المغرب أكد أن إنجاز قطر لم يكن صدفة.. ورسخ مكانته بين كبار العالم بطموح مشروع نحو لقب المونديال
| محمد الدرازي
التحول التكتيكي منح المنتخب المغربي شخصية مختلفة وجعل حضوره أكثر إقناعًا ضغوط الترشيحات رافقت «أسود الأطلس» بعد إنجاز قطر لكنها لم تمنع استمرار التطور الوصول إلى ربع النهائي أكد أن الكرة المغربية تسير وفق مشروع طويل الأمدلم تكن مشاركة المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم 2026 مجرد محطة جديدة في سجل «أسود الأطلس»، بل مثلت امتدادًا لمسار تصاعدي بدأ يفرض نفسه بقوة على خارطة كرة القدم العالمية، بعدما انتقل المنتخب من خانة الباحث عن المفاجأة إلى موقع المنافس الذي تلاحقه التوقعات والطموحات. وبينما توقفت الرحلة عند الدور ربع النهائي، فإن القراءة الفنية للمشاركة تجاوزت حدود النتيجة النهائية، لتغوص في التحولات التي شهدها المنتخب على مستوى الهوية التكتيكية، وطبيعة الأداء، وحجم الضغوط التي واجهها، ومدى نجاحه في تثبيت مكانته ضمن نخبة المنتخبات العالمية. وتناول رئيس تحرير صحيفة «المنتخب» المغربية بدر الدين الإدريسي، في حديثه الخاص لـ«البلاد الرياضي»، مختلف الجوانب الفنية التي صاحبت مشوار المنتخب المغربي في المونديال، مستعرضًا أسباب اعتباره المشاركة ناجحة ومشرفة، ومحللًا التحول الذي شهده أسلوب اللعب مقارنة بنسخة كأس العالم 2022، إلى جانب انعكاسات المكانة الجديدة التي أصبح يحتلها المنتخب المغربي على مستوى التوقعات الجماهيرية والإعلامية، قبل أن يتطرق إلى شخصية الفريق الجديدة، وما حملته من مؤشرات تؤكد أن الكرة المغربية باتت تعيش مرحلة مختلفة عنوانها المنافسة المستدامة على أعلى المستويات.
مشاركة مشرفة رغم عدم بلوغ الطموح الأكبر اعتبر الإدريسي أن مشاركة المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم 2026 جاءت مشرفة للغاية، حتى وإن لم تحقق الطموحات التي كانت معلقة على الفريق الوطني بالذهاب إلى ما هو أبعد من الدور نصف النهائي الذي بلغه في نسخة قطر 2022. ورأى أن الوصول إلى الدور ربع النهائي في بطولة شهدت مشاركة 48 منتخبًا، مع زيادة مرحلة إضافية في الأدوار الإقصائية، منح دلالة واضحة على أن المنتخب المغربي قدم نسخة تقترب كثيرًا في قيمتها الفنية من النسخة التاريخية التي حققها قبل أربعة أعوام، وهو ما يعزز القناعة باستمرار المنتخب في المسار التصاعدي نفسه، دون أن يكون ما تحقق سابقًا مجرد حالة استثنائية. وأشار إلى أن تقييم المشاركة لا يجب أن يقتصر على محطة الخروج من البطولة، وإنما ينبغي أن يرتبط أيضًا بطبيعة المشوار الذي قطعه المنتخب، ومستوى المنافسين الذين واجههم، إضافة إلى التطور الذي طرأ على شخصية الفريق وهويته الفنية. وأوضح أن المنتخب المغربي لم يكتف بالحفاظ على حضوره بين كبار المنتخبات، بل نجح في تثبيت نفسه ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، بالتزامن مع احتلاله المركزين الخامس أو السادس في التصنيف العالمي، وهو ما يعكس وجود تطابق واضح بين الأداء داخل البطولة والمكانة التي وصل إليها على الساحة الدولية.
