ميد: الكويت دخلت مرحلة الركود الاقتصادي
تلوح في الافوق دلائل على ان الهزات الاقتصادية التي تعرضت لها الدول الخليجية قد اصبحت تدنو من نهاياتها، وان المنطقة ستضطلع بدور الريادة في النهوض بالاقتصاد العالمي من عثرته. ذكرت ذلك مجلة ميد في تحليل بقلم رئيس تحريرها ادموند او سوليفان الذي قال ان دول التعاون الخليجي ككل تمكنت من امتصاص اسوأ الاثار التي يمكن ان تتمخض عنها الازمة المالية والاقتصادية الحالية مضيفا ان السؤال الذي يثور الآن يحوم حول الموعد الذي ستبدأ فيه الاقتصادات الخليجية بالانتعاش.
وقال ان الكويت من حيث المقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر في وضع الركود الاقتصادي، ولكن ذلك الوضع عائد بصورة رئيسية الى العوامل السياسية وليست الاقتصادية.اما وجهة النظر المستمدة من الاسواق السعودية فانها تقول ان الاقتصاد السعودي لم يشهد ابدا أي حالة من الخفوت، وينطبق القول ذاته على كل من قطر وابوظبي.
ولكن هناك بالطبع حالات استثنائية منها على سبيل المثال ان دبي ستبقى تئن تحت وطأة القروض التي قد تتحول في المستقبل الى ديون متعثرة، كما ان شركات سعودية تعاني هي الاخرى من مشاكل وصعوبات مالية.اما البحرين التي تعتبر اكثر دول مجلس التعاون الخليجي اعتمادا على الايرادات غير النفطية، فانها تواجه ايضا خيارات صعبة، غير انها لم تشهد أي انهيارات نظامية في القطاع المالي على غرار ما وقع في كل من الولايات المتحدة او الاتحاد الاوروبي.
وكان سوليفان قد بدأ تحليله بالقول ان الازمات الحالية اثبتت انه من الصعوبة بمكان على الاقتصاديين ان يتنبؤوا بالتطورات الاقتصادية المقبلة، وان هذه الفترة بالنسبة لمهنة الاقتصادي هي اصعب مناخات العمل بالنسبة لذوي المهن المتخصصة، حيث ان معظم الاقتصاديين لم يحالفهم التوفيق في تقدير حجم الانهيار الاقتصادي الذي حط رحاله في صيف عام 2008.
وقال انه في ضوء ذلك بات الحذر سيد الموقف فيما يتعلق باصدار التوقعات والتقديرات بشأن ما يحمله المستقبل القريب من تطورات، وعما اذا كان الانتعاش الاقتصادي وشيكا، في حين يتوقع البعض صورة اكثر قتامة. وفي 21 يونيو الجاري توقع البنك الدولي ان ينكمش الاقتصاد العالمي بحوالي %3 وفقا لتقديرات القيمة الحقيقية في عام 2009.
وتنقض هذه التقديرات مثيلتها السابقة في مارس الماضي والتي قدرت حجم الانكماش الاقتصادي العالمي بواقع %1.7. واذا ما صدقت التقديرات الاخيرة للبنك الدولي، فان عام 2009 سيتوج بلا منازع باعتباره اسوأ الاعوام التي يشهدها الاقتصاد العالمي من حيث النمو منذ عام 1945. ويقول البنك ان الانتعاش الاقتصادي، الذي توقع ان يبدأ بحلول نهاية العام الجاري سيكون اقل قوة بكثير عن المستوى الاعتيادي، وذلك في ظل الطاقة المحدودة للاقراض لدى المؤسسات المالية والاقراضية .
وقال سوليفان ان هذه التقديرات المتشائمة بالنسبة للاقتصاد العالمي والقادمة من واشنطن تتناقض مع نظرة متفائلة ونغمة تتحدث عن فرص نمو قوي في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي.وهناك اكثر من نبأ سعيد يبعث على التفاؤل في ظل معاودة اسعار النفط ارتفاعها حيث يتجاوز السعر الحالي للبرميل بما نسبته %75 عما كان عليه في ديسمبر 2008.
