سعيد محمد سعيد: أدب الطفل خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية
| محرر مسافات
يؤكد الزميل سعيد محمد سعيد، الصحافي الأول بإدارة التحرير في صحيفة البلاد، أن أدب الأطفال يعد أحد أهم أدوات بناء الوعي الوطني وترسيخ منظومة القيم والأخلاق، محذرًا في الوقت نفسه من التراجع الكبير الذي يشهده هذا القطاع في البحرين والخليج والعالم العربي، رغم ما توفره التقنيات الرقمية من فرص غير مسبوقة للوصول إلى الأطفال وإنتاج محتوى ثقافي جاذب.
وفي هذا الحوار، يلقي الضوء على وضع "غير صحيح" نتيجة إهمال دور أدب الأطفال في بناء الوعي الوطني، مستعرضًا تجربته في الكتابة للطفل، ورؤيته لمستقبل هذا المجال، وأول سؤال هو بداية رحلته مع أدب الأطفال، حيث يشير إلى أنها علاقة بدأت بقناعة راسخة بأن الطفل هو المشروع الحقيقي للمستقبل، وأن غرس القيم في سنواته الأولى أكثر تأثيرًا من أي معالجة لاحقة، لذلك جاءت تجربته الأولى عام 1998 عبر سلسلة "البحرين بلادي"، وفي مقدمتها "حكايات حكيم الزمان"، التي حاول من خلالها تقديم قصص تربوية ووطنية وثقافية بلغة بسيطة، تربط الطفل بوطنه وتاريخه وقيمه.
ما الهدف الرئيس الذي كنتم تسعون إليه من هذه الإصدارات؟ وما أبرز الأعمال؟
-الهدف هو أن يشعر الطفل بأن البحرين ليست مجرد مكان يعيش فيه، بل وطن يستحق الحب والاعتزاز وخدمته، فأنا أؤمن بأن القصة تستطيع أن تغرس الانتماء بصورة أفضل من الوعظ المباشر، ولذلك حرصت على أن تكون الشخصيات والأحداث مرتبطة بالبيئة البحرينية وقيمها الأصيلة، أما أبرز الإصدارات فهو حكايات حكيم الزمان التي أشرنا إليها، ثم قصة "البلبل والأصدقاء الثلاثة" التي صدرت بالتعاون مع بلدية المنطقة الشمالية عام 2010، إضافة إلى مجموعة "حكايات جدتي" عام 2014، كما تشرفت بالحصول على الجائزة الثالثة في مسابقة قصة الطفل التي نظمتها المؤسسة العامة للشباب والرياضة وصحيفة الوسط عام 2005 عن قصة "قطرات المطر الطيبة".
ذكرتم أكثر من مرة أن ثقافة الطفل تشهد تراجعًا.. كيف تقرأون هذا الواقع؟
للأسف، نحن أمام انحسار واضح في أدب وثقافة الطفل، في معظم دول الخليج والوطن العربي، فقد تراجعت الإصدارات المتخصصة، وضعف الدعم للمؤلفين، وأصبح الطفل يستهلك محتوى عالميًا أكثر مما يقرأ إنتاجًا عربيًا يعبر عن هويته وثقافته، أما الخطورة فلا تكمن في نقص الكتب فقط، وإنما في فقدان وسيلة مهمة لبناء الشخصية الوطنية، فإذا لم نقدم نحن لأطفالنا قصصًا تنتمي إلى بيئتهم وقيمهم، فسيتولى الآخرون تشكيل وعيهم وفق ثقافات مختلفة، لذلك فإن أدب الطفل قضية تربوية ووطنية قبل أن يكون نشاطًا ثقافيًا.
لكننا نعيش اليوم عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.. ألا يمثل ذلك فرصة؟
بكل تأكيد، التكنولوجيا ليست خصمًا للكتاب، بل يمكن أن تكون أفضل شريك له إذا أحسن استخدامها، وبإمكاننا اليوم تحويل القصة إلى كتاب إلكتروني، ورسوم متحركة، وتطبيق تفاعلي، ومسرحية رقمية، وأناشيد، وألعاب تعليمية... المشكلة ليست في الوسيلة، بل في غياب الاستثمار الحقيقي في المحتوى العربي الموجه للطفل، وفي تقديري، نحتاج إلى مشروع وطني متكامل يعيد الاعتبار لأدب الطفل، ويمنح الكتاب البحرينيين والعرب المتخصصين الفرصة للإنتاج، كما نحتاج إلى شراكة بين الوزارات المعنية ودور النشر والقطاع الخاص لإطلاق مبادرات مستدامة وليس مجرد فعاليات موسمية.
وكيف يمكن تعزيز الانتماء الوطني عبر القصة؟
حين نزرع حب الوطن والانتماء إليه ولقيادته ولشعبه الكريم، فإن هذا الحب ينمو في القلوب كشجرة لا تذبل، وحين نعلم أبناءنا أن البحرين ليست مجرد أرض، بل تاريخ وإنجاز ومسؤولية، فإننا نؤسس لجيل يدرك أن حماية الوطن تبدأ من الوعي، وتترسخ بالفعل، وتخلد بالمحبة والعمل الصادق، وأتمنى أن يعود الاهتمام الحقيقي بثقافة الطفل، وأن تفتح الأبواب أمام الأدباء والكتاب البحرينيين المتخصصين، لأن الاستثمار في الطفل هو الاستثمار الأكثر استدامة، وكل دينار ينفق على كتاب جيد، أو قصة هادفة، أو مسرحية للأطفال، هو استثمار في أمن المجتمع، وهويته، ومستقبله.