هوية مختلفة عن مونديال قطر رأى الإدريسي أن أبرز ما ميز المنتخب المغربي في نسخة 2026 تمثل في اختلاف الهوية الفنية والبصمة التكتيكية بصورة واضحة مقارنة بما كان عليه الفريق في مونديال قطر 2022. وأوضح أن المنتخب الذي أبهر العالم قبل أربعة أعوام اعتمد آنذاك بصورة كبيرة على الكتلة الدفاعية المنخفضة والانطلاق بالهجمات المرتدة، وهو الأسلوب الذي قاده إلى تحقيق إنجاز تاريخي بوصوله إلى الدور نصف النهائي. وأوضح أن نسخة 2026 قدمت منتخبًا مختلفًا تمامًا، بعدما تحول إلى فريق يعتمد على ما وصفه بالأسلوب التكتيكي الهجين، وهو الأسلوب الذي منح المنتخب قدرة أكبر على التنوع في الأداء، وجعله أكثر مرونة في التعامل مع مجريات المباريات المختلفة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قوة الفريق، ورسخ مكانته بين نخبة المنتخبات العالمية، بعدما نجح في تقديم نفسه كمنتخب يمتلك شخصية ثابتة وهوية واضحة لا ترتبط فقط بردة الفعل، وإنما بالمبادرة أيضًا.
من «الحصان الأسود» إلى أحد المرشحين للقب استعرض الإدريسي حجم التحول الذي شهده المنتخب المغربي بين مشاركتي 2022 و2026، مؤكدًا أن الفارق لم يكن في الأسلوب الفني فقط، وإنما أيضًا في طبيعة النظرة العالمية إلى المنتخب. وأوضح أن المنتخب المغربي دخل مونديال قطر بصفته «الحصان الأسود»، حيث لم يكن أحد يرشحه للذهاب بعيدًا في البطولة، بل إن غالبية التوقعات لم تكن تتجاوز إمكانية تخطي دور المجموعات أو بلوغ دور الـ16. وأضاف أن المشهد تغير بصورة كاملة في النسخة الحالية، بعدما دخل المنتخب المغربي البطولة وهو مصنف ضمن المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب، معتبرًا أن هذا التحول فرض ضغوطًا هائلة على اللاعبين، لأن الحفاظ على الإنجاز أصعب بكثير من تحقيقه للمرة الأولى، خاصة مع ارتفاع سقف التوقعات الجماهيرية والإعلامية، وتغير نظرة المنافسين أيضًا إلى المنتخب المغربي الذي لم يعد فريقًا مفاجئًا، وإنما أصبح منافسًا يحظى باحترام الجميع.
كرة هجومية أكثر انسجامًا مع قدرات اللاعبين وأكد الإدريسي أن تغيير الأسلوب التكتيكي لم يكن مجرد قرار فني، وإنما جاء منسجمًا مع الإمكانات التي يمتلكها اللاعب المغربي. وأوضح أن المنتخب لم يعد يعتمد على الانتظار في مناطقه الدفاعية والانطلاق عبر المرتدات كما حدث في نسخة قطر، بل أصبح أكثر ميلًا للاستحواذ، وأكثر جرأة في المبادرة وصناعة اللعب، وهو ما ظهر بصورة واضحة خلال البطولة. واستشهد بمواجهتي البرازيل وهولندا، حيث بدا المنتخب المغربي في فترات طويلة الطرف الأكثر استحواذًا على الكرة والأكثر مبادرة في صناعة الهجمات، وهو تحول يعكس الثقة التي اكتسبها اللاعبون، كما يؤكد أن المنتخب أصبح قادرًا على فرض شخصيته حتى أمام مدارس كروية عريقة اعتادت السيطرة على مجريات اللعب. وأشار إلى أنه كان يميل شخصيًا إلى هذه النسخة من المنتخب المغربي، انطلاقًا من قناعته بأن اللاعب المغربي يمتلك من المهارات الفنية والقدرات الإبداعية ما يسمح له باللعب بأسلوب هجومي أكثر انفتاحًا. وأوضح أن الالتزام بالواجبات الدفاعية يبقى عنصرًا أساسيًا في كرة القدم الحديثة، غير أن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب تطوير الأدوار الهجومية، لأن جودة اللاعبين المغاربة تمنح المنتخب القدرة على الجمع بين الصلابة الدفاعية والفعالية الهجومية في الوقت نفسه.
