تحليل اقتصادي | كيف قد يعيد مضيق هرمز تشكيل اقتصاد الخليج؟

| حسن الصائغ

أكثر من 75 % من النفط يتجه إلى آسيا الأسواق تُسعّر المخاطر قبل النفط ارتفاع التكلفة ينتقل إلى التضخم التنويع الاقتصادي أصبح ضرورة لا خيارا

 

حين تصبح الجغرافيا تكلفة ليست كل الأزمات النفطية تبدأ من النفط بل قد تبدأ من تكلفة الوصول إليه وهذه برأيي هي الزاوية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في النقاش الدائر عن مضيق هرمز، فالتركيز انصب خلال الأشهر الماضية على سيناريوهات إغلاق المضيق أو فرض رسوم على السفن بينما تجاهل سؤالا أكثر أهمية: ماذا لو أصبحت تكلفة العبور أو حتى تكلفة المخاطر المرتبطة بالعبور عنصرا دائما في الاقتصاد العالمي؟ تكمن أهمية هذا السؤال في أن الاقتصاد العالمي لم يعد يتعامل مع الممرات البحرية بالطريقة نفسها التي كان يتعامل بها قبل عقدين، ففي السابق كانت الجغرافيا تمنح الدول المطلة على طرق التجارة ميزة تنافسية شبه ثابتة، أما اليوم فقد أصبحت هذه الميزة نفسها قابلة لإعادة التسعير كلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، وبذلك لم يعد الموقع الجغرافي أصلا اقتصاديا خاليا من التكلفة بل أصبح يحمل معه علاوة مخاطر تنعكس على النقل والتأمين والتمويل والاستثمار. ومن هنا لا ينظر هذا التحليل إلى مضيق هرمز باعتباره قضية نفطية فقط ولا إلى الرسوم المحتملة باعتبارها مجرد إجراء مالي، بل باعتبارها مؤشرا على تحول اقتصادي أوسع يمكن وصفه بـ “اقتصاد تكلفة الجغرافيا”، أي المرحلة التي لا تنشأ فيها الخسائر من توقف التجارة وإنما من ارتفاع تكلفة استمرارها.

“هرمز”.. عندما تُسعّر الأسواق الجغرافيا اعتاد العالم النظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة العالمية لكن القيمة الاقتصادية للمضيق لا تكمن في حجم النفط الذي يمر عبره بقدر ما تكمن في غياب البدائل القادرة على الحلول مكانه، فخطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق لا تستطيع نقل سوى 3 إلى 5 ملايين برميل يوميا في حين يعتمد الجزء الأكبر من صادرات الخليج على النقل البحري عبر “هرمز”، ولذلك فإن أي تغير دائم في تكلفة العبور لا يمكن امتصاصه بسهولة من خلال مسارات بديلة. لكن اللافت في التطورات الأخيرة أن النقاش لم يعد عن إغلاق المضيق أو إبقائه مفتوحا بل عن كيفية إدارته اقتصاديا، فهناك فرق جوهري بين فرض رسوم إلزامية على حق العبور، وهو ما يثير إشكالات قانونية تتعلق بحرية الملاحة، وبين فرض مقابل مالي لخدمات ملاحية مثل الإرشاد البحري والاستجابة للطوارئ وتعزيز السلامة البحرية. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة مع طرح مقترحات تستلهم نموذج مضيق ملقا الذي يقوم على مساهمات لدعم أمن الملاحة والخدمات البحرية وليس على فرض رسوم مقابل المرور ذاته. غير أن الأسواق لا تنظر إلى هذه التفاصيل القانونية بالطريقة نفسها التي ينظر إليها القانون الدولي، فما يشغل المستثمرين وشركات الطاقة وشركات الشحن ليس التوصيف القانوني للرسم بل ما إذا كانت تكلفة الوصول إلى الأسواق العالمية سترتفع بصورة دائمة، فكل زيادة في تكلفة العبور أو في تكلفة التأمين أو في علاوة المخاطر تتحول تلقائيا إلى جزء من تكلفة التجارة الدولية حتى لو استمرت حركة السفن طبيعية. وبرأيي هنا يكمن التحول الحقيقي، فالخطر على اقتصادات الخليج لا يتمثل في احتمال فرض رسوم على مضيق هرمز بحد ذاته، وإنما في أن تبدأ الأسواق بالتعامل مع الجغرافيا باعتبارها عنصرا دائما في تكلفة ممارسة الأعمال، وعندما يحدث ذلك فإن الموقع الجغرافي الذي كان عقودا مصدرا للميزة التنافسية قد يتحول تدريجيا إلى مصدر لتكاليف إضافية يجب على الاقتصادات استيعابها.

من البحر إلى التضخم إذا أصبحت الجغرافيا عنصرا في تكلفة التجارة فإن السؤال التالي هو: كيف تنتقل هذه التكلفة إلى الاقتصاد الحقيقي؟ الواقع أن الصدمات الجيوسياسية لا تنتقل مباشرة إلى أسعار النفط بل تمر أولا عبر ما يمكن تسميته بسلسلة إعادة تسعير المخاطر، فمع ارتفاع احتمالات الاضطراب تعيد شركات التأمين تقييم مخاطر الملاحة وترتفع أقساط التأمين البحري بينما ترفع شركات النقل أسعارها تحسبا للتأخير أو لتغيير المسارات، وتلجأ الشركات الصناعية إلى زيادة مخزونها الاستراتيجي وهو ما يرفع تكلفة التشغيل حتى قبل حدوث أي انقطاع فعلي في الإمدادات. وقد كشفت الأزمة هذه عن الآلية بوضوح، فعلى رغم استمرار حركة التجارة أدى تحويل عدد كبير من السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح إلى ارتفاع تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا أكثر من 300 % في ذروة الأزمة، وهو ما دفع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى التحذير من أن استمرار هذه الضغوط قد يضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم العالمية. وهنا تختلف حالة مضيق هرمز عن غيرها من الممرات البحرية فالأمر لا يتعلق بحركة الحاويات فقط بل بالطاقة التي تمثل مدخلا أساسيا لمعظم الأنشطة الاقتصادية، ولذلك فإن أي زيادة دائمة في تكلفة العبور لن تتوقف عند شركات النقل بل ستنعكس تدريجيا على أسعار الكهرباء والصناعة والخدمات اللوجستية قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى المستهلك.

لماذا قد لا يكون ارتفاع الأسعار مكسبا؟ إذا كانت تكلفة الجغرافيا بدأت تنتقل من البحر إلى الاقتصاد العالمي فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يعني ارتفاع أسعار النفط بالضرورة تحسنا في اقتصادات الخليج؟ سنوات طويلة بدت الإجابة بديهية فكل ارتفاع في أسعار النفط كان يترجم إلى زيادة في الإيرادات العامة وتحسن في الموازنات واتساع في الإنفاق الحكومي، لكن هذه العلاقة أصبحت اليوم أكثر تعقيدا فاقتصادات الخليج لم تعد تعتمد على النفط وحده بل أصبحت تراهن على الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا، باعتبارها محركات النمو خلال العقود المقبلة وهذا يعني أن ارتفاع أسعار النفط لم يعد العامل الوحيد الذي يحدد أداء الاقتصاد. وهنا تبرز المفارقة التي يغفلها كثير من النقاش فهناك فرق بين ارتفاع أسعار النفط نتيجة قوة الطلب العالمي وبين ارتفاعها نتيجة المخاطر الجيوسياسية، ففي الحالة الأولى يكون الاقتصاد العالمي في حالة توسع وترتفع التجارة والاستثمار بالتوازي مع أسعار الطاقة، أما في الحالة الثانية فإن الأسعار ترتفع لأن الأسواق أصبحت ترى المخاطر أكبر لا لأن النشاط الاقتصادي أصبح أقوى. ومن هنا جاءت تقديرات المؤسسات المالية العالمية فقد رأت “J.P. Morgan “ أن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 150 دولارًا للبرميل في السيناريو الأكثر تشددا بينما تميل “Goldman Sachs” و “Morgan Stanley” إلى أن أي ارتفاع سيكون مؤقتا ما لم يتحول الاضطراب إلى تعطل طويل في الإمدادات، وبرأيي لا تكمن أهمية هذه التقديرات في الرقم نفسه بل في الرسالة التي تحملها، فالأسواق أصبحت تسعر حالة عدم اليقين بقدر ما تسعر النفط نفسه. وتنعكس هذه الحالة سريعا على السياسة النقدية فكلما ارتفعت أسعار الطاقة ازدادت الضغوط التضخمية وتضاءلت قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة، وإذا استمرت هذه الضغوط فإن تكلفة التمويل تبقى مرتفعة فترة أطول، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الخليجية بحكم ارتباط معظم عملاتها بالدولار. وبرأيي هنا تكمن المفارقة الحقيقية فقد تحقق أسعار النفط المرتفعة إيرادات إضافية للموازنات العامة لكنها في الوقت نفسه ترفع تكلفة الاقتراض وتبطئ الاستثمار وتضعف الطلب لدى الشركاء التجاريين، وبالتالي فإن السؤال لم يعد: كم سيضيف النفط إلى الإيرادات؟ بل: كم سيقتطع في المقابل من زخم النمو غير النفطي؟

من يدفع الفاتورة؟ إذا كان الخليج سيواجه ارتفاعا في تكلفة التمويل فإن الاقتصادات المستوردة للطاقة ستكون أمام تحدٍ مختلف، فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجات متفاوتة على تدفقات النفط والغاز الآتية من الخليج، كما أن أوروبا أعادت منذ أزمة الطاقة في العام 2022 بناء جزء مهم من أمنها الطاقي على واردات الغاز الطبيعي المسال. وهذا يعني أن أي زيادة دائمة في تكلفة العبور عبر مضيق هرمز لن تبقى داخل حدود المنطقة بل ستنتقل إلى الصناعات التي تعتمد على الطاقة الخليجية بدءا من الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات، وصولا إلى قطاع الطيران والنقل البحري وسلاسل التصنيع العالمية، ومع ارتفاع تكلفة الطاقة ترتفع بدورها تكلفة الإنتاج لتجد الاقتصادات المستوردة نفسها أمام موجة جديدة من الضغوط التضخمية. لكن التأثير لا يقتصر على المستوردين فدول الخليج نفسها قد تواجه تحديا في الحفاظ على تنافسية صادراتها غير النفطية، فصناعات مثل الألمنيوم والبتروكيماويات لا تنافس فقط بجودة المنتج بل أيضا بسرعة الوصول إلى الأسواق وتكلفة الشحن، وإذا أصبحت تكلفة النقل والتأمين أعلى بصورة دائمة فإن جزءا من الميزة التنافسية التي بنتها هذه الصناعات خلال العقود الماضية قد يتعرض لضغوط متزايدة، ولهذا فإن ارتفاع تكلفة الجغرافيا لا يعيد تشكيل تجارة الطاقة فقط بل يعيد رسم خريطة التنافسية الصناعية أيضا.

الخليج في عصر تكلفة الجغرافيا يكمن الخطأ في أن تنظر دول الخليج إلى هذه التحولات باعتبارها أزمة عابرة، فما يشهده الاقتصاد العالمي اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة تصبح فيها المخاطر الجيوسياسية عنصرا دائما في قرارات الاستثمار والتجارة وسلاسل القيمة. ولهذا فإن التحدي لم يعد يتمثل في إيجاد بديل لمضيق هرمز فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، وإنما في تقليل تكلفة الاعتماد عليها، وهذا يفسر الاتجاه المتزايد نحو تنويع الأسواق والاستثمار في الخدمات اللوجستية وتقريب الإنتاج من الأسواق النهائية وبناء سلاسل قيمة أكثر مرونة. وفي هذا السياق يمكن قراءة استحواذ شركة ألمنيوم البحرين (البا) على شركة Aluminium Dunkerque الفرنسية من زاوية تتجاوز التوسع التجاري، فالصفقة تمنح الشركة قاعدة إنتاج داخل السوق الأوروبية وتقرب جزءا من سلسلة القيمة من العملاء النهائيين، بما يقلل الاعتماد على النقل لمسافات طويلة. وعلى الرغم من أن الصفقة لم تطرح باعتبارها استجابة مباشرة لمخاطر مضيق هرمز فإنها تنسجم مع التحول العالمي نحو توزيع الإنتاج جغرافيا للحد من تأثير الاضطرابات في التجارة. وهذا هو الدرس الأهم الذي يفرضه اقتصاد اليوم، فالتنافسية لم تعد تقاس فقط بانخفاض تكلفة الإنتاج بل أيضا بقدرة الاقتصادات على إدارة المخاطر وتنويع الأسواق والحفاظ على استمرارية الأعمال حتى في بيئة تتسم بارتفاع عدم اليقين. طوال العقود الماضية كانت الجغرافيا تمنح الخليج ميزة يصعب تقليدها أما اليوم فإن هذه الجغرافيا نفسها أصبحت تضاف إلى قائمة التكاليف التي يجب على الاقتصادات إدارتها، ومن هنا أعتقد بأن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصب على ما إذا كانت رسوم ستفرض على مضيق هرمز أم لا بل على ما إذا كانت اقتصادات الخليج مستعدة لعالم أصبحت فيه المخاطر الجيوسياسية جزءا من تكلفة النمو. فإذا كان القرن الماضي قد كافأ الاقتصادات التي امتلكت الموارد، فإن العقد المقبل قد يكافئ الاقتصادات التي تنجح في تقليل تكلفة الجغرافيا لا بتغيير موقعها وإنما ببناء اقتصاد أكثر تنوعا وأكثر مرونة وأكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق مهما تغيرت الظروف.