الكويت تنشئ صندوقا للاستجابة الطارئة بـ100 مليون دولار... فهل تحتاج البحرين إلى نموذج مماثل؟
| عمر الكعابنة
أطلقت دولة الكويت «صندوق الكويت للاستجابة الطارئة» برأسمال أولي يبلغ 100 مليون دولار، في خطوة تهدف إلى إنشاء مظلة مالية جاهزة للتعامل مع الظروف الاستثنائية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات. وجاءت المبادرة عبر الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وبمشاركة حكومية ومؤسسات من القطاع الخاص، لتأسيس آلية لا تقتصر على ردّ الفعل بعد وقوع الأزمة، بل تقوم على بناء احتياطي مالي مسبق يمكن استخدامه عند الحاجة. وتعكس المبادرة تحولا في مفهوم إدارة المخاطر الاقتصادية في المنطقة، إذ لم تعد الأزمات تُدار فقط عبر الموازنات الحكومية أو القرارات المؤقتة، بل عبر أدوات مالية مستقلة قادرة على التحرك بسرعة عند حدوث طوارئ تمس البنية التحتية أو القطاعات الاقتصادية أو الخدمات الأساسية. اللافت في التجربة الكويتية هو دخول القطاع الخاص كشريك في تمويل الصندوق، حيث تجاوزت المساهمات المعلنة من الشركات والمؤسسات الخاصة حتى الآن نحو 16 مليون دولار تقريبا، إضافة إلى رأس المال الأولي الحكومي للصندوق البالغ 100 مليون دولار. وتحمل هذه الخطوة دلالة تتجاوز قيمة الأموال نفسها، إذ تقدم نموذجاً جديداً للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص؛ فالشركات لا تساهم فقط ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية التقليدية، وإنما تشارك في بناء شبكة أمان اقتصادية تحمي البيئة التي تعمل داخلها، وتحافظ على استمرارية الأعمال والاستثمارات خلال الظروف الاستثنائية. البحرين لماذا لا تنشئ صندوقا مماثلا؟ تفتح التجربة الكويتية نقاشا مهما في البحرين حول إمكانية إنشاء صندوق وطني للاستجابة للطوارئ الاقتصادية، خصوصاً أن الاقتصاد البحريني، رغم امتلاكه قطاعات متنوعة وقاعدة مالية ومصرفية متطورة، يبقى اقتصادا ومفتوحا ويتأثر بالتطورات الإقليمية والعالمية. فالسنوات الماضية أظهرت أن الأزمات الحديثة لا تقتصر على الكوارث الطبيعية، بل تشمل اضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار الطاقة، والأزمات الصحية، وتأثيراتها المباشرة على الشركات والوظائف والنشاط الاقتصادي. وفي حالة البحرين، فإن وجود صندوق متخصص قد يمثل أداة إضافية لدعم القطاعات الحيوية، مثل الصناعة والطاقة والخدمات المالية والسياحة والنقل، إضافة إلى مساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تكون عادة الأكثر تأثرا خلال فترات عدم الاستقرار. ورغم ذلك، فإن عدم إنشاء صندوق مماثل حتى الآن قد يرتبط بعدة عوامل، أبرزها أن البحرين تمتلك بالفعل مجموعة من الأدوات والمؤسسات التي تؤدي أدوارا قريبة من فكرة الدعم الاقتصادي، وإن كانت موزعة بين أكثر من جهة فهناك برامج دعم القطاع الخاص، وصندوق العمل “تمكين”، وصناديق وبرامج تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى المؤسسات المالية التي تقدم حلولا تمويلية للشركات. لكن الفرق الأساسي بين هذه الأدوات وصندوق الاستجابة الطارئة يتمثل في أن الأخيرة ستكون مخصصة للأزمات تحديداً، بحيث تكون الأموال متاحة مسبقاً ولا تحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات الحكومية عند وقوع حدث استثنائي. هل تحتاج البحرين إلى صندوق بـ100 مليون دولار؟ ليس بالضرورة، فالنموذج الكويتي لا يعني أن على البحرين نسخ التجربة بالحجم نفسه، إذ يمكن تصميم صندوق يتناسب مع حجم الاقتصاد البحريني، وربما يبدأ برأسمال أقل، مع إمكانية زيادته تدريجياً عبر مساهمات الحكومة والقطاع الخاص. الميزة الأساسية ليست في حجم الصندوق فقط، وإنما في وجود آلية مؤسسية واضحة وسريعة، تحدد مسبقاً مصادر التمويل وأوجه الصرف والجهات المستفيدة، بدلاً من الاعتماد على قرارات ظرفية عند حدوث الأزمة. كما أن البحرين تمتلك قاعدة شركات كبرى في قطاعات الصناعة والمصارف والاتصالات والعقار والطاقة، ما يفتح المجال أمام نموذج شراكة مشابه للتجربة الكويتية، بحيث يصبح القطاع الخاص جزءا من منظومة المرونة الاقتصادية. من المسؤولية الاجتماعية إلى الأمن الاقتصادي تجربة الكويت تقدم فكرة جديدة لدول الخليج، وهي أن مساهمة الشركات الوطنية يمكن أن تنتقل من المبادرات الاجتماعية التقليدية إلى بناء أدوات اقتصادية طويلة الأجل. فالشركات الكبرى هي أول المستفيدين من وجود اقتصاد قادر على التعافي بسرعة، ومن وجود بنية مالية تساعد على حماية الأسواق والوظائف وسلاسل التوريد. وفي البحرين، قد يكون النقاش المستقبلي ليس حول إنشاء نسخة مطابقة للصندوق الكويتي، بل حول تطوير نموذج بحريني خاص ينسجم مع رؤية المملكة الاقتصادية وأولوياتها المالية، ويجمع بين الحكومة والقطاع الخاص في بناء قدرة استباقية لمواجهة الأزمات.