تحقيق "البلاد" : انخفاض خصوبة البحرينيين بنسبة 75 %
| علوي الموسوي
أزمة الإنجاب تظهر آثارها الحقيقية خلال 20 إلى 30 سنة عارف خليفة: الدخل الحالي لا يغطي تكلفة تربية طفلين ندى نسيم: تأجيل الزواج نتيجة ضغط اقتصادي ونفسي د. أحلام القاسمي: عبء إعالة متصاعد خلال العقود المقبلة حمد الحلو: خصوبة الرجال تتراجع وجودة الحيوانات المنوية تنخفض انحدار الخصوبة من 7 أطفال إلى 1,8 فقدان ثلاثة أرباع قدرة البحريني الإنجابية خلال جيلين فقط الاقتصاد يعيد تشكيل قرار الإنجاب داخل الأسرة الإنجاب ينخفض دون مستوى الإحلال السكاني الوضع المالي العامل الأول في قرار الإنجاب المجتمع يدخل مرحلة الشيخوخة السكانية المبكرة
في صباحٍ ما، سيجلس معلم في إحدى مدارس البحرين أمام صفٍ يضم نصف عدد الطلاب الذين اعتاد أن يراهم قبل عقود، سيفرك عينيه لأن المشهد صعب عليه، بل صعب التصديق والاحتمال، لكن ثمة حدث جعل وطن يتغير بصمت. طبعًا لن يكون السبب وباء، ولا حربًا، ولا كارثة طبيعية. إذًا ما هو السبب؟! لا يحتاج البحرينيون عشرات السنين ليدركوا أن بلادهم تغيرت، يكفي أن يفتحوا ألبوم العائلة. في الصحفة الأولى من الألبوم، يقف الجد في منتصف الصورة، يحيط به أبناؤه وبناته، ثم أحفاده الذين يكادون يملؤون الإطار، ويصعب عدهم من الوهلة الأولى، كانت كثرة الأبناء يومها أمرًا عاديًّا، حتى إن العائلة الكبيرة لم تكن استثناءً، بل القاعدة. في الصحفة الثانية من الألبوم تأتي صورة أخرى تالية، وهي صورة بالتأكيد لوالدك، يصبح عدد الأبناء أقل، أما في الصورة الأخيرة وهي صور العوائل الحالية، فلا يظهر سوى طفلين أو طفل واحد، وربما لا يظهر أي طفل، هذا الألبوم لا يروي قصة عائلة بحرينية واحدة، بل يختصر قصة وطن بأكمله. لا أحد اتخذ هذا القرار دفعة واحدة، ولم يكتب قانون يحد من الإنجاب، ولا توجيه حكومي أو ثقافي أو علمائي بالحد من ذلك، ولم تقع حرب، ولم يفرض وباء طويل الأمد تغييرًا في بنية المجتمع، ومع ذلك، حدث التحول الأكبر بصمت، وهذه قصة تغير وطن وجيل بهدوء مطلق. وتكشف تقريرات الأمم المتحدة أن معدل الخصوبة في البحرين انخفض إلى ما دون المتوسط العالمي، وإلى أقل من مستوى الإحلال السكاني، وهو الحد الذي يضمن أن يستبدل كل جيل نفسه دون تآكل. للمرة الأولى، لا تتعلق الأرقام بعدد الأطفال الذين يولدون اليوم، بل بعدد الأطفال الذين لن يولدوا أصلًا، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل مجتمع يتغير حجمه وتركيبته بهدوء.
وهذه لحظة فارقة تقرأ في مستقبل الاقتصاد، وسوق العمل، وأنظمة التقاعد، وحتى ملامح المجتمع بعد جيل واحد، وهويته وقدرته على الاستمرار مع الحفاظ على كل مكوناته، من دون تعويض ديموغرافي. ومن هذا المنطلق ثمة أسئلة شاخصة بنفسها في هذه القصة وهي كيف وصلت البحرين إلى هنا؟ وكيف ستختفي أجيال كاملة في البحرين من دون أن يشعر أحد؟ ومن الذي سيسرق الأطفال الذين سيشكلون الأجيال في مستقبل البلاد؟ ولماذا أصبح الإنجاب، الذي كان يومًا جزءًا من الثقافة الاجتماعية، قرارًا تؤجله الأسر أو تعيد التفكير فيه؟ وأي مجتمع تريده البحرين بعد نصف قرن؟ في هذا التحقيق اصطدنا مشكلة خطيرة تحوم في أجواء البحرين منذ فترة بصمت، لا تنعس ولا تنام، وتكبر بهدوء، مشكلة جوالة عبر الزمن ساهرة فوق مستقبل البلاد، ومن هنا قررنا تتبع القصة التي بدأت هادئة ولكنها في الزمن لن يبقى أثرها صامتًا.
