ليبرلاند تسعى لجذب المستثمرين من أنحاء العالم.. هل تنجح أول دولة بلا ضرائب؟

| طارق البحار

لا تبدو “جمهورية ليبرلاند الحرة” مثيرة للاهتمام للوهلة الأولى من على متن القارب؛ فهذا الشريط الطيني المسطح والمغمور بالمياه على ضفاف نهر الدانوب، والمحاط بأشجار الخصيب والخيام والأكواخ الخشبية البدائية، لا يشي أبدًا بأنه يرتبط بأقوى وأثرى رجال العالم، بمن فيهم المستثمر الأكبر في البيزنس المشفر لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وفي المقابل، تظهر النسخة الافتراضية الذكية للمشروع، والتي صممتها شركة المهندسة الراحلة زها حديد المعمارية الشهيرة، أبراجًا زجاجية شاهقة، ومتنزهات عامة عائمة، ونوافير تتحدى الجاذبية. هذا التناقض الصارخ يعكس الفجوة بين واقع طيني وطموح تكنولوجي فلكي يقوده رئيس هذه الدولة المجهرية “فيت جيدليكا”، الذي أسس بلد الرقميات على أرض متنازع عليها بين صربيا وكرواتيا، بهدف صياغة دولة ليبرتالية حقيقية تُدار بالكامل عبر تكنولوجيا العملات المشفرة، لتقدم نموذجاً يحاول أباطرة الوادي التكنولوجي تصديره للعالم؛ وهو إمكانية استبدال الحكومات والأنظمة السياسية التقليدية بالكامل بالبرمجيات والأكواد الرقمية.

تأسست “ليبرلاند” عام 2015 على يد السير “فيت جيدليكا” فوق بقعة أرض لا تطالب بها أي من الدولتين الجارتين. وما بدأ كأطروحة فكرية تحررية، تحول اليوم إلى واقع تكنولوجي ملموس يمتلك شبكة “بلوكشين” خاصة من الطبقة الأولى (Layer-1)، ويعتمد على عملتين رقميتين ونموذج حوكمة يقلب المبادئ السياسية التقليدية رأسًا على عقب.

ويقوم هذا النظام على عملتين؛ الأولى هي (LLD) المخصصة لمعالجة رسوم المعاملات وتسيير الحياة اليومية، والثانية هي (LLM) أو “مزايا ليبرلاند” وهي توكن الحوكمة الفعلي. وللحصول على حق المواطنة، يتعين على الفرد رهن ما لا يقل عن 5000 توكن من عملة الحوكمة، لتصبح القاعدة الذهبية هناك: كلما ركلت ورهنت المزيد من العملات، زادت قوتك التصويتية ونفوذك السياسي داخل الدولة. ونظراً لأن المعروض من هذه العملة محدّد بسقف لا يتجاوز 70 مليون توكن، فإن السلطة السياسية في ليبرلاند تعد موردًا نادرًا ومحدودًا.

اقتصاد بلا ضرائب و4 وزراء فقط

كشف فيت يدليتشكا عن ملامح النظام الاقتصادي الذي يسعى إلى تطبيقه في دولته، مؤكدًا أنه يقوم على مبادئ السوق الحرة بأقل قدر ممكن من تدخل الحكومة، في رؤية تستند إلى الحرية الاقتصادية باعتبارها الركيزة الأساسية لنمو المجتمع.

وأوضح يدليتشكا أن اقتصاد ليبرلاند يعتمد بالكامل على آليات العرض والطلب والمنافسة المفتوحة، دون فرض ضرائب على الأفراد أو الشركات، كما لا يضع قيوداً على عمليات تحويل العملات أو الصرف الأجنبي، بهدف خلق بيئة استثمارية مفتوحة وجاذبة لرؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم.

وأشار إلى أن الدولة لا تعتزم فرض قيود أو حصص على استيراد السلع، باستثناء عدد محدود من المنتجات التي قد تشكل خطرًا على الأمن القومي أو الصحة العامة، مؤكدًا أن السياسة التجارية ستبقى منفتحة بما ينسجم مع فلسفة الاقتصاد الحر.

وأضاف أن النظام المالي المقترح يتضمن إنشاء بنك مركزي، إلى جانب مصارف تجارية وسوق للأوراق المالية، في إطار بناء منظومة مالية متكاملة تدعم النشاط الاقتصادي وتوفر الأدوات اللازمة لعمل المستثمرين والشركات.

