بريطانيا وأوروبا.. تقارب ما بعد “البريكست”
| حسن الصائغ
41 % من صادرات بريطانيا تتجه إلى الاتحاد الأوروبي بريطانيا أعادت ضبط علاقتها مع أوروبا دون التراجع عن “البريكست” الاتحاد الأوروبي ما يزال أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة 53 مليار جنيه إسترليني حجم التجارة بين المملكة المتحدة ودول الخليج اتفاقية التجارة الحرة مع دول الخليج توسع الحضور البريطاني خارج أوروبا
بعد عقد من التصويت الذي غير وجه أوروبا لم يعد السؤال في بريطانيا عما إذا كان “البريكست” قرارا صحيحا أم خاطئا، بل عن كيف يمكن تقليل كلفته الاقتصادية دون التراجع عنه، فبعد سنوات من الانفصال السياسي تتجه لندن إلى إعادة صياغة علاقتها مع الاتحاد الأوروبي بصورة أكثر براغماتية في محاولة لاستعادة جزء من الكفاءة الاقتصادية التي فقدتها منذ خروجها من السوق الأوروبية الموحدة، دون المساس بالأسس السياسية التي قام عليها مشروع “البريكست”. وجاءت استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر في يونيو 2026 لتعيد تسليط الضوء على هذا التحول ليس لأنها غيرت اتجاه السياسة البريطانية، بل لأنها أعادت فتح النقاش عن مستقبل العلاقة مع أكبر شريك اقتصادي للمملكة المتحدة، فالجدل اليوم لم يعد عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي وإنما عن كيفية إدارة تداعيات الخروج وتقليل كلفته على الاقتصاد والشركات وسوق العمل. وتفرض الجغرافيا الاقتصادية نفسها في هذا النقاش إذ ما يزال الاتحاد الأوروبي يستحوذ على نحو 41 % من صادرات المملكة المتحدة ونحو نصف وارداتها، بينما تجاوز إجمالي التبادل التجاري بين الجانبين 840 مليار جنيه إسترليني في العام 2025، ولهذا يرى كثير من الاقتصاديين أن أي تحسن في العلاقة مع بروكسل ستكون آثاره الاقتصادية أكبر من معظم اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها بريطانيا مع أسواق بعيدة.
من “البريكست” إلى إدارة كلفته عندما صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بالعام 2016 كان الهدف المعلن استعادة السيطرة على الحدود والتشريعات والسياسة التجارية، لكن بعد عشر سنوات تغيرت الأولويات فلم يعد السؤال “كيف تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟” بل “كيف تخفض كلفة هذا الخروج دون التخلي عن استقلال قرارها السياسي؟”. ومن الناحية الاقتصادية لم تكن أكبر تكلفة لـ “البريكست” في الرسوم الجمركية بل في الحواجز غير الجمركية، فقد أصبحت الشركات البريطانية تواجه إجراءات جمركية إضافية وشهادات منشأ ومتطلبات تنظيمية أكثر تعقيدا، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة التصدير وإطالة زمن عبور السلع عبر الحدود. ويظهر أثر ذلك بوضوح في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والسيارات التي تعتمد على سلاسل إمداد سريعة ومترابطة بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. كما دفعت هذه التغيرات عددا من الشركات إلى إنشاء أو توسيع مراكزها اللوجستية داخل الاتحاد الأوروبي للحفاظ على سهولة الوصول إلى السوق الأوروبية، وهو ما انعكس على قرارات الاستثمار وسلاسل التوريد. ولا تقتصر آثار “البريكست” في التجارة وحدها بل تمتد إلى الإنتاجية والاستثمار. وبينما تقدر بعض الدراسات أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني أصبح أقل بنحو 6 % إلى 8 % مقارنة بالسيناريو الذي كانت ستبقى فيه المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، تشير تقديرات أحدث إلى أن الخسارة تراوح بين 2 % و4 %. وعلى رغم اختلاف الأرقام فإن معظم الدراسات تتفق على نتيجة واحدة وهي أن الاقتصاد البريطاني أصبح أقل حجما وإنتاجية مما كان يمكن أن يكون عليه لولا “البريكست”. وفي المقابل لم يتحقق أيضا “السيناريو” المتشائم الذي توقع دخول الاقتصاد في أزمة طويلة أو انهيار سريع، ولهذا وصفت بعض مراكز الأبحاث البريطانية حصيلة العقد الأول من “البريكست” بأنها قدرة على الصمود دون انتعاش، إذ تمكن الاقتصاد من التكيف مع الصدمات لكنه لم يحقق الطفرة الاقتصادية التي وعد بها مؤيدو الخروج. كما أظهرت التجربة أن الاتفاقيات التجارية الجديدة، سواء مع أستراليا أو نيوزيلندا أو عبر الانضمام إلى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، لا تستطيع تعويض الوزن الاقتصادي للسوق الأوروبية، فالجغرافيا الاقتصادية وتشابك سلاسل الإمداد يجعلان الاتحاد الأوروبي الشريك الأكثر تأثيرا في الاقتصاد البريطاني، وهو ما دفع النقاش من البحث عن بدائل لأوروبا إلى البحث عن علاقة أكثر كفاءة معها.