معدل الإحلال العالمي ليس أخطر ما تكشفه أرقام الخصوبة في البحرين أنها تتراجع عامًا بعد آخر، بل ما تخفيه هذه الأرقام من ملامح مجتمع يتغير بهدوء، فيما لا تزال آثار هذا التحول بعيدة عن دائرة النقاش العام. فخلف كل انخفاض في عدد المواليد، تتشكل معادلة سكانية جديدة قد تعيد رسم ملامح القوة العاملة، وتركيبة المجتمع، وحجم الأعباء الاقتصادية التي ستتحملها الدولة خلال العقود المقبلة. تشير المؤشرات السكانية إلى أن البحرين هبطت إلى ما دون معدل الإحلال السكاني العالمي البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الذي يضمن استقرار عدد السكان من دون الاعتماد على الهجرة، بينما معدل البحرين الآن 1,8 منذ العام 2024 حتى الآن. ورغم أن هذا الواقع ينسجم مع اتجاه عالمي شمل معظم الدول المتقدمة وعددًا متزايدًا من الدول النامية، فإن خصوصية الحالة البحرينية تكمن في أنها تتقاطع مع اعتماد واسع على العمالة الوافدة، ما يجعل آثار انخفاض الخصوبة أقل ظهورًا اليوم، لكنها أكثر تعقيدًا في المستقبل.
فقدان القدرة الإنجابية في أقل من ستة عقود، انقلبت معادلة الإنجاب في البحرين رأسًا على عقب، وفقًا لسلسلة بيانات تمتد من عام 1965 حتى 2024، تكشف عن تراجع حاد وممتد في معدل الخصوبة لدى البحرينيين. فمن 7.3 أطفال لكل امرأة في منتصف الستينيات، هبط المعدل تدريجيًّا وبلا توقف يذكر إلى 1.8 طفل فقط في عام 2025، مسجلًا انخفاضًا إجماليًّا يقارب 75.3 % من مستواه التاريخي، أي أن البحرين فقدت أكثر من ثلاثة أرباع قدرتها الإنجابية خلال جيلين فقط. هذا الانحدار لم يكن خطيًّا بالكامل، لكنه حمل في طياته مسارًا طويلًا من التآكل الديموغرافي المتدرج؛ إذ تراجعت الخصوبة من 7 أطفال في 1970 إلى 5.6 في منتصف السبعينيات، ثم واصلت الهبوط إلى ما دون 4 أطفال بنهاية الثمانينيات، قبل أن تدخل منعطفًا أكثر حساسية في التسعينيات، حين اقترب المعدل من عتبة 3 أطفال. ومع بداية الألفية الجديدة، بدا أن المؤشر يقترب من منطقة الخطر الديموغرافي، إذ استقر حول 2.7 ثم 2.8 طفل، قبل أن يهبط لاحقًا إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة. الأخطر في هذا المسار ليس الانخفاض وحده، بل سرعته في بعض المراحل، خصوصًا بين 2005 و2010، حين فقد المعدل قرابة ربع قيمته خلال خمس سنوات فقط، في واحدة من أكثر الفترات الديموغرافية حساسية. ورغم تسجيل ارتفاع طفيف بين 2010 و2015، فإن هذا التحسن لم يغير الاتجاه العام الذي عاد سريعًا إلى التراجع، ليستقر في السنوات الأخيرة دون مستوى الإحلال عند 1.8 طفل. وتشير هذه الأرقام، في جوهرها، إلى تحول بنيوي يتجاوز الإحصاء إلى بنية المجتمع نفسه، حيث تتقاطع عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية في إعادة تشكيل قرار الإنجاب، من ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، إلى تأخر سن الزواج، وتغير أنماط الحياة والعمل، وصولًا إلى إعادة تعريف مفهوم الأسرة لدى الأجيال الجديدة. وفي المحصلة، لا يبدو أن ما يحدث مجرد تذبذب في معدلات الخصوبة، بل مسار طويل من التحول الديموغرافي الهادئ الذي يعيد رسم مستقبل التركيبة السكانية في البحرين، ويفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقًا حول الاستدامة السكانية، وتوازن الهرم العمري، وقدرة المجتمع على الحفاظ على ديناميكيته السكانية في العقود المقبلة.