ويرى رئيس ليبرلاند أن تحقيق أكبر قدر من الحرية الاقتصادية يتطلب تقليص دور الحكومة إلى الحد الأدنى، موضحًا أن مهمة الدولة يجب أن تقتصر على توفير العدالة، وحفظ الأمن، وإدارة العلاقات الدبلوماسية، بدلاً من التدخل في النشاط الاقتصادي أو إدارة الأسواق.

ولهذا السبب، أوضح أن حكومته تضم حاليًّا أربعة وزراء فقط، يتولون حقائب المالية، والخارجية، والداخلية، والعدل، في نموذج يهدف إلى بناء جهاز حكومي صغير يعتمد على الكفاءة ويبتعد عن البيروقراطية، انسجامًا مع فلسفة ليبرلاند التي تدعو إلى منح الأفراد والقطاع الخاص مساحة أكبر لإدارة النشاط الاقتصادي بعيداً عن تدخل الدولة.

الصوت لمن يملك أكثر

وفي الوقت الذي تمنح فيه الديمقراطيات الحديثة صوتًا متساويًا لكل مواطن، تتبنى “ليبرلاند” فصيلاً مغايرًا تمامًا؛ حيث تُباع الأصوات الانتخابية وتشترى عبر رمز مشفر يسمى “مزايا ليبرلاند” (Liberland Merits)، مما يعني ببساطة أن الأشخاص الذين يمتلكون حصة أكبر من العملات يتمتعون بالقدرة الفعالة على تحديد قيادة الدولة ورسم سياساتها، وهو تجسيد حي لمفهوم الاقتراع المباشر بالمال. وتأسست هذه البقعة لتكون جنة معفاة تمامًا من الضرائب، وهو ما يبرره وزير داخليتها المثير للجدل “إيفان بيرنار”، النائب الكرواتي السابق الذي طُرد سابقاً من البرلمان بسبب ترويجه لنظريات المؤامرة، إذ يرى أن أصحاب النفوذ والمال هم الفئة الجديرة بالترحيب لبناء هذا المجتمع، محذرًا من تحول بلاده إلى نسخة من بريطانيا إذا فُتحت الأبواب للجميع دون انتقاء مالي، واصفاً مساعدة الفقراء بـ “إطعام الحيوانات” التي قد تفقد قدرتها على إعالة نفسها إذا اعتادت على المساعدات، وهي رؤية يتشاركها داعمو المشروع من أثرياء الكريبتو الذين يرون في الضرائب أو إعادة توزيع الثروة تعديًا سافرًا على حرياتهم الفردية المطلقة.

ملياردير الموز وعائلة ترامب

وعلى مدار العام الماضي، حظيت هذه الدولة المجهرية بدعم مالي جارف يقوده رئيس وزرائها الحالي، عملاق الكريبتو الصيني “جاستن صن”، الذي تبلغ ثروته التقديرية بنحو 8.5 مليار دولار، والذي اشتهر عالمياً بشرائه عملاً فنياً عبارة عن “موزة ملصقة على حائط” مقابل 6.2 مليون دولار قبل أن يأكلها، إلى جانب ملاحقته من قبل المنظمين الأميركيين بتهم الاحتيال والتلاعب بالسوق، وهي تهم ينفيها وقام بتسويتها مؤخراً مقابل 10 ملايين دولار. وتعد شركة صن (Tron) شبكة برمجية عالمية ضخمة لتداول العملات المشفرة بعيداً عن الرقابة الحكومية والضريبية، وتُستخدم هذه التكنولوجيا ذاتها لإدارة حكومة ليبرلاند الافتراضية؛ حيث يصوت المواطنون على القوانين عبر الرموز الرقمية، ويتم فرز الأصوات وتنفيذها تلقائياً بواسطة الأكواد بدلاً من الموظفين البشريين. ورغم رصد منصات التحليل لشبكة “ترون” كأحد أكبر المسارات لنقل الأموال غير المشروعة المرتبطة بالجماعات المسلحة وعصابات المخدرات، إلا أن “صن” نجح في التغلغل داخل النخبة السياسية الأميركية، ليصبح المستثمر الرئيسي في شركة العملات المشفرة الخاصة بعائلة ترامب (World Liberty Financial) بضخ أكثر من 75 مليون دولار، مما مهد له الطريق لعقد لقاءات مباشرة مع الرئيس الأميركي الذي حققت عائلته أرباحاً طائلة تجاوزت 1.4 مليار دولار من قطاع الكريبتو خلال العام الماضي وحده.