إعادة ضبط العلاقة.. لماذا الآن؟ لا يرتبط هذا التحول بكلفة “البريكست” وحدها بل أيضا بتغير البيئة الاقتصادية العالمية، فالحرب في أوكرانيا وارتفاع تكاليف الطاقة وتصاعد المنافسة مع الصين وعودة السياسات الحمائية في الولايات المتحدة، دفعت بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى إدراك أن استمرار الاحتكاكات التجارية بينهما يضعف قدرتهما التنافسية في اقتصاد عالمي أكثر اضطرابا. ولهذا لم تعد أجندة العلاقات البريطانية الأوروبية تقتصر على التجارة بل توسعت لتشمل الطاقة والدفاع وسلاسل الإمداد والابتكار والتقنيات المتقدمة، ويعكس ذلك انتقال العلاقة من إدارة تداعيات الانفصال إلى بناء شراكة أكثر براغماتية تخدم مصالح الطرفين. وانطلاقا من هذا التوجه ركزت المباحثات في العامين الماضيين على ملفات عملية مثل الاتفاق الصحي والبيطري لتسهيل تجارة المنتجات الغذائية وربط نظام تداول الانبعاثات البريطاني بنظيره الأوروبي، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية وتسهيل تنقل الباحثين والطلاب. وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة لأنها تستهدف الحواجز غير الجمركية التي أصبحت العقبة الأكبر أمام التجارة البريطانية مع أوروبا. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تحسين اتفاق التجارة الحالي في هذه الجوانب يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بما يتراوح بين 0.4 % و0.8 % في العقد المقبل، وهو ما يفسر تركيز الحكومة البريطانية على هذه الملفات كونها مكاسب اقتصادية يمكن تحقيقها دون إعادة فتح ملف العضوية الكاملة. وهكذا انتقلت بريطانيا من مرحلة إدارة عملية الخروج إلى مرحلة إدارة كلفة الخروج، وهو تحول يعكس إدراكا متزايدا أن الحفاظ على الاستقلال السياسي لا يتعارض مع بناء علاقة اقتصادية أكثر كفاءة مع أوروبا.
لماذا تبقى العودة إلى الاتحاد الأوروبي خيارا بعيدا؟ على الرغم من أن الاعتبارات الاقتصادية تدفع بريطانيا نحو علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي فإن العودة إلى العضوية الكاملة لا تبدو خيارا واقعيا في المستقبل القريب، فـ “البريكست” لم يكن قرارا اقتصاديا فحسب بل ارتبط بقضايا السيادة والهجرة والحدود، وهي ملفات ما تزال شديدة الحساسية لدى الرأي العام البريطاني، ما يجعل أي حكومة تفكر في إعادة الانضمام تواجه كلفة سياسية مرتفعة. وفي المقابل لا يبدو الاتحاد الأوروبي مستعدا لمنح المملكة المتحدة مزايا السوق الموحدة دون الالتزام بالقواعد التي تحكمها، فمن منظور بروكسل لا يمكن الفصل بين مزايا السوق الأوروبية والالتزامات المرتبطة بها سواء فيما يتعلق بالمعايير التنظيمية أو قواعد المنافسة أو آليات الرقابة، ولهذا فإن أي تقارب اقتصادي سيظل محكوما بالتعاون القطاعي لا بإعادة الاندماج المؤسسي. ويبرز قطاع الخدمات المالية مثالا واضحا على حدود هذا التقارب، فهذا القطاع الذي يمثل نحو 11 % من الناتج المحلي الإجمالي البريطاني حافظ على مكانة المملكة المتحدة ضمن أهم المراكز المالية العالمية، إلا أن عددا من المؤسسات المالية اضطر بعد “البريكست” إلى توسيع وجوده داخل الاتحاد الأوروبي لضمان استمرار وصوله إلى الأسواق الأوروبية، وبذلك فإن أي اتفاقات جديدة قد تخفف بعض القيود التنظيمية لكنها لن تعيد تلقائيا الامتيازات التي تمتعت بها مدينة لندن قبل الخروج. لذلك يبدو أن “السيناريو” الأكثر ترجيحا يتمثل في بناء علاقة اقتصادية أعمق مع الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى العضوية الكاملة، فالعلاقة الجديدة ستقوم على اتفاقيات قطاعية تعزز التجارة والاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة والدفاع والبحث العلمي، مع إبقاء الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة والهجرة خارج إطار التفاوض.