الأطفال مستهلكون اقتصاديون في سياق هذا التحليل الذي يربط بين التحولات السكانية والاقتصادية والثقافية في البحرين، تبرز قراءة أكاديمية أكثر عمقًا لطبيعة هذا التحول، تقدمها أستاذة علم الاجتماع وباحثة علم الاجتماع الدكتورة أحلام القاسمي في هذا التحقيق. تقول القاسمي إن تحولًا عميقًا يشهده المجتمع البحريني، غير أن من التبسيط المخل أن نقول بأن القيمة العاطفية أو الاجتماعية أو الدينية للأطفال قد تضاءلت؛ فالرغبة الثقافية في بناء أسرة والحفاظ على النسب لا تزال ركيزة أساسية لهويتنا الوطنية. مع ذلك، فقد تحوّل تنفيذ هذه الرغبة - أي الحسابات الهيكلية لحجم الأسرة - تحوّلًا جذريًّا من خيار اجتماعي تلقائي إلى قرار اقتصادي مدروس بعناية. وأضافت: تاريخيًّا، في الاقتصادات الزراعية أو تلك التي تعتمد على صيد اللؤلؤ، كان ينظر إلى الأطفال من منظور الأمن الاجتماعي والاقتصادي؛ فهم يعتبرون مساهمين مستقبليين في وسيلة الإنتاج المملوكة لدى الأسرة، أما في البحرين الحديثة ذات الطابع المديني المتطور، فقد انقلبت هذه الديناميكية رأسًا على عقب. فالأطفال اليوم، من منظور مالي بحت، مستهلكون اقتصاديون يتطلبون استثمارًا مكثفًا وطويل الأجل في الموارد. وأوضحت: هناك عدة حقائق اقتصادية حديثة أملت على الكثيرين هذا النوع من التغيير، هناك التكاليف المتزايدة لتربية الأطفال حيث يتطلب الارتقاء بالطفل إلى المعايير المجتمعية المعاصرة نفقات مالية كبيرة. فتكلفة التعليم الخاص التنافسي، والتعليم العالي، والرعاية الصحية، والتضخم العام في نمط الحياة، كل هذا يعني أن على الآباء والأمهات أن يضعوا ميزانية دقيقة لكل طفل على حدة. وهناك التطور الهيكلي للسكن حيث يفضل توفر وتصميم المساكن الحضرية الحديثة وحدات أسرية أصغر، ويلقي شراء منزل أو توسيعه لاستيعاب عائلات كبيرة عبئًا هائلاً، غالبًا ما يكون باهظًا، من الديون على الأزواج الشباب. وهناك ضرورة الدخل المزدوج، فمن أجل تحقيق مستوى معيشي مريح، يتطلب التعامل مع اقتصاد اليوم بشكل متزايد أن يبقى كلا الزوجين في سوق العمل. وهذا يُلغي دور مقدم الرعاية المنزلية التقليدي المتفرغ، مما يُجبر الأسر على الاعتماد على حلول رعاية الأطفال المدفوعة، مُضيفًا بندًا ماليًّا متكررًا آخر. ونوهت: وفي نهاية المطاف، بينما يبقى الدافع لإنجاب الأطفال اجتماعيًّا وعائليًّا بامتياز، فإن الحد الذي يُحدد عدد الأطفال الذين يرغب الزوجان في إنجابهم هو اقتصادي بدرجة كبيرة. لم يعد الاقتصاد عاملًا ثانويًّا؛ بل هو معيار أساسي تنظم من خلاله عملية التخطيط الأسري.
