حوار "البلاد" | نائب رئيس تصنيف التمويلات الإسلامية في “موديز” لـ “البلاد: الأرقام الأولية تشير إلى ارتفاع إجمالي إصدارات الصكوك 20 % حتى مايو 2026 مقارنة بالعام السابق
| حسن الصائغ
التمويل الإسلامي يعزز مرونته في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية جــودة الائتمــان وإدارة المخاطــر تقــودان المرحلــة الجديــدة لســوق الصكــوك
في وقت تتزايد فيه الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية عالميًا، أكد عبدالله الحمادي نائب رئيس تصنيف التمويلات الإسلامية في وكالة موديز للتصنيف الائتماني، أن صناعة التمويل الإسلامي لا تزال تستند إلى أسس قوية، مدفوعة باستمرار طلب المنتجات المتوافقة مع الشريعة واحتياجات التمويل في الأسواق الإسلامية الرئيسة، على رغم التحديات التي فرضتها التطورات الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي. وفي حوار خاص مع “البلاد”، أوضح الحمادي أن النظرة المستقبلية للقطاع لا تزال داعمة، لكنها أصبحت أكثر انتقائية بفعل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية مقارنة ببداية العام، في ظل تغير البيئة الاقتصادية وارتفاع مستويات عدم اليقين، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية لم تعد تقاس فقط بحجم الإصدارات ومعدلات النمو، وإنما بقدرة المؤسسات والأسواق على إدارة المخاطر والتكيف مع المتغيرات العالمية.
التمويل الإسلامي.. بعد عامين قويين 2026 هي سنة التحديات على الرغم من استمرار النمو الذي تشهده صناعة التمويل الإسلامي عالميًا، رأى الحمادي أن العام 2026 يمثل تحولًا في طبيعة السوق أكثر من كونه تحولًا في حجمها، فبعد عامين من النشاط القوي في إصدارات الصكوك، أصبحت الأسواق أكثر تركيزًا على جودة الائتمان واستدامة النمو، إذ تخضع السوق للمصدرين والعرض والطلب في السوق الحرة لأسواق رأس المال. وأوضح أن “موديز” لا تزال تحتفظ بنظرة مستقرة تجاه القطاع، إلا أن هذه النظرة أصبحت أكثر حذرًا نتيجة تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وما فرضته من تحديات على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وأضاف أن طلب أدوات التمويل الإسلامي لا يزال يستند إلى عوامل هيكلية قوية، من أبرزها برامج التنويع الاقتصادي في دول الخليج، واحتياجات الحكومات والشركات إلى التمويل، إلى جانب استمرار الطلب في الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها ماليزيا وإندونيسيا. وتعكس هذه المؤشرات أن الصناعة تجاوزت مرحلة النمو المدفوع بوفرة السيولة، لتدخل مرحلة أصبحت فيها جودة الإصدار، والجدارة الائتمانية، والقدرة على إدارة المخاطر، عناصر أكثر تأثيرًا في قرارات المستثمرين من مجرد حجم التمويل وقيمة الإصدارات. 20 % نموًا.. لكن الرسالة
الحقيقية ليست في الأرقام وبحسب بيانات “موديز”، ارتفعت قيمة إصدارات الصكوك العالمية حتى نهاية مايو 2026 إلى نحو 86.8 مليار دولار، مقارنة بـ 72.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام 2025، محققة نموًا مقارنة بالفترة نفسها يقارب 20 %. وأشار الحمادي إلى أن الوكالة في تقريرها المنشور في فبراير 2026 -بحسب الأرقام- تؤكد استمرار قوة السوق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة بداية دورة توسع جديدة، بل يعكس انتقال سوق الصكوك إلى مرحلة أكثر استقرارًا بعد عامين من الإصدارات القياسية. ولكن أداء العام 2026 يعتمد بشكل كبير على الظروف الجيوسياسية التي تمر بها أسواق الخليج العربي إذ إنها تتشكل نسبة كبيرة من إجمالي الإصدارات العالمية. وأوضح أن تقييم أداء السوق خلال النصف الثاني من العام سيعتمد على استمرار شهية المستثمرين، وحجم احتياجات التمويل لدى الحكومات والشركات، إضافة إلى تطورات الأوضاع الجيوسياسية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي. ويبرز من حديث الحمادي أن التحدي الرئيس أمام السوق لم يكن ضعف الطلب، وإنما ارتفاع مستويات عدم اليقين. وهذا الفارق مهم، فالأسواق التي تعاني تراجع الطلب تحتاج إلى محفزات جديدة، بينما تحتاج الأسواق التي تواجه ضبابية مرتفعة إلى بيئة أكثر استقرارًا تسمح للمستثمرين بإعادة تسعير المخاطر واتخاذ قراراتهم بثقة أكبر.
