النشـاط الكـروي يتوقـف عالميـا في هذه الفترة من العام

وقف أحد الزملاء لعدة ثواني محاولا التقاط أنفاسه بعد أن صعد السلم المؤدي إلى موقع الإعلاميين في ستاد البحرين الوطني، فيما العرق ينضح من جسده، قال وهو يجاهد في جمع أنفاسه:”الله يكون في عون اللاعبين..”!! حدث ذلك خلال المواجهة التي جمعت منتخبنا الوطني مع نظيره الكوري الشمالي في تصفيات كأس العالم 2006 وأقيمت خلال شهر أغسطس من العام 2005 عندما خسر المنتخب مباراة هامشية..لكن هل يبدو صعود السلم، شبيها بالركض المتواصل لمدة 90 دقيقة في أجواء مشبعة بالحرارة والرطوبة؟! في حدودها القصوى، تبلغ درجة “الحرارة الظاهرية العظمى” خلال شهر يوليو سنويا 54 درجة مئوية، وهو حد يبدو مخيفا حقا إذا ما ربطناه بتواصل مسابقاتنا الكروية حتى النصف الثاني من الشهر السابع في السنة الميلادية! اتحاد كرة القدم المحلي، وجد نفسه أمام أزمة حقيقية، هل يواصل ما تبقى من عمر موسمه الكروي، والمتبقي منه مسابقتان كبيرتان هما كأس الملك وكأس ولي العهد، أم يضطر إلى التأجيل كما حدث في الموسم الماضي حين وجد نفسه مدفوعا إلى تأجيل نهائي كأس ولي العهد إلى بداية الموسم الجاري؟! وعلى أمل تجاوز انتقادات الوسط الرياضي بكل ما فيه من أندية وصحافة وجمهور، قرر اتحاد الكرة أن يواصل موسمه الكروي، حتى وإن أدى ذلك إلى الدخول في إشكالات صحية ومخاطرة غير محسوبة على سلامة اللاعبين! قلة الملاعب القادرة على استيعاب البرنامج المرتبك لاتحاد الكرة، تداخل المشاركات الخارجية للمنتخب وبعض الأندية مع برنامج المسابقات، تمثل التحديات الحقيقية التي تعيق تسيير أجندة الموسم بانتظام، ومع دخولنا في شهر يوليو، سيكون على الاتحاد ومعه الأندية المتنافسة مواجهة تحدٍ جديد هذه المرة وهو الارتفاع الشديد في درجتي الحرارة والرطوبة! ولا تخوض أي من الاتحادات الدولية أية مسابقات كرة القدم في هذه الفترة من العام، إذ تخصص عادة لـ”ألراحة السلبية” للاعبين بعد موسم طويل، يبدأ عادة مع منتصف شهر سبتمبر ولا يختتم قبل نهاية شهر مايو، على الأقل هذا ما يحدث في أبرز المسابقات في العالم، لكن ليس في حدودنا المحلية! وبالنظر إلى ما يتربص باللاعبين، فإن أقل معدل لدرجة الحرارة الظاهرية سجله قسم المناخ بإدارة الأرصاد الجوية خلال السنوات العشر الماضية، كان في صيف العام 2004 وبلغ 41.1 درجة مئوية، فيما سجل العام 2000 درجة الحرارة الظاهرية الأعلى بوصولها إلى 45.8 درجة مئوية، لكنهما بصورة عامة لا يعتبران ملائمين لإقامة نشاط رياضي يتسم بـ”الديناميكية” والحركة المتواصلة ككرة القدم! علميا، فإن الارتفاع الشديد في درجة الحرارة يؤثر بصورة مباشرة على وظائف الجسم وخلاياه، وخطر كهذا لن يؤثر فيه إقامة المباريات مساء، تجنبا للإصابة بضربات الشمس، فاللاعبون سيكونون معرضين للإصابة بـ”الإجهاد الحراري” الناجم عن المجهود البدني في أجواء حارة ورطبة، مع فقدانهم المتواصل للسوائل والأملاح. تقول الدكتورة سميعة خليل أستاذ تأهيل الإصابات الرياضية في كلية التربية بجامعة بغداد في كتاب أعدته عن “الإصابات الرياضية” إن من بين أبرز الأسباب العامة للإصابات هو إقامة النشاط الرياضي في أجواء غير ملائمة كالبرودة أو الحرارة الشديدتين، وهو رأي علمي يدعم فرضية المخاوف التي يحذر منها العديد من مراقبين من مغبة إقامة مباريات الكرة في طقس تزيد فيه درجة الحرارة على الأربعين درجة مئوية. وعرفت كرة القدم حوادث مؤسفة عديدة انتهت إلى إصابات عدد من اللاعبين بنوبات قلب مفاجئة أدت إلى وفاتهم في الملاعب، لعل أشهرهم على الإطلاق الكاميروني فوييه الذي توفي خلال بطولة العالم للقارات في العام في العام 2003، فيما لا يزال أطباء نادي ريال مدريد يحاولون التعرف على فرص اللاعب دي لاريد في مواصلة كرة القدم وهو الذي يعاني من مشاكل صحية في القلب! وفي المحيط المحلي، فإن عدم شروع الأندية في إجراء فحوص طبية على لاعبيها، قد يقود إلى مخاطرة حقيقية بسلامة اللاعبين، باعتبار أن أحد أكثر ما يتهددهم حين يمارسون كرة القدم في أجواء مشبعة بالحرارة والرطوبة، هو تأثر وظائف القلب بسبب الخسارة المفرطة للسوائل والأملاح! ولعل أكثر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها مسؤولو الكرة محليا، هو الاعتماد على القراءات غير الدقيقة لدرجات الحرارة للحكم على قدرتهم على إقامة المباريات من عدمها، لأنها مسألة تحتاج إلى مختصين قادرين على التفريق بين درجات الحرارة الحقيقية والظاهرية في إشكالية يمكن أن تقود إلى كارثة! خبراء الطقس يؤكدون أن درجات الحرارة الحقيقية تتأثر بصورة مباشرة بمستوى الرطوبة وسرعة الرياح، وهو ما يعني أن إقامة مباراة في كرة القدم وسط طقس تتخطى فيه درجة الحرارة حاجز الـ38 درجة مئوية سيكون مجازفة كبرى إذا ما تزامن ذلك مع ارتفاع واضح في معدلات الرطوبة؛ لأن درجة الحرارة الظاهرية قد ترتفع عندها إلى أكثر من 45 درجة مئوية وفقا لدرجة الرطوبة! إن الخطر المحدق باللاعبين ليس محصورا في المباريات ذاتها، وإنما التدريبات اليومية في أجواء شديدة الحرارة، وخصوصا للمصابين بأمراض الكلى، وهي مسألة مجهولة كما أشرنا سابقا بسبب عدم وجود فحوص طبية شاملة للاعبين لكشف حالاتهم الصحية بصورة دقيقة. ترى... هل سنكون في انتظار ما لا نتمنى انتظاره... أم يشرع المسؤولون بالتفكير مليا في تدابير حقيقية للحفاظ على سلامة اللاعبين؟