اقتصاديات الخصوبة الحديثة وتسترسل القاسمي بالقول: علينا أن نضع في اعتبارنا أن التحولات الديموغرافية لا تظهر كصدمات مفاجئة وقوية، بل تتطور ببطء وتدريجيًّا، مغيرة أسس المجتمعات على مدى 30 إلى 40 عامًا قبل أن تظهر آثارها الاقتصادية الكلية كاملةً. ولتوضيح ذلك، لا بد من النظر إلى الأرقام. ففي منتصف القرن العشرين، تجاوز معدل الخصوبة الكلي في البحرين 6 مواليد لكل امرأة. أما اليوم، فتشير الإحصاءات الوطنية إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى ما يقارب 1.77 إلى 1.80، أي إنه أقل من مستوى الإحلال السكاني حيث يبلغ مستوى الإحلال السكاني القياسي اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان دون الاعتماد على الهجرة 2.1. وبينت أنه: إذا ما تفاقم هذا الانخفاض، فإنه سيشكل تحديات بالغة الأهمية في المستقبل، منها على سبيل المثال: انعكاس نسبة الإعالة: يعتمد معدل الإعالة السكاني الحالي على وجود شريحة سكانية كبيرة منتجة في سن العمل، مع ذلك، ومع انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى ما يزيد عن 80 عامًا، يتزايد متوسط العمر في البحرين بوتيرة متسارعة تتجاوز ثلاث سنوات كل عقد، وفي نهاية المطاف، سيترك عدد متناقص من العمال البحرينيين الشباب لدعم سكان متزايدين في السن، مما سيلقي بعبء هيكلي هائل على صناديق التقاعد وشبكات الأمان الاجتماعي وأنظمة الرعاية الصحية العامة. وتنوّه أما ثاني مشكلة فهي جز القوى العاملة واستراتيجية العمل: وهذا الأمر يهدد انكماش القوى العاملة المحلية بخلق نقص مستمر في العمالة في القطاعات الرئيسة، وللحفاظ على نمو الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق رؤيتنا الاقتصادية طويلة الأجل، ستضطر البحرين إلى زيادة اعتمادها الهيكلي على العمالة الوافدة، لا يمكننا تجاهل هذا التوجه لمجرد أن أسوأ أعراضه لا تزال بعيدة. فالخيارات الديموغرافية التي نتخذها اليوم تُحدد أوضاعنا الاقتصادية غدًا.
حدود العوامل الاقتصادية وبلغة الباحث العالم وبلغة تشخيصية أكبر تقول القاسمي في سردها العميق في البحث في مشكلة التحقيق” إن العوامل الاقتصادية تشكل الحدود، بينما توفر التحولات الثقافية الدافع الداخلي لتكوين أسر أصغر. وتضيف: وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت البحرين تحديثًا سريعًا، أعاد تشكيل المفاهيم الجماعية المتعلقة بالمكانة الاجتماعية، والأدوار الجندرية، ومسؤولية الوالدين، وقد أسهمت ثلاثة تحولات ثقافية محددة بشكل مباشر في ترسيخ فكرة الأسر الأصغر: 1 - التطور التعليمي والمهني للمرأة: حققت المرأة البحرينية إنجازات استثنائية في التعليم العالي، وتشغل الآن مناصب قيادية محورية في القطاعين العام والخاص. وبطبيعة الحال، فإن السعي للحصول على شهادات عليا والترقي في السلم الوظيفي التنافسي يؤخر متوسط سن الزواج والإنجاب الأول. ومن خلال تأخير بدء التخطيط الأسري، تتقلص الفترة البيولوجية المتاحة لتكوين أسر أكبر. 2 - تفكك وحدة الأسرة الممتدة: - والحديث على لسان محدثتي القاسمي: تحول نموذج الأسرة التقليدية متعددة الأجيال حيث كان الأجداد والعمات وأبناء العمومة يعيشون معًا في منزل واحد، وأصبح النموذج السائد اليوم هو نموذج الأسرة النووية المستقلة. وبينما يمنح هذا النموذج الأزواج استقلالية، فإنه يُلغي نظام الدعم التقليدي المجاني لرعاية الأطفال. وفي ظلّ نظام الأسرة النووية، يصبح التوفيق بين رعاية عشرة أطفال والحفاظ على المسيرة المهنية مهمةً مرهقةً ومستحيلةً عمليًّا بالنسبة للآباء العاملين. 