من يقود سوق الصكوك اليوم؟ ولم تعد خريطة سوق الصكوك العالمية كما كانت قبل سنوات، إذ أشار الحمادي إلى أن الشركات أصبحت تلعب دورًا أكبر في قيادة نمو الإصدارات، خصوصا في قطاعات العقارات والمرافق والبنية التحتية. كذلك رأينا مساهمة أكبر من المؤسسات المالية إلا أنها أصبحت أكثر انتقائية في توجهها نحو السوق، ولكن لا تزال الجهات السيادية هي أكبر المصدرين في سوق الصكوك العالمية. وعلى الصعيد الجغرافي، تصدرت ماليزيا الإصدارات العالمية حتى نهاية مايو 2025، مدعومة بنشاط قوي في الإصدارات المحلية، بينما جاءت دول مجلس التعاون الخليجي بالمركز الثاني والمساهم الأكبر في الإصدارات الخليجية في المملكة السعودية، إضافة إلى اتجاه المملكة إلى تنويع أدوات التمويل بين الصكوك والسندات التقليدية والقروض. وتكشف هذه التطورات عن أن سوق الصكوك دخلت مرحلة أكثر نضجًا، إذ لم يعد نجاح الإصدار يعتمد على قوة الطلب وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحسن اختيار توقيت الطرح، وتكلفة التمويل، والمرونة في إدارة هيكل الدين، وهي عوامل ستحدد بدرجة متزايدة قدرة المصدرين على المنافسة خلال السنوات المقبلة.
الجيوسياسية تعيد تسعير المخاطر ولا تعيد تشكيل الصناعة إذا كانت السنوات الماضية قد ربطت مستقبل التمويل الإسلامي بعوامل تقليدية مثل أسعار الفائدة والسيولة، فإن العام 2026 أضاف متغيرًا أكثر تأثيرًا يتمثل في تصاعد المخاطر الجيوسياسية، التي باتت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الائتمان والطاقة. ورأى عبدالله الحمادي نائب رئيس تصنيف التمويلات الإسلامية في وكالة موديز، أن التطورات الأخيرة رفعت مستوى عدم اليقين العالمي، خصوصًا مع تأثيرها المباشر في أسواق الطاقة وحركة التجارة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية. وأوضح أن السيناريو الأساسي الذي تستند إليه “موديز” يفترض بقاء أسعار خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل خلال العام 2026، مع عدم عودة الإمدادات النفطية بصورة كاملة قبل ما بعد الربع الأول من العام 2027، وهو ما يعني استمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، إلى جانب بقاء الأوضاع المالية العالمية تحت ضغط. وتكشف هذه القراءة عن أن تأثير الجيوسياسية لم يعد يقتصر على أسعار النفط، بل امتد إلى تكلفة التجارة وسلاسل الإمداد والشحن والتأمين؛ الأمر الذي يجعل مدة الأزمات وحجمها عاملًا حاسمًا في تقييم الجدارة الائتمانية للدول والشركات خلال المرحلة المقبلة.
