جعفري: إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة بالبحرين تبلغ 54.1 %
| المحرر الاقتصادي
في خطاب ألقاه في جامعة كامبريدج، تحدث رئيس شركة “جافكون” الدكتور أكبر جعفري، عن تحديات جوهرية تواجه إنتاجية الشركات، مشيرا إلى أن الغالبية العظمى من الأنشطة المؤسسية لا تضيف قيمة فعلية. وسلط الضوء على أهمية الموارد البشرية، مستندا إلى تقارير دولية ونظريات اقتصادية كلاسيكية، ومستعرضا دراسة حالة حول الشركات الصغيرة والمتوسطة في مملكة البحرين لإثبات غياب الارتباط الحتمي الدائم بين الإنتاجية والربحية التجارية. وذكر جعفري، وهو خريج كلية لندن للاقتصاد، أنه بحلول عام 1998 وبعد 20 عاماً من الخبرة الميدانية، استطاع جمع أدلة تجريبية وافية تؤكد أن 70 % في المتوسط من إجمالي مدخلات الشركات تتكون من أنشطة لا تضيف أي قيمة. وقال إن إثبات هذه الحقيقة كان أمرا شاقا لسببين؛ أولهما غياب أو محدودية القنوات المناسبة لطرح هذه الرؤية في الشرق الأوسط، وثانيهما صعوبة اعتراف أي مدير بأن ثلاثة أرباع عمله يذهب سدى ولا طائل منه. وأضاف أنه اضطر لإخفاء نتائجه لفترة طويلة حتى عام 2004، حين اطلع على مقال بعنوان “موارد ضخمة غير مستغلة” للممارس النرويجي الأمريكي في مجال الإنتاجية تور دال. وأوضح أن دال أكد في مقاله أن 72 % من إجمالي أنشطة الشركات يُعد هدراً، وأن 20 % منها ضروري ولكنه يتطلب التحسين، بينما تبلغ نسبة الأعمال التي تُنفذ بدرجة جيدة من الدقة 8 % فقط. وبين جعفري، مستنداً إلى مقال آخر للممارس تور دال، أن 80 % من الشركات تركز على الكفاءة بمعزل عن الفعالية، مما يعني اعتقاد تلك الشركات بأن ما تسعى لتحسينه هو أمر ضروري في المقام الأول، واصفاً ذلك بالخطأ الفادح. واعتبر أن تحسين طرق وعمليات لا تضيف قيمة هو في الواقع إنتاج للهدر بطرق أكثر كفاءة، مشددا على أن إنتاج أي هدر تجاري هو أمر سيىء، ولكن المضي قدما لإنتاج هذا الهدر بكفاءة أكبر يُعد بمثابة خطيئة. وأكد ضرورة اختبار فعالية كل طريقة وعملية قبل محاولة تحسينها، لافتا إلى أنه متى ما ثبتت ضرورة الأنشطة، يصبح من الحق المشروع تحسين أداء وإنتاجية الموارد البشرية، باعتبارها العامل الحاسم لرفع الإنتاجية الكلية، وموضحا أن وجود أي هدر يعني بالضرورة وجود هدر في الموارد البشرية كجزء رئيس. وفي سياق متصل، استشهد جعفري بتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، والذي يبين أن الأداء الإجمالي في أي منظمة يعتمد على الموارد البشرية بنسبة 64 %، وعلى البنية التحتية بنسبة 20 %، وعلى رأس المال بنسبة 16 %. وأضاف أن هذا يثبت أن نجاح أي مؤسسة يعود إلى حد كبير إلى أداء الأفراد، موضحاً أنه لا يمكن تحسين إنتاجية المنظمة ما لم يتم تحسين أداء مواردها البشرية أولاً. وتطرق إلى كتاب “ثروة الأمم” الصادر عام 1776 لعالم الاقتصاد آدم سميث، مبينا أن إنتاجية العمال وتكنولوجياتهم لا يمكن أن تتجاوز حجم الموارد المتاحة لهم، ما يعني ضمنياً أن الإنتاجية لا يمكن أن تصل أبداً إلى نسبة 100 %. واستعرض نظرية “تقسيم العمل” لآدم سميث عبر حالة “صناعة الدبابيس”، مبيناً كيف أن الرجل الواحد كان ينتج دبوساً واحداً في اليوم، ولكن عند تقسيم العملية إلى عشر مراحل منفصلة ينفذها عشرة رجال، بلغ الإنتاج الجماعي 480 ألف دبوس يومياً، أي 48 ألف دبوس للعامل الواحد، وهو ما يمثل تضاعفاً بمقدار 48 ألف مرة مقارنة بطريقة العمل الأصلية. وأشار إلى أن الإنتاجية تُعد نتاجاً فرعياً لفلسفة العمل التي تُعرف اليوم بـ “إدارة العمل”، معتبراً أن انخفاض الإنتاجية يعود بالأساس إلى تدني المفهوم الفلسفي للإنتاجية في ذهن المدير المسؤول. ولفت إلى دعوة عالم الاقتصاد آدم سميث المتكررة لتحرير الأسواق وتجنب التدخل الحكومي لزيادة الإنتاج، مؤكداً أن المبدأ ذاته ينطبق على بيئة العمل داخل الشركات التي تتطلب تجنب تدخل الإدارة بالقدر ذاته. وقال إن الإدارة، كالحكومة، يجب أن يقتصر دورها على فرض ما ترغب الميول الجماعية في ممارسته للوصول إلى هدف أعلى بطريقة أكثر تنظيماً وكفاءة، محذرا من أن التدخلات الإدارية تخلق وحش الحماية الذي يطرد كل ما هو مفيد لإنتاجية المجتمع وازدهاره. وحول العلاقة بين الإنتاجية والربحية، أكد جعفري ضرورة قيام الإدارة بالفصل بينهما، مشيراً إلى دراسة شاملة أجراها قبل أربع سنوات لقياس إنتاجية قطاع التصنيع للشركات الصغيرة والمتوسطة في مملكة البحرين. وذكر أن الإنتاجية الكلية سُجلت عند 54.1 %، مما يعني ضمنيا أن نصف الموارد تقريباً غير مستغلة، وهو رقم لم يفاجئ فريق المسح. وأضاف أن المفاجأة الحقيقية تمثلت في أنه رغم بقاء قرابة نصف الموارد غير مستغلة، إلا أن 90.9 % من تلك الشركات الصغيرة والمتوسطة كانت رابحة بشكل مُرضٍ، وأن 93.9 % من الملاك كانوا راضين تماما عن استثماراتهم الرأسمالية. وأوضح أن الرسالة القوية من هذا التباين هي أن الربحية يمكن أن تتأثر بظروف السوق بمعزل عن الإنتاجية والأداء. واختتم كلمته بالإشارة إلى الكاتب إي إف شوماخر مؤلف كتاب “الصغير جميل”، مبينا أن البشرية تعيش اليوم حياة أكثر إنتاجية وأمانا ورفاهية من أي وقت مضى، لكنه دعا إلى ضرورة البقاء بيقظة ومواصلة السعي الدؤوب لتحسين أداء الجنس البشري وعدم الوقوع في خطأ الاعتقاد بأن مهمة رفع الإنتاجية قد انتهت.