الأرقام عكست التحول الهجومي استدل الإدريسي بالأرقام لإثبات التحول الكبير الذي طرأ على أداء المنتخب المغربي في نسخة 2026، موضحًا أن الفريق سجل عشرة أهداف خلال ست مباريات، مقابل ستة أهداف فقط أحرزها خلال سبع مباريات في مونديال قطر 2022، وهو ما يعكس بوضوح حجم التطور الذي طرأ على المنظومة الهجومية. ولفت إلى أن المنتخب استقبل ستة أهداف في النسخة الحالية، وهو رقم يفوق ما استقبله في نسخة 2022، إلا أنه رأى أن هذا الأمر لا يقلل من قيمة التحول الذي شهده الفريق، بل اعتبر أن المنتخب المغربي أصبح أكثر جاذبية ومتعة وجمالًا في طريقة لعبه، وهو ما فرضته طبيعة المرحلة الجديدة التي يعيشها المنتخب، والتي استوجبت الانتقال من فريق يركز على الدفاع إلى منتخب يمتلك الجرأة على الهجوم وفرض أسلوبه على منافسيه.
شخصية جديدة فرضت احترام الجميع وأشار الإدريسي إلى أن المنتخب المغربي نجح خلال مونديال 2026 في إبراز شخصية جماعية قوية، تميزت بحسن اختيار العناصر، وبالقدرة على إيجاد الأسلوب الذي يتناسب مع نوعية اللاعبين المحترفين في أكبر الدوريات العالمية. وأوضح أن هذه الشخصية الجديدة مثلت أحد أبرز المكاسب التي خرج بها المنتخب من البطولة، بعدما أصبح يمتلك هوية فنية واضحة تعبر بصورة أكبر عن الإمكانات الحقيقية للاعبيه، وتمنحه القدرة على مقارعة أقوى منتخبات العالم بثقة أكبر مما كان عليه في النسخ السابقة.
تفوق فني أكد قوة الشخصية أمام كبار العالم استشهد الإدريسي بمواجهة المنتخب المغربي أمام البرازيل بوصفها واحدة من أهم المباريات التي عكست حجم التطور الفني الذي بلغه «أسود الأطلس» في النسخة الحالية من كأس العالم، موضحًا أن المنتخب المغربي لم يدخل المباراة بعقلية الفريق الذي ينتظر منافسه، وإنما ظهر في فترات طويلة بوصفه الطرف الأكثر مبادرة وقدرة على فرض إيقاع اللعب، رغم أن المنتخب البرازيلي ضم بين صفوفه مجموعة من أبرز نجوم العالم، إلى جانب قيادته الفنية التي تمثلت في المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي. وأشار إلى أن المنتخب المغربي نجح خلال فترات عديدة من اللقاء في تقديم نفسه بصورة أفضل من منافسه، وهو ما انعكس على مجريات المباراة التي انتهت بالتعادل، بعدما فرض اللاعبون شخصيتهم وأظهروا ثقة كبيرة في امتلاك الكرة وصناعة الفرص، وهو أمر لم يكن مألوفًا أمام منتخب بحجم البرازيل، ما منح تلك المواجهة قيمة فنية خاصة، وأكد أن التحول الذي شهده المنتخب لم يكن نظريًا، بل ظهر عمليًا أمام أحد أقوى منتخبات البطولة.