البنوك الخليجية قوية اليوم.. لكن التحديات تتغير وعلى الرغم من ارتفاع مستوى المخاطر، أكد الحمادي أن القطاع المصرفي الخليجي لا يواجه في الوقت الراهن تهديدًا مباشرًا لاستقراره، مشيرًا إلى أن البنوك تدخل هذه المرحلة وهي تتمتع بسيولة قوية، وقواعد رأسمالية متينة، واستقرار في مصادر التمويل القائمة على ودائع العملاء. وأضاف أن الخطر الحقيقي لا يرتبط بالوضع الحالي بقدر ما يرتبط بإمكان استمرار التوترات فترة طويلة، بما قد ينعكس تدريجيًا على النشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين وجودة الأصول وربحية البنوك. ولفت إلى أن قنوات انتقال المخاطر أصبحت أكثر تنوعًا، فلم تعد تقتصر على الائتمان، بل تشمل أيضًا مخاطر التشغيل، والأمن السيبراني، والاحتيال الرقمي، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في قطاعات التجارة والنقل والعقار والبناء والسياحة، وهي قطاعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنشاط المصرفي في المنطقة. وفي المقابل، رأى الحمادي أن العلاقة الوثيقة بين الحكومات الخليجية والقطاع المصرفي تمثل أحد أهم عوامل الاستقرار، في ظل الدور الذي تؤديه الحكومات كمودعين ومقترضين ومساهمين رئيسين، إضافة إلى استمرار توقعات الدعم الحكومي في العديد من الأنظمة المصرفية الخليجية.
لماذا تبدو المصارف الإسلامية أكثر قدرة على الصمود؟ ومن أبرز الرسائل التي حملها الحوار تأكيد الحمادي أن المصارف الإسلامية في دول الخليج الجيوسياسية تمتلك مجموعة من العوامل التي تعزز قدرتها على مواجهة الصدمات. وعلى سبيل المثال لا يزال طلب المنتجات المتوافقة مع الشريعة قويًا في الأسواق الرئيسة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت وقطر، مدعومًا بالمبادرات الحكومية، والتوسع المستمر في أسواق الصكوك المحلية، واتساع قاعدة العملاء. كما أشار إلى أن جزءًا كبيرًا من المحافظ التمويلية للمصارف الإسلامية يتركز في محافظ قطاع التجزئة (الأفراد)، وهذا القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على موظفي القطاع العام والجهات شبه الحكومية، الذين يتمتعون عادة بدرجة أعلى من الاستقرار الوظيفي مقارنة ببعض القطاعات الخاصة الأكثر حساسية للدورات الاقتصادية. ورأى الحمادي أن هذه العوامل تمنح المصارف الإسلامية مرونة إضافية في مواجهة الصدمات قصيرة الأجل، مع التأكيد في الوقت نفسه أن استمرار التوترات فترات طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ نمو التمويل وارتفاع تكلفة المخاطر، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالتجارة والنقل والاستثمار.
ثلاثة عوامل تحدد قدرة اقتصادات الخليج على الصمود وأكد الحمادي أن تأثير التوترات الجيوسياسية لا يتوزع بالتساوي بين اقتصادات المنطقة، وإنما يختلف بحسب الهيكل المالي لكل دولة، ومصادر دخلها، وقدرتها على تصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. وأشار إلى أن الكويت والبحرين والعراق تبدو أكثر انكشافًا نسبيًا؛ نتيجة محدودية بدائل التصدير واعتماد بعضها على هوامش مالية أضيق، بينما تتمتع السعودية والإمارات بمرونة أكبر بفضل امتلاكهما مسارات بديلة لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب البديلة. وأضاف أن امتلاك كل من الكويت والإمارات وقطر أصولًا سيادية كبيرة يوفر لها قدرة أعلى على امتصاص الصدمات الاقتصادية، في حين تبدو البحرين أكثر حساسية نسبيًا بسبب محدودية الاحتياطيات، وفقًا لتقييم الوكالة. وأوضح أن تقييم المخاطر يعتمد في الأساس على ثلاثة عناصر رئيسة، هي: حجم الانكشاف على مضيق هرمز، وتوافر بدائل لتصدير النفط، وحجم الأصول والفوائض المالية القادرة على دعم الاقتصاد خلال فترات الأزمات.