من الإقطاعية الرقمية إلى ‮«ملوك الرؤساء التنفيذيين‮»

ولا تمثل “ليبرلاند” حالة معزولة في هذا السياق، بل هي جزء من سلسلة نماذج أولية يبنيها أثرياء التكنولوجيا للهروب من سلطة الدول، مثل مشروع “بروسبيرا” في هندوراس، ومعهد “سيستيدينغ” المدعوم من الملياردير بيتر ثيل، ومشروع “دريبر نايشن” للمستثمر التكنولوجي تيم دريبر الذي يؤمن بأن الحكومات التقليدية تقدم “خدمة سيئة بتكلفة باهظة” وأن البلوكشين سيحل محلها حتماً. وتتقاطع هذه الطموحات بشكل وثيق مع الأفكار الفلسفية للمفكر المثير للجدل “كورتيس يارفين”، الأب الروحي للحركة التنويرية المظلمة والمقرب من نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس”؛ حيث يدعو يارفين إلى تفكيك الدول القومية واستبدالها بشبكة عالمية من الدول الصغيرة المملوكة للمساهمين، يحكمها “ملوك من الرؤساء التنفيذيين” يديرون الدول كشركات تتنافس على جذب المواطنين كزبائن، مع التحكم في الأمن والشرطة عبر أنظمة تشفير قادرة على تعطيل الأسلحة عن بُعد.

ومع تحول اللوبي المشفر في الولايات المتحدة إلى القوة الضغط الأكبر متجاوزًا قطاع الوقود الأحفوري بإنفاق بلغ 238 مليون دولار في الدورة الانتخابية الأخيرة، يتضح أن الهدف الحقيقي لهؤلاء الأباطرة ليس تحرير الشعوب من سيطرة الحكومات، بل نقل مقاليد السيطرة المطلقة بالكامل إلى أيدي النخبة التي تمتلك وتتحكم في مفاتيح هذه التكنولوجيا المعقدة.

خارج قائمة دول العالم المعترف بها

رغم الضجة التي أثارتها ليبرلاند واستقطابها اهتمام مستثمرين بارزين في عالم العملات المشفرة والتكنولوجيا، فإنها لا تزال، من الناحية القانونية، خارج قائمة دول العالم المعترف بها. فحتى اليوم، لم تحصل على أي اعتراف رسمي من أي دولة أو منظمة دولية، ولا تستوفي المعايير القانونية التي تمنح أي كيان صفة الدولة.

ويستند القانون الدولي في هذا الجانب إلى اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، التي حددت أربعة شروط أساسية لقيام الدولة، تتمثل في وجود إقليم يخضع لسيطرة فعلية، وسكان دائمين، وحكومة قادرة على إدارة شؤونها، إضافة إلى امتلاك القدرة على إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى. وبالنسبة إلى ليبرلاند، فإن هذه المقومات لا تزال غائبة، إذ لا تفرض سيطرة فعلية على الأرض التي تطالب بها، كما أنها لا تمتلك مجتمعاً مستقراً أو حكومة تمارس سلطاتها بصورة معترف بها.

ورغم هذا الواقع القانوني، يواصل المشروع جذب اهتمام عالمي متزايد، خاصة بين المهتمين بتقنيات البلوك تشين والحوكمة الرقمية، إذ يسعى مؤسسوه إلى تقديم نموذج جديد للدولة يعتمد على التكنولوجيا واللامركزية، ويختلف عن المفهوم التقليدي للسيادة وإدارة الحكومات.

وبينما يرى البعض أن ليبرلاند ليست سوى مشروع افتراضي يفتقر إلى أي أساس قانوني، يعتبرها آخرون تجربة سياسية وفلسفية جريئة لاختبار مستقبل الدول في العصر الرقمي، وإمكانية توظيف تقنيات البلوك تشين في إدارة المجتمعات والأنظمة الحكومية.

وفي ظل هذا الانقسام، تبقى ليبرلاند واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل، إذ تطرح تساؤلات متزايدة حول مستقبل مفهوم الدولة، وما إذا كانت التكنولوجيا قادرة يوماً ما على إعادة رسم حدود السيادة كما يعرفها العالم اليوم.