الاستحواذ أمام هولندا عكس التحول الكبير توقف الإدريسي عند مواجهة هولندا باعتبارها محطة أخرى أثبتت أن المنتخب المغربي بات يمتلك شخصية كروية مختلفة، موضحًا أن المنتخب المغربي نجح في التفوق حتى على إحدى أبرز المدارس الكروية التي اشتهرت تاريخيًا بالاستحواذ والكرة الشاملة. وأوضح أن المنتخب المغربي وصل في بعض فترات المباراة إلى نسب استحواذ تراوحت بين 75 و80 في المئة، وهو رقم وصفه بغير الاعتيادي عندما يتحقق أمام المنتخب الهولندي المعروف بحبه للاحتفاظ بالكرة وفرض أسلوبه الهجومي السريع. ورأى أن هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصائيات، بل عكست بصورة مباشرة شخصية المنتخب المغربي الجديدة، وقدرته على فرض هويته الفنية حتى أمام منافسين يمتلكون إرثًا تكتيكيًا كبيرًا، وهو ما أكد أن الفريق أصبح صاحب بصمة واضحة وأسلوب يعتمد على لاعبين من أعلى المستويات الفنية.
ظروف متراكمة وراء الخروج أمام فرنسا انتقل الإدريسي إلى الحديث عن مواجهة فرنسا في الدور ربع النهائي، معتبرًا أن تلك المباراة شكلت الاستثناء الوحيد في مشوار المنتخب المغربي خلال البطولة، بعدما ظهر الفريق بصورة مختلفة عن المستوى الذي قدمه في المباريات السابقة. وأرجع ذلك إلى مجموعة من الظروف التي اجتمعت في توقيت حساس، كان أولها الغيابات المؤثرة التي ضربت التشكيلة الأساسية قبل اللقاء، حيث افتقد المنتخب خدمات إسماعيل الصيباري الذي كان يتصدر قائمة هدافي المنتخب المغربي برصيد ثلاثة أهداف، إلى جانب نجاحه في أداء دور المهاجم الوهمي بكفاءة كبيرة، كما افتقد المدافع شادي رياض الذي تعرض للإصابة خلال مواجهة كندا ولم يتمكن من اللحاق بمباراة فرنسا، الأمر الذي دفع الجهاز الفني إلى إشراك نصير مزراوي في قلب الدفاع بدلًا من مركزه الطبيعي في الجهة اليسرى. وأوضح أن هذه الغيابات لم تكن العامل الوحيد، إذ انضمت إليها عوامل بدنية واضحة، بعدما بدا على لاعبي المنتخب المغربي الإرهاق العضلي والبدني، وهو ما انعكس على قدرتهم في كسب الالتحامات الثنائية والمعارك الفردية أمام لاعبي المنتخب الفرنسي الذين تفوقوا في هذا الجانب بصورة لافتة طوال المباراة. وأضاف أن بعض الاختيارات التكتيكية المتعلقة بتمركز اللاعبين داخل الملعب أثرت كذلك في توازن الفريق، قبل أن يتراجع الحضور المعتاد للشخصية القوية التي ميزت المنتخب المغربي في جميع مبارياته السابقة، وهو ما جعل تلك المواجهة تثير كثيرًا من علامات الاستفهام مقارنة بما قدمه الفريق طوال البطولة.
المنتخب الفرنسي فرض واقعه في أصعب اختبار شدد الإدريسي على أن تقييم مباراة فرنسا لا ينبغي أن يتجاهل قوة المنافس، مؤكدًا أن المنتخب الفرنسي قدم واحدة من أفضل مبارياته في البطولة، وظهر بوصفه منتخبًا مرعبًا يمتلك جودة عالية على مستوى جميع الخطوط، الأمر الذي جعله يعتقد أن تتويجه باللقب لن يكون مفاجئًا إذا نجح في تجاوز الاختبار التالي أمام المنتخب الإسباني. ورأى أن المنتخب المغربي لم يقدم الأداء النموذجي الذي كان مطلوبًا في مباراة بهذا الحجم، معتبرًا أن الفريق الذي واجه فرنسا لم يكن النسخة الحقيقية التي شاهدها الجميع في بقية مباريات البطولة، بل بدا وكأنه ظل المنتخب المغربي الذي اعتاد الجميع على رؤيته طوال المونديال. وأكد في الوقت ذاته أن منتخبًا بحجم فرنسا، والمكتظ بالنجوم وصاحب الشخصية القوية، لا يمكن إقصاؤه عندما يقدم المنافس نصف مستواه فقط، لأن مثل هذه المباريات تحتاج إلى أعلى درجات الجاهزية الفنية والبدنية والذهنية، وهي العناصر التي لم تتوافر للمنتخب المغربي بالصورة التي ظهرت بها في المواجهات السابقة.