الصكوك الخضراء ركيزة لتمويل التحول الاقتصادي وفي جانب آخر من الحوار، أكد الحمادي أن الصكوك الخضراء والمستدامة تواصل ترسيخ مكانتها داخل صناعة التمويل الإسلامي، بعد الأداء الجيد الذي سجلته خلال العام 2025، خصوصًا في السعودية والإمارات. وأوضح أن هذه الإصدارات تتعرض لتباطؤ في العام 2026، ولكن على المدى البعيد هنالك عوامل تساعد على زيادة التمويل الأخضر كتمويل مشاريع التحول في الطاقة، وكفاءة استخدام الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، ومشروعات التكيف مع التغير المناخي. وأضاف أن برامج التنويع الاقتصادي التي تنفذها دول الخليج، إلى جانب تنامي اهتمام المستثمرين بالاستثمار المسؤول، ستدعم استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.
“AAOIFI 62” تطوير تنظيمي أكثر من كونه تغييرًا جذريًا ومن بين أكثر الملفات التي تشغل صناعة التمويل الإسلامي حاليًا، تبرز مسودة المعيار الشرعي رقم 62 لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI 62)، الذي يركز على هيكلة الصكوك وحقوق المستثمرين في الأصول الأساسية. وأوضح الحمادي أن المعيار أثار نقاشًا واسعًا داخل السوق، لأنه يتجه نحو منح المستثمرين حقوقًا أقوى في الأصول مقارنة ببعض الهياكل التقليدية؛ الأمر الذي قد يزيد التعقيدات القانونية والتشغيلية لبعض الإصدارات. إلا أنه شدد على أنه لا يتوقع أن يؤدي المعيار إلى اضطراب واسع في سوق الصكوك، بل يراه خطوة تنظيمية تستهدف تطوير الهياكل القانونية والوثائق المرتبطة بالإصدارات، مع استمرار اعتماد المستثمرين بصورة رئيسة على الجدارة الائتمانية للمصدر. وأضاف أن الأثر المتوقع للمعيار سيختلف من سوق إلى أخرى، خصوصا أن أكبر أسواق الصكوك، مثل ماليزيا وإندونيسيا، لا تطبق معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) ، وهو ما يعني أن انعكاساته لن تكون متساوية على جميع الأسواق.
التمويل الإسلامي أمام اختبار جديد وخلص الحوار مع عبدالله الحمادي إلى أن صناعة التمويل الإسلامي لا تواجه أزمة نمو بقدر ما تواجه اختبارًا لقدرتها على التكيف مع بيئة اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيدًا، فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبًا على النمو في القطاع والتوسع في الأسواق، أصبحت الأولوية اليوم لإدارة المخاطر، وتعزيز المرونة، ورفع جودة الهياكل التمويلية، بما يحافظ على ثقة المستثمرين واستدامة النمو. وأكدت تصريحات الحمادي أن الأساسيات التي قامت عليها الصناعة لا تزال متينة، وأن طلب الصكوك والمنتجات المتوافقة مع الشريعة مستمر، إلا أن المرحلة المقبلة ستتطلب قدرًا أكبر من المرونة في إدارة المخاطر، والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية، ومواصلة تطوير الأطر التنظيمية التي تواكب تطور الأسواق. وبذلك يبدو أن مستقبل التمويل الإسلامي لن يُقاس فقط بحجم الإصدارات أو قيمة الأصول، وإنما بقدرته على ترسيخ مكانته كمنظومة تمويل قادرة على تحقيق الاستقرار، وتوفير حلول تمويلية مستدامة في عالم تتزايد فيه التقلبات وتتسارع فيه التحولات الاقتصادية.