3 - التحول من التركيز على الكم إلى التركيز على الكيف في التربية: تشير القاسمي إلى أن المجتمع البحريني شهد تحوّلًا نفسيًّا واضحًا نحو التربية المكثّفة، مشيرة إلى أنه لم يعد النجاح في المجتمع الحديث يقاس بحجم الأسرة، بل بالاستثمار النوعي في كل طفل، ويختار الآباء البحرينيون المعاصرون بوعي تركيز مواردهم المالية والعاطفية والزمنية على طفل أو طفلين، ضامنين له/لهما تعليمًا متميزًا، وفرصًا للأنشطة والهويات، وانفتاحًا على العالم، بدلًا من تشتيت هذه الموارد على عدد أكبر من الأبناء، وباختصار، حلت الرغبة الحديثة في هياكل أسرية محسنة، غنية بالموارد، ومدمجة محل المكانة الثقافية التي كانت ترتبط تاريخيًّا بالأسر الكبيرة.
لا تأجيل في الحلول وتقول الدكتورة أحلام راشد القاسمي إن هذا الملف لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة الجزئية، لأنه يمس البنية العميقة للمجتمع والاقتصاد معًا. وتنوّه إلى أن التدخل التدخل المؤسسي أصبح على مستوى الدولة ضرورة استراتيجية لإعادة ضبط التوازن الديموغرافي قبل أن تتسع كلفته المستقبلية. وقالت: هذه القضية من التحديات الكبيرة، ويتطلب التصدي لها بالتوجه نحو تطبيق تدخلات مؤسسية على مستوى الدولة. يجب أن ننظر إلى توسيع نطاق الأسرة ليس كمجرد خيار شخصي، بل كعنصر أساسي في البنية التحتية الاقتصادية الوطنية. إذا كانت تكلفة إنجاب الأطفال مرتفعة، فهناك حاجة إلى تعاون الدولة مع الأسر لتخفيف مخاطر هذا الاستثمار، وينبغي بناء استراتيجية وطنية شاملة متعددة المحاور، ويمكنني أن أشير هنا إلى أربعة محاور رئيسة، وهنا الحديث على لسان القاسمي أيضًا:
أولاً: إضفاء الطابع المؤسسي على سياسات العمل الداعمة للأسرة، بحيث يجب علينا سد الفجوة بين التقدم الوظيفي والأبوة والأمومة. وهذا يعني إلزام كل من الأمهات والآباء بإجازة أبوة وأمومة طويلة ومدعومة بالكامل، وحماية الآباء العائدين للعمل من العقوبات المهنية، وتقديم حوافز قوية للقطاع الخاص لتقديم نماذج عمل مرنة ومتكاملة. علاوة على ذلك، ينبغي إنشاء مرافق رعاية أطفال عالية الجودة مدعومة من جهات العمل داخل أو بجوار مراكز التوظيف الرئيسة لتخفيف الصعوبات اللوجستية اليومية التي تواجهها الأمهات العاملات. ثانيًا: تقديم إعانات وحوافز مالية موجهة. تحتاج الأسر إلى تعويض التكلفة الإضافية لإنجاب طفل إضافي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم إعانات دورية مباشرة للأطفال عند ولادة طفلهم الثاني والثالث. والأهم من ذلك، يجب أن تتكيف برامج الإسكان الوطنية؛ إذ ينبغي ربط أولوية الإسكان أو شروط القروض التفضيلية بحجم الأسرة، بما يضمن حصول الأسر المتنامية تلقائيًا على المساحة السكنية التي تحتاجها دون تحمل ديون باهظة. ثالثًا: تحديد سقف للتكاليف الهيكلية ودعمها. تُشكل التكاليف