محمد وهبي نجح في أصعب مرحلة انتقالية أشاد الإدريسي بالعمل الذي قام به المدرب محمد وهبي، معتبرًا أنه نجح في قيادة واحدة من أصعب المراحل التي مر بها المنتخب المغربي بعد رحيل وليد الركراكي، الذي كان قد رسخ هوية تكتيكية محددة خلال السنوات الماضية. وأوضح أن وهبي تمكن من إنجاز عملية انتقال فني وتكتيكي هادئة، دون أن يترك فراغًا داخل المنتخب، بل نجح في نقل الفريق من منتخب يعتمد بصورة كبيرة على الأداء الدفاعي والكتلة المنخفضة، إلى منتخب يجيد اللعب بالأسلوب التكتيكي الهجين، الذي يمنحه القدرة على التنقل بين الكتلة الدفاعية المنخفضة، والضغط المتوسط، والضغط العالي، بحسب ظروف المباراة ومتطلباتها. وأشار إلى أن قيمة هذا الإنجاز تضاعفت بالنظر إلى ضيق الوقت الذي امتلكه المدرب، إذ لم تتجاوز فترة إعداده للمنتخب شهرين فقط قبل انطلاق نهائيات كأس العالم، وهي مدة قصيرة جدًا مقارنة بحجم التحديات التي كانت تنتظره، خاصة أن المنتخب دخل البطولة هذه المرة وهو مرشح للذهاب بعيدًا، وليس مجرد منتخب يبحث عن صناعة المفاجأة كما كان الحال في النسخ السابقة.
ضغوط كبيرة... ونجاح مستحق لفت الإدريسي إلى أن محمد وهبي تحمل ضغوطًا استثنائية منذ اليوم الأول لتوليه المهمة، نتيجة الإرث الذي تركه المنتخب المغربي في مونديال قطر، وما تبعه من ارتفاع سقف التوقعات بوصف المغرب أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، بل وإمكانية أن يصبح أول منتخب عربي أو أفريقي يتوج بكأس العالم. ورأى أن الوصول إلى الدور ربع النهائي في ظل تلك الضغوط، ومع قصر فترة الإعداد، منح المدرب علامة استحقاق كبيرة في إدارة البطولة، بعدما نجح في تقديم منتخب بوجه جديد وشخصية مختلفة، تعكس بصورة أكبر الإمكانات الفنية والإبداعية التي يمتلكها اللاعب المغربي. واستدرك بأن نقطة الاستفهام الوحيدة التي بقيت مرتبطة بمسيرة محمد وهبي في البطولة تمثلت في طريقة إدارته الفنية والتكتيكية لمواجهة فرنسا، معتبرًا أنها المباراة الوحيدة التي ستظل محل نقاش عند تقييم مشواره، في حين أن بقية العمل الذي قدمه استحق الإشادة، وأكد حضوره بين المدربين الكبار على الساحة العالمية.
بونو على رأس نجوم «أسود الأطلس» وضع الإدريسي الحارس ياسين بونو في صدارة نجوم المنتخب المغربي خلال كأس العالم، معتبرًا أنه قدم واحدة من أفضل بطولاته على الإطلاق، وأن تألقه لم يكن دليلًا على اعتماد المنتخب على الدفاع فقط، بل كان عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على توازن الفريق خلال مختلف مراحل البطولة. وأوضح أن بونو لعب دورًا كبيرًا في حماية تقدم المنتخب عندما كان متفوقًا في النتيجة، كما منع في أوقات أخرى اتساع الفارق عندما كان الفريق متأخرًا، وهو ما جعله يرى أن الحارس المغربي يستحق أن يكون أحد أبرز المرشحين للفوز بجائزة أفضل حارس مرمى في البطولة، رغم خروج المنتخب من الدور ربع النهائي، معتبرًا أن حصوله على هذا التقدير سيمثل إنجازًا جديدًا للحارس المغربي والعربي والأفريقي.