رغم أن ليبرلاند ترفع شعار “عِش ودع غيرك يعيش” وتقدم نفسها كنموذج لدولة قائمة على الحرية الفردية واللامركزية، فإنها لا تزال تواجه رفضاً واسعاً من الدول المجاورة، التي لا تنظر إليها بوصفها مشروعاً سياسياً حقيقياً.

فقد وصفت السلطات الكرواتية المبادرة بأنها “محاكاة افتراضية ساخرة” لا تستند إلى أي أساس قانوني، بينما تعاملت معها صربيا بقدر أكبر من اللامبالاة، معتبرة أنها “تصرف مسلٍ لا يستحق مزيداً من التعليق”، في إشارة إلى أنها لا ترى في المشروع أي تأثير فعلي على الواقع السياسي أو الجغرافي.

وليبرلاند ليست التجربة الوحيدة التي حاولت إعلان نفسها دولة مستقلة خارج الإطار التقليدي، إذ سبقها عدد من المشاريع المشابهة التي أثارت اهتماماً إعلامياً وقانونياً، من أبرزها إمارة سيلاند، التي أعلنت استقلالها عام 1967 فوق منصة بحرية مهجورة كانت تستخدم لأغراض عسكرية في بحر الشمال قبالة السواحل البريطانية.

أحدث دولة في العالم

يؤكد مؤسس ورئيس جمهورية ليبرلاند الحرة فيت يدليتشكا أن مشروعه ليس مجرد فكرة عابرة، بل محاولة لبناء ما يصفه بـ”أحدث دولة في العالم”، مشيراً إلى أن ليبرلاند تمتلك اليوم شبكة تضم أكثر من 100 قنصلية حول العالم، في إطار سعيها إلى توسيع حضورها الدولي رغم غياب الاعتراف الرسمي بها.

ويقول يدليتشكا إن فكرة تأسيس ليبرلاند رافقته منذ سنوات الطفولة، عندما اطلع على أفكار الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون، ولا سيما رؤيته التي تعود إلى عام 1787 بشأن بناء دولة تقوم على الحريات الاقتصادية وتقليص تدخل الحكومة في حياة الأفراد. ويضيف أن هذه القناعة تطورت تدريجياً حتى تحولت إلى مشروع متكامل قبل سنوات، مستشهداً بإحدى عباراته الشهيرة: “الاشتراكية هي الاعتقاد الخاطئ بأن الدولة ستنفق أموالك بصورة أفضل منك.”

ويروي مؤسس ليبرلاند أن إعلان الدولة جاء بعد زيارة قام بها برفقة صحفي من صحيفة “بارلامنتني” التشيكية إلى المنطقة المتنازع عليها، حيث فوجئ بقطعة أرض تغطيها الغابات ولا يقطنها أحد سوى منزل مهجور، وتقع على الضفة الغربية لنهر الدانوب بين كرواتيا وصربيا، وتبلغ مساحتها نحو سبعة كيلومترات مربعة.

وبحسب يدليتشكا، فإن هذه المنطقة بقيت لعقود خارج السيطرة الفعلية لأي من البلدين نتيجة الخلاف الحدودي الذي أعقب تفكك يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، ولم تسعَ أي من كرواتيا أو صربيا إلى ضمها رسمياً، الأمر الذي جعلها تُصنف ضمن ما يُعرف في القانون الدولي باسم “تيرا نوليوس”، أي “الأرض التي لا يملكها أحد”، وهو ما اعتبره أساساً قانونياً يسمح بإعلان قيام دولة جديدة متى ما استوفت الشروط القانونية اللازمة.

ويشدد رئيس ليبرلاند على أن مشروعه لا يتضمن إنشاء جيش، موضحاً أن الدولة تتبنى فلسفة السلام، وأن هناك دولاً قائمة بالفعل، مثل كوستاريكا وليختنشتاين، لا تمتلك قوات مسلحة دائمة. ويؤكد أن ليبرلاند، في حال تطورها، ستعتمد على أجهزة أمنية مدنية تضم الشرطة وحرس الحدود، تكون مهمتها حماية السكان، والحفاظ على الأمن، وتطبيق القانون، دون الحاجة إلى جيش نظامي.

المصادر:

BBC

Cryptobriefing