنا في المنطقة العميقة (الغبة) ولم يكتشفها الجهاز؟!، فقلت: هذا من خبرة العمل (علومة)”. ويضيف بنكهته المازحة المازجة بين براءة المغزى ودماثة المعنى: “المرة الثانية طلبنا أحد الأشخاص، فعلمناه عن البحر ومصائبه، ويبدو أن طلبه كان وراءه شيء من الرغبة في صيد السمك، ولذلك يمكن القول إنه لا نـُعرف أو نـُطلب كبحارة إلا من أجل تمويل طبخات المحمر والمشوي، ولكن جوابي عليه كان بأننا قد ضيعنا البحر من زمان، وذلك تهرباً من طلبه!”. وبعد كل هذا يعيش بن بحر من دون معاش من الشؤون أو علاوة غلاء أو حتى تعويض على دفان البحار التي عاصر عزها ويعيش شحها اليوم، وفي ذلك يقول: “لم أعوض على الدفان وليس لدي علاوة اجتماعية أو معاش من الشؤون أو تقاعد، لأن عملي منذ نعومة أظفاري كان في البحر، والمضحك المبكي أني توجهت مع ابني للتسجيل في علاوة الغلاء، فتم منحها لابني وحذف اسمي منها باعتباري أملك رخصة صيد!”، مضيفًا “لم يتم توقيري كوني رجلاً كبيرًا في السن حينما ذهبت لأطلب العلاوة، خصوصًا أنها للجميع وليست أعطيةً للفقراء فقط”. وعن أعطيات السابق، يبين “حاكم البحرين الأسبق الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة لم يكن ليرد أحدًا يطلب بابه ولم يكن صعب الوصول إليه كما هو الحال الآن، فعندما يجلس في مجلسه يأتي الرجال بطلباتهم(المكتوب) عند المكتب الخاص، وأذكر أن الرجل كان يحصل على خمس عشرة ربية والمرأة تعطى عشر ربيات، ولم يكن هناك تعطيل في الحصول عليها، إذ إنك تتسلمها في وقتها، والشيخ كان يتسلم الطلب بيده”، مضيفًا بذات النكهة المازحة “ذهبت مرة لأسلم الطلب وأتسلم ما هو في حاجتي فأخذتها فأعطوني خمس عشرة ربية، وبعد شهر ذهبت لهم مرة أخرى ولم يقصروا معي، ولكن جاءني الكاتب فقال: كل يوم تأتينا؟!، وكأنه يدفعها من عنده (من جيسه)”. الجدير بالذكر أن النوخذة بن بحر توقف عن الإبحار قبل خمس سنوات فقط، وعليه فإن عمره في البحر يبدأ من عام 1914م إلى 2004م تقريبًا، إذ هو كما يمكن حسابه من مواليد عام 1907م ودخل البحر في عمر السابعة ثم توقف بحسب ما يقول قبل خمس سنوات من الآن عن الإبحار، أي أن عمره البحري يكون تقريبًا تسعين عاماً!