الصيباري والعيناوي وبوعدي ومزراوي ضمن أبرز الوجوه أشاد الإدريسي بالمستويات التي قدمها عدد من لاعبي المنتخب المغربي، وفي مقدمتهم إسماعيل الصيباري، الذي نجح في أداء دور المهاجم الوهمي، وأصبح أول لاعب مغربي، وكذلك أول لاعب عربي وأفريقي، يسجل ثلاثة أهداف متتالية في دور المجموعات، قبل أن تحرمه الإصابة من مواصلة مشواره في توقيت وصفه بالصعب للغاية، نظرًا لقيمته الفنية الكبيرة داخل المنظومة الهجومية. وأثنى كذلك على المستوى الذي قدمه نائل العيناوي، معتبرًا أنه أدى دور صمام الأمان في وسط الملعب بمستوى رفيع، كما خص أيوب بوعدي بإشادة خاصة بعدما أصبح أصغر لاعب في تاريخ الدور ربع النهائي لكأس العالم، واقترب بهذا الإنجاز من رقم الأسطورة البرازيلية بيليه. وأبرز أيضًا ما قدمه نصير مزراوي طوال البطولة، مؤكدًا أن مستواه كان مميزًا في جميع المباريات باستثناء مواجهة فرنسا، كما أشاد بعيسى ديوب الذي ظهر بصورة جيدة في قلب الدفاع، وسجل هدفًا مهمًا خلال مواجهة هولندا في دور الـ32، قبل أن يختتم تقييمه بالتأكيد على أن المنتخب المغربي امتلك أكثر من لاعب متألق في البطولة، إلا أن ياسين بونو بقي، في تقديره، الاسم الأبرز بين جميع عناصر الفريق.
إنجاز جديد أكد استدامة المشروع المغربي أكد الإدريسي أن أهم ما أثبته المنتخب المغربي بوصوله إلى الدور ربع النهائي في كأس العالم 2026 لم يكن مجرد تحقيق مركز متقدم في البطولة، وإنما ترسيخ حقيقة أن الإنجاز التاريخي الذي تحقق في مونديال قطر 2022 لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة ظرف استثنائي، بل جاء ثمرة مشروع متكامل قائم على التخطيط والعمل طويل المدى. ورأى أن نجاح المنتخب المغربي في بلوغ الدور ربع النهائي للمرة الثانية على التوالي جعله أول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز في نسختين متتاليتين من كأس العالم، وهو ما يمثل الدليل الأوضح على استقرار المشروع الكروي المغربي واستمرارية نجاحه. وأوضح أن هذا الإنجاز لم يكن نتاج عمل المنتخب الأول وحده، وإنما جاء نتيجة رؤية شاملة تم تنفيذها باحترافية عالية، شملت مختلف مفاصل كرة القدم المغربية، وأسهمت في بناء منظومة متكاملة قادرة على إنتاج النجاح بصورة مستدامة، وليس على شكل إنجازات عابرة أو استثنائية كما حدث مع بعض المنتخبات التي برزت في نسخة واحدة ثم اختفت عن المشهد العالمي في النسخ التالية.