كما تم تداول نفط خام غربي تكساس الوسيط في 22 يونيو الجاري بمتوسط سعر بلغ 67 دولارا للبرميل ليتصدر بذلك قائمة التقديرات بالنسبة لارتفاع النفط خلال عام 2009 باكمله. ومع ان ثمة شكوكا حول امكانية المزيد من الارتفاع في اسعار النفط خلال فصل الصيف، وانه قد يتراجع، بالرغم من ان هذه الشكوك تعتبر متواضعة.ولكن الاستنتاج الممكن الوصول اليه هو ان اسعار النفط ستبقى قوية وفوق حاجز المستويات الدنيا التي تتطلبها دول مجلس التعاون الخليجي لتضمن الملاءة وتدفق الايرادات النفطية واستمرار الاحتفاظ بالمصداقية والموثوقية الائتمانية.
وقال سوليفان ان ضمان ارتفاع اسعار النفط الذي لاحظنا انه بدأ منذ مطلع عام 2009 قد تم تحقيقه دون الحاجة الى تقليص كبير في الانتاج النفطي واقل من المتوقع.فقد بلغ انتاج دول اوبك الاثنتي عشرة في المتوسط منذ فبراير الماضي اكثر من 28 مليون برميل يوميا، وهو ما يزيد بواقع مليون برميل يوميا عن المستوى المتشائم الذي توقعه الخبراء لانتاج الكارتل النفطي من اجل وضع حد لانهيار الاسعار خلال النصف الاول من العام الحالي.
وتوقع سوليفان ان تتجاوز ايرادات الصادرات النفطية للدول الخليجية في الوقت الراهن التقديرات السابقة بواقع 100 مليون دولار شهريا.
ولما كانت ايراداتها النفطية ستتجاوز ما كان متوقعا من قبل، فان حكومات مجلس التعاون الخليجي باتت لديها الفرصة للتحرك بمزيد من الحرية وعلى نطاق اوسع للمحافظة على مستويات مصروفاتها الرأسمالية، بل وزيادة هذه المصروفات. وتقول التقارير الآتية من السعودية ان المصروفات العامة على المشاريع قد سجلت نموا كبيرا منذ مطلع عام 2009، كما ان ثقة القطاع الخاص، خصوصا في قطاع الانشاءات، سجل ارتفاعا كبيرا هو الآخر نتيجة لذلك.
واكد ان العودة الى تحقيق مستويات قوية من النمو ستكون قريبة المنال فقط اذا ما خطا الاقتصاد العالمي ذاته اولى الخطوات نحو الانتعاش. وكما تظهر التجارب التي شهدناها منذ الصيف الماضي، فان الاقتصادات الخليجية تعكس الان الاتجاهات العالمية. وعلى الاقل يعتمد نصف النمو الاقتصادي في منطقة الخليج على ما يحدث خارج دول مجلس التعاون. وبالنسبة لاؤلئك الذين يعتمدون على الاستثمارات الاجنبية والتجارة، فان الركود الاقتصادي لديهم قد يستمر لمدة اطول. غير ان شريحة متنامية من النشاطات في دول التعاون يتم توليدها بفعل عوامل التخليق الداخلي، حيث ان التنويع الاقتصادي والاستثمارات في مجالات البنية التحتية عوامل تفرضها السياسات الناجمة عن نمو التعداد السكاني المتواصل لدول المجلس. وهذه العوامل بمفردها ستكون كافية لتوفير محركات النمو الاقتصادي اللازمة لتجعل معظم اقتصادات هذه الدول تتوجه من جديد نحو النهوض بدءا من موسم الخريف المقبل.
ولكن الحلقة الرئيسية المفقودة تبقى هي الثقة، وحتى هنا في دول التعاون، فان الفرص امام استعادتها تتحول الى ايجابية اكبر.
وقد رتبت معظم الشركات امورها المالية واعادت هيكلة اوضاعها للتعامل مع الهزات التي شهدتها في عام 2009، وقد اصبحت اهداف هذه الشركات ونظرتها نحو الموظفين الذين لم تسرحهم من اعمالهم حتى الآن هو زيادة عددهم بدلا من تخفيضه. والنتيجة التي ستتضح معالمها في اعقاب شهر رمضان المقبل ستتمثل على الارجح في صورة مواقف اكثر ايجابية لدى معظم دول مجلس التعاون، وذلك بحلول شهر اكتوبر المقبل.
وينتهي سوليفان في مقاله الى ان الهزات الحادة التي شهدتها دول التعاون اصبحت الآن في مراحلها النهائية ولن تلبث ان تودع المنطقة، التي اخذت تستعد منذ الآن لتتولى زمام قيادة الاقتصاد العالمي نحو النهوض، لا سيما وانها ستكون البادئة بتسجيل معدلات نمو ايجابية على درجة بالغة من الاهمية.