ماذا يعني ذلك إلى البحرين والخليج؟ لا تقتصر آثار إعادة تشكيل العلاقة بين لندن وبروكسل على أوروبا وحدها بل تمتد إلى شركاء المملكة المتحدة التجاريين وفي مقدمتهم دول مجلس التعاون الخليجي، فبينما تعمل بريطانيا على تخفيف كلفة “البريكست” عبر إعادة ضبط علاقتها مع أوروبا فإنها تواصل في الوقت نفسه توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الاقتصادات الأسرع نموا خارج القارة الأوروبية، ويبرز ذلك في اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في مايو 2026، التي تمثل إحدى أهم ركائز السياسة التجارية البريطانية بعد “البريكست”. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة في ظل تجاوز حجم التجارة بين الجانبين 53 مليار جنيه إسترليني وبلوغ الاستثمارات المتبادلة نحو 485 مليار جنيه إسترليني. أما بالنسبة إلى البحرين فإن هذا التحول يفتح فرصا تتجاوز مجرد تنشيط العلاقات التجارية، فقد أعلنت ثلاث شركات بريطانية في قطاع التكنولوجيا المالية إطلاق عملياتها في البحرين بالعام 2025 في مؤشر إلى أن الشركات البريطانية تنظر إلى المملكة بوصفها منصة إقليمية للوصول إلى أسواق الخليج مستفيدة من البيئة التنظيمية المتقدمة والبنية الرقمية التي تتمتع بها. ومن هذا المنطلق فإن أي نجاح لبريطانيا في تقليل الاحتكاكات التجارية مع الاتحاد الأوروبي قد يعزز أيضا جاذبية البحرين كمركز إقليمي يربط الشركات البريطانية بأسواق الخليج، فكلما أصبحت حركة التجارة بين لندن وبروكسل أكثر كفاءة ازدادت قدرة الشركات البريطانية على إدارة عملياتها الإقليمية من البحرين بما يعزز مكانة المملكة في الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية. وتزداد أهمية هذه الفرصة في ضوء الوزن الذي يشكله القطاع المالي في الاقتصاد البحريني، إذ ساهم قطاع الأنشطة المالية والتأمين بنحو 17.6 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العام 2025 ليظل أكبر مساهم غير نفطي في الاقتصاد الوطني. ومع البيئة التنظيمية المرنة والعلاقات الاقتصادية التاريخية بين البحرين والمملكة المتحدة تمتلك المملكة مقومات تؤهلها للاستفادة من أي إعادة تموضع للشركات البريطانية في المنطقة. بعد عشر سنوات على “البريكست” لم يعد النقاش في بريطانيا بشأن العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو التمسك بالقطيعة معه، بل بشأن كيفية بناء علاقة جديدة تحقق أكبر قدر من المنافع الاقتصادية دون التخلي عن الاستقلال السياسي الذي كان جوهر مشروع الخروج. وقد أثبت العقد الماضي أن الجغرافيا الاقتصادية أكثر ثباتا من القرارات السياسية، فالاتحاد الأوروبي سيبقى الشريك التجاري الأكبر للمملكة المتحدة حتى مع توسع شبكة اتفاقياتها التجارية في العالم، وبالمقابل يدرك الاتحاد الأوروبي أن التعاون مع بريطانيا أصبح أكثر أهمية في ظل عالم يشهد تصاعد المنافسة الجيوسياسية والتجارية. ومن ثم فإن مستقبل العلاقة بين لندن وبروكسل لن يقاس بعودة بريطانيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، بل بقدرتها على بناء شراكة أكثر مرونة تقلل كلفة “البريكست” وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها السياسي، وإذا نجحت في تحقيق هذا التوازن فإنها لن تعيد صياغة علاقتها بأوروبا فحسب، بل قد تعزز أيضا دورها جسرا اقتصاديا يربط بين القارة الأوروبية والأسواق العالمية بما في ذلك دول الخليج والبحرين.