نجاحات المنتخبات السنية عززت قوة المشروع استعرض الإدريسي مؤشرات نجاح المشروع الكروي المغربي، مؤكدًا أن التميز لم يقتصر على المنتخب الأول، بل امتد إلى مختلف المنتخبات الوطنية، وهو ما يعكس وجود عمل مؤسسي متكامل على مستوى تطوير كرة القدم المغربية. وأشار إلى أن منتخب الشباب تحت 20 عامًا تمكن من التتويج بلقب عالمي، كما نجح المنتخب الأولمبي في إحراز الميدالية البرونزية في دورة الألعاب الأولمبية باريس 2024، في حين واصل منتخب الناشئين تحت 17 عامًا حضوره القوي بوصوله مرتين متتاليتين إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم، إلى جانب المنتخب النسائي الذي، رغم حداثة تجربته، تمكن من بلوغ نهائيات كأس العالم، والوصول في مناسبتين إلى نهائي كأس الأمم الأفريقية. ورأى أن هذه الإنجازات المتعددة أكدت أن المغرب لم يعد يعتمد على جيل واحد أو منتخب واحد، وإنما أصبح يمتلك قاعدة واسعة من المواهب والمنتخبات القادرة على المنافسة قارياً وعالمياً، وهو ما يمنح المشروع المغربي ضمانات حقيقية للاستمرار خلال السنوات المقبلة.
هدف المرحلة المقبلة البقاء بين كبار العالم اعتبر الإدريسي أن التحدي الأكبر الذي ينتظر المنتخب المغربي بعد نهاية كأس العالم 2026 يتمثل في المحافظة على موقعه بين نخبة المنتخبات العالمية، بعدما نجح في ترسيخ حضوره ضمن أفضل عشرة منتخبات في العالم، وهو ما يفرض مسؤوليات مضاعفة خلال المرحلة المقبلة. وأوضح أن المحافظة على هذا الموقع لن تكون مهمة سهلة، بل تحتاج إلى استمرار العمل بنفس الوتيرة، مع الحفاظ على حالة التطور الفني التي شهدها المنتخب، حتى يبقى ضمن دائرة المنافسين على البطولات الكبرى، ولا يتحول الإنجاز إلى محطة عابرة. وأضاف أن الرهان المقبل لن يقتصر على الاستمرار عالميًا، بل سيمتد أيضًا إلى الدفاع عن اللقب الأفريقي في نسخة 2027، باعتبار أن المحافظة على الزعامة القارية تمثل جزءًا أساسيًا من التحضير للمنافسة على لقب كأس العالم 2030، التي سيستضيفها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
مونديال 2030 يحتاج إلى استكمال البناء شدد الإدريسي على أن السنوات الأربع المقبلة ينبغي أن تستثمر في استكمال جميع حلقات الإعداد، حتى يدخل المنتخب المغربي كأس العالم 2030 بأعلى درجات الجاهزية الفنية والبدنية، ويصبح أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب العالمي. ورأى أن استضافة المغرب للبطولة المقبلة تمنح المنتخب حافزًا إضافيًا، لكنها في الوقت نفسه تفرض مسؤوليات أكبر، لأن الجماهير المغربية والعربية والأفريقية ستنتظر من المنتخب تحقيق إنجاز غير مسبوق، بعدما أثبت خلال النسختين الأخيرتين أنه يمتلك المقومات التي تؤهله للوصول إلى المراحل المتقدمة. وأشار إلى أن احترام مبدأ التدرج في البناء سيجعل المنتخب المغربي، في حال استمرار العمل بالطريقة الحالية، واحدًا من أقوى المرشحين للتتويج بكأس العالم 2030، خاصة مع استمرار تطور قاعدة اللاعبين وتراكم الخبرات الدولية لدى عناصر المنتخب.
دكة البدلاء... الرهان الأهم للمستقبل توقف الإدريسي عند أبرز الدروس التي أفرزها مونديال 2026، معتبرًا أن أهمها يتمثل في ضرورة تعزيز العمق البشري داخل المنتخب المغربي، حتى لا يتأثر الفريق بغياب أي عنصر أساسي خلال البطولات الكبرى. وأوضح أن مباراة فرنسا كشفت بوضوح أهمية امتلاك بدلاء بنفس الجودة التي يمتلكها اللاعبون الأساسيون، مستشهدًا بالمنتخب الفرنسي الذي بدا وكأنه يمتلك تشكيلتين متكاملتين، إذ إن أي تغيير في العناصر لم يكن يؤثر في مستوى الفريق أو قوته. وأكد أن المنتخب المغربي مطالب منذ الآن بالعمل على توسيع قاعدة الخيارات أمام الجهاز الفني، بحيث يصبح الفارق محدودًا للغاية بين اللاعب الأساسي والبديل، وهو ما سيمنح المنتخب مرونة أكبر في التعامل مع الإصابات والإيقافات والضغوط البدنية التي ترافق البطولات الكبرى. وأضاف أن ما تمتلكه المنتخبات الوطنية المغربية من مواهب شابة في أعمار 19 و20 عامًا يمنح مؤشرات إيجابية على إمكانية الوصول إلى كأس العالم 2030 بترسانة بشرية أقوى بكثير من الموجودة حاليًا، سواء على مستوى جودة التشكيلة الأساسية أو مستوى اللاعبين الاحتياطيين.
قفزة في سقف الطموحات العربية والأفريقية لفت الإدريسي إلى أن أحد أهم المكاسب التي حققها المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة تمثل في تغيير ثقافة الطموح لدى الجماهير المغربية والعربية والأفريقية، بعدما أصبح الحديث عن المنافسة على لقب كأس العالم أمرًا مشروعًا، في حين كانت الطموحات خلال السنوات الماضية تقتصر على مجرد التأهل إلى النهائيات أو تجاوز دور المجموعات. وأوضح أن بلوغ المغرب الدور نصف النهائي في نسخة 2022 فتح الباب أمام المنتخبات العربية والأفريقية لتوسيع سقف أحلامها، بينما جاءت المشاركة الحالية لتؤكد أن ذلك الإنجاز لم يكن استثناءً، وأن المنتخب المغربي بات يمتلك الإمكانات التي تسمح له بمنافسة أقوى منتخبات العالم. ورأى أن جودة اللاعبين الذين يضمهم المنتخب المغربي كانت العامل الأبرز في ترسيخ هذه القناعة، بعدما أثبتوا قدرتهم على مقارعة المنتخبات الكبرى، وهو ما منح الجماهير الحق الكامل في الحلم بالمنافسة على اللقب العالمي خلال السنوات المقبلة.
مكانة عالمية راسخة وانتظارات مشروعة واختتم الإدريسي رؤيته بالتأكيد على أن المنتخب المغربي أصبح علامة فارقة في كرة القدم العالمية، مستندًا في ذلك إلى وصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم بلوغه الدور ربع النهائي في نسخة 2026، إضافة إلى وجوده ضمن أفضل عشرة منتخبات في التصنيف العالمي، وإنهائه البطولة ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، مع اقترابه بفارق نقطة واحدة فقط من المنتخب البرازيلي في التصنيف العالمي. وأشار إلى أن هذه المؤشرات جعلت سقف الانتظارات والطموحات يبدو منطقيًا ومشروعًا، مؤكدًا أن الجماهير المغربية أبدت رضاها عن أداء المنتخب في مجمل البطولة، رغم شعورها بالحزن بعد الخسارة أمام فرنسا، ليس بسبب نتيجة المباراة فقط، وإنما لأن الأداء الذي قدمه المنتخب في تلك المواجهة لم يعكس المستوى الذي ظهر به طوال مشواره في كأس العالم. واختتم الإدريسي بالتأكيد على أن المنتخب المغربي منح جماهيره اليوم حق الحلم، بعدما أثبت بالأرقام والنتائج أنه أصبح أحد كبار كرة القدم العالمية، وأن طموح المنافسة على لقب كأس العالم لم يعد أمنية بعيدة، بل هدفًا يمكن العمل للوصول إليه إذا استمر المشروع الكروي المغربي على النهج نفسه، مع الحفاظ على الاستقرار، وتطوير جودة العناصر البشرية، وتعزيز العمق الفني، بما يضمن استمرار «أسود الأطلس» بين كبار المنتخبات العالمية في السنوات المقبلة.