تقرير | سياسات البحرين ودبلوماسيتها وفاء لشقيقاتها بالبيت الخليجي
| د.محمد رضا بوحسين
تتشابك خيوط الدبلوماسية البحرينية في نسيج الخليج. من قاعة مجلس الأمن في نيويورك إلى منصة حوار المنامة، كان الخيط الأحمر الوحيد هو دول الخليج الشقيقات - البيت الكبير الذي لا تتخلى عنه البحرين أبدا. البحرين في مجلس الأمن لم تكن سفيرة لدولة، بل كانت حارسة للبيت الخليجي الكبير. من القرار 2817 الذي دان الهجمات الإيرانية بأكبر تأييد في تاريخ المجلس، إلى رئاسة المجلس وعقد أول اجتماع حول التعاون مع مجلس التعاون الخليجي، إلى الدفاع عن مضيق هرمز كشريان حياة للخليج كلّه، أثبتت البحرين أن وفاءها لأشقائها الستة ليس مجرد كلمات تقال في المناسبات، بل هو سياسة راسخة، ودبلوماسية فاعلة، وتضحية مستمرة. لم تتخلَّ البحرين عن أشقائها لحظة واحدة، لا في لحظة الانتصار الدبلوماسي، ولا في لحظة الفيتو، ولا في لحظة التفاوض، ولا في لحظة الحرب. ظلت البحرين صوت الخليج الجهوري في أعلى منصة دولية، وقلبه النابض في كل محفل. هذا هو الوفاء الذي لا ينتهي، وهذا هو البيت الخليجي الكبير الذي تحميه البحرين بكل ما أوتيت من قوة دبلوماسية وسياسية. فعندما جلست البحرين على مقعدها في مجلس الأمن الدولي مطلع عام 2026، لم تكن تمثل نفسها فقط. فقد كانت تحمل في جعبتها إرادة و أمانة ست دول، وتهمس في أذن العالم بوجع خليجي واحد. لم تكن عضويتها غير الدائمة مجرد تكريم دبلوماسي، بل كانت وكالة دفاعية عن البيت الخليجي الكبير، وترجمة عملية لمبدأ راسخ: أن أمن البحرين مرتبط بأمن أشقائها، وأن صوتها في أعلى منصة دولية لا بد أن يكون صوت الخليج كلّه. فمنذ اليوم الأول لعضويتها، أثبتت البحرين أن الوفاء للبيت الخليجي ليس شعاراً، بل سياسة، وأن الدبلوماسية البحرينية ليست فردية أنانية، بل جماعية ووحدوية بامتياز.
أولاً: القرار 2817.. إنجاز غير مسبوق في تاريخ مجلس الأمن في 11 مارس 2026، قدّمت البحرين مشروع قرار 2817 باسم مجلس التعاون الخليجي والأردن، فكانت النتيجة إنجازا تاريخيا غير مسبوق، باعتماده بأغلبية 13 صوتا، وبمشاركة 135 دولة في رعايته، وهو أعلى عدد للأصوات المؤيدة يُسجَّل في تاريخ قرارات مجلس الأمن. هذا القرار لم يكن مجرد ورقة دبلوماسية، بل كان درعاً خليجياً جماعياً، إذ دان بأشد العبارات الهجمات الإيرانية الشنيعة على أراضي دول الخليج والأردن، وطالب بالوقف الفوري لكل الهجمات، وأدان استهداف المناطق السكنية والأعيان المدنية والبنى التحتية، وأكد دعم المجلس لسيادة واستقلال وسلامة أراضي كل دولة خليجية على حدة. البحرين في هذا القرار لم تكن تتحدث عن نفسها، بل كانت تحمل هموم أشقائها الستة، وتترجم ألمهم المشترك إلى إجماع دولي ملزم.
ثانياً: رئاسة المجلس.. قيادة خليجية من قلب نيويورك في الأول من أبريل 2026، تولت البحرين رئاسة مجلس الأمن الدولي، فكانت هذه الرئاسة فرصة ذهبية لوضع القضايا الخليجية في صلب أولويات العالم. تحت رئاسة وزير الخارجية الدكتور عبد اللطيف الزياني التي تميزت بالحكمة والدقة، ركزت أجندة البحرين على أربع أولويات رئيسية، كان في مقدمتها تعزيز التعاون مع مجلس التعاون الخليجي. وفي خطوة غير مسبوقة، عقد المجلس - لأول مرة في تاريخه - اجتماعاً رفيع المستوى حول التعاون بين الأمم المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأصدر في ختامه بيانا رئاسيا بإجماع أعضائه الخمسة عشر شجع على التعاون المشترك للتصدي للتحديات، بما فيها الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والأمن الغذائي والمائي. الأهم من ذلك أن البيان الرئاسي أكد مجدداً الالتزام القوي بسيادة جميع دول مجلس التعاون واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية، وسلم بمكانة وخبرة المجلس فيما يتعلق بالسلام والأمن الإقليميين. هذا البيان لم يكن مجرد كلمات، بل كان اعترافاً دولياً بالدور الخليجي كفاعل أساسي في صناعة الأمن الإقليمي، وليس مجرد متلقٍ للقرارات.
ثالثاً: مضيق هرمز.. دفاع عن شريان حياة الخليج لم تقف البحرين عند حدود إدانة الهجمات، بل تجاوزتها إلى حماية شريان حياة الخليج: مضيق هرمز، فقدّمت مشروع قرار نيابة عن دول الخليج والأردن يهدف إلى وضع حد لما وصفته بـ”الخنق والإرهاب الاقتصادي” في المضيق. المشروع تضمن بنودا جوهرية تعكس إرادة خليجية موحدة، منها: التأكيد على حق المرور العابر في مضيق هرمز وفقا للقانون الدولي، وتشجيع الدول المهتمة على تنسيق الجهود الدفاعية لضمان سلامة الملاحة، والمطالبة بوقف الهجمات على البنى التحتية المدنية ومحطات تحلية المياه ومنشآت النفط والغاز، والتأكيد على حق الدول في الدفاع عن سفنها في مواجهة الهجمات. المندوب البحريني جمال الرويعي في 1/4/2026 أوضح أن مشروع القرار يسعى لإيجاد “حل مستدام” لتهديدات الملاحة التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، مؤكداً أن حماية الممرات المائية ليست مسألة إقليمية، بل مسؤولية دولية مرتبطة باستقرار الاقتصاد العالمي وسلامة سلاسل الإمداد. ورغم استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد المشروع، فإن المبادرة البحرينية نفسها كانت انتصاراً دبلوماسياً، إذ جعلت من قضية مضيق هرمز - شريان الحياة الخليجي - قضية دولية مطروحة على طاولة مجلس الأمن، وكشفت للعالم من يعرقل حماية الملاحة الدولية.
رابعا: من التحدث باسم الخليج إلى جعل الخليج شريكاً في القرار ما قامت به البحرين في مجلس الأمن تجاوز بكثير دور “المتحدث باسم الخليج”. لقد حولت البحرين عضويتها إلى منصة لترسيخ مكانة الخليج كشريك فاعل في النظام الدولي، وليس مجرد طرف يتلقى القرارات. ففي كل خطوة، كانت البحرين حريصة على:
- تقديم المشاريع باسم المجلس، وليس باسمها منفردة. - تأكيد سيادة كل دولة خليجية على حدة في صلب القرارات. - ربط أمن الخليج بالأمن الدولي، لتجعل من القضية الخليجية قضية عالمية. - بناء جسر بين الأمم المتحدة ومجلس التعاون، لإضفاء الشرعية الدولية على الدور الخليجي.
خامساً: الوفاء في مواجهة الفيتو حتى في لحظة الفيتو الروسي الصيني ضد مشروع قرار مضيق هرمز، كانت البحرين وفية لأشقائها. فلم تتراجع، ولم تتخلى، بل واصلت الدفع دبلوماسيا فأعرب وزير الخارجية الدكتور عبد اللطيف الزياني عن “أسف” دول الخليج لرفض المشروع، مؤكداً أن الدفاع عن مصالح الخليج هو التزام بحريني لا يتزعزع، حتى في مواجهة أعتى العقبات. هذا الموقف جسّد معنى الوفاء الحقيقي: ليس الوفاء في الانتصارات فقط، بل في الثبات عند الشدائد، وفي الاستمرار في الدفاع عن الأشقاء حتى عندما تكون النتيجة غير مضمونة. سادساً: من نيويورك إلى حوار المنامة.. استمرارية الوفاء ما قامت به البحرين في نيويورك لم يكن محطة منعزلة، بل كان تمهيداً لما ستطرحه في حوار المنامة. فالعضوية في مجلس الأمن منحت البحرين شرعية دولية وخبرة دبلوماسية، جعلتها مؤهلة لقيادة النقاش حول مستقبل الخليج في المنامة. ففي نيويورك، أثبتت البحرين أنها قادرة على تحويل الموقف الخليجي إلى قرارات دولية. وفي حوار المنامة المقرر عقدة في نهاية اكتوبر ، ستواصل بناء خارطة طريق تجعل الخليج قوة تصدر القرارات لا تتلقاها، وتُترجم الدروس المستفادة من عضوية المجلس إلى استراتيجية أمنية خليجية مشتركة.