أحمد القاسم يعيد صياغة هوية الجاز والبلوز في قلب البحرين
| طارق البحار
تخيل نفسك في بعد ظهر يوم جمعة هادئ، حيث تتداخل الأحاديث الخافتة ورنين الكؤوس العابر مع نغمات مخملية تنساب من عوالم الجاز والبلوز، ليأخذك صوت دافئ يشبه تدفق العسل نحو زمن آخر ومكان بعيد، لكنك في الحقيقة لا تزال في قلب البحرين، وتحديداً في حضرة واحدة من أبرز المواهب الموسيقية والغنائية التي أنجبتها المملكة، الفنان أحمد القاسم الذي يمتلك قدرة فريدة على تحريك الحواس وإذابة الوجدان بموسيقاه مع آلة "البيس غيتار".
ولدت علاقة القاسم مع الغناء منذ نعومة أظفاره كشغف طبيعي رافقه في طفولته، حيث كان يغني بعفوية في التجمعات العائلية بتشجيع من أسرته التي كانت تطلب منه المساعدة دائماً في إحياء تلك اللقاءات، وكان يلبي الطلب ببهجة بالغة، غير أن انطلاقته الرسمية كـ "مغنٍ رئيسي" لم تبدأ إلا في عام 2004 بالتزامن مع التزامه الفعلي بتعلم الآلات الموسيقية. ولم تكن البداية مع الغيتار، بل تلقى في صغره دروساً في عزف البيانو وشارك في الأنشطة الموسيقية دون غناء، وبعد أن ابتعد عن البيانو لعدة سنوات، جذبته أوتار "الغيتار الكلاسيكي" عام 1996 برغبة بسيطة تتلخص في عزف تآلفات الأغاني الشعبية والشهيرة برفقة أصدقاء الطفولة في الحي. ومن مفارقات القدر، أن أعضاء فرقة "الليالي" العربية التي كان يعزف معها، اقترحوا عليه تعلم عزف "البيس غيتار" بهدف تحسين وتطوير جودة صوت الفرقة وعمقها الموسيقي، لينتهي به المطاف بتعلم الغيتار والبيس في وقت واحد تقريباً، ويبدأ بتقديم العروض الحية عازفاً على الباص عام 1998.
أما حكاية عشقه لعوالم الجاز والبلوز، فهي قصة ارتباط روحي بدأت في اللحظة الأولى التي استمع فيها إلى هذا الفن، ليتعمق فيه بمرور السنين؛ حيث يعود الفضل في تعريفه بهذا العالم عام 2000 إلى زميليه في الفرقة نبيل إنجنير وميرزا الشريف، اللذين كانا يكبرانه سناً ويمتلكان خبرة أوسع في اختيار الموسيقى والاستماع إليها. ويرى القاسم أن ما يجذبه في موسيقى الجاز هو التحدي الصارم الذي تفرضه؛ إذ تتطلب من العازف مهارة فائقة وتمكناً تاماً من آلتها قبل المحاولة، فهو أسلوب معقد ومليء بالتحديات يكشف فوراً عن احترافية الفنانين الحقيقيين، فضلاً عن المساحة الشاسعة والحرية المطلقة التي يمنحها للارتجال والتعبير الموسيقي. وفي المقابل، يرى في موسيقى "البلوز" قصة مختلفة ومفارقة ممتعة؛ فبينما تتحدث معظم أغانيها عن ألم الفراق، والحزن، والندم، إلا أنها تظل الشيء الوحيد القادر على رسم الابتسامة على وجهه وبث البهجة في نفسه، وهو يتعلم من المفضلين عنده في عالم الجاز الراحلين مثل فرانك سيناترا ونات كينغ كول
والعباقرة المعاصرين مثل كورت إيلينغ، وآل جيرو، وبوبي ماكفيرين، الذين نسمعهم بموسيقاه وصوته بأسلوب الغناء الارتجالي السريع الذي يعتمد على نطق مقاطع صوتية مجردة من الكلمات، وهو التكتيك الفني الذي يفاجئ الجمهور دائماً ويثير حماسه في العروض الحية.
ولا يتوقف إبداعه عند هذا الحد، بل يضفي لمسات من روح الجاز والارتجال على أغاني شهيرة لنجوم من خارج هذا النطاق، مثل ليونيل ريتشي، وستينغ، ومايكل جاكسون، وفرقة البيتلز. ويواصل القاسم حضورها الميداني المكثف كفنان مقيم يقدم عروضه بانتظام في العديد من الجهات الفاخرة، ليظل العنوان الأبرز لثقافة الجاز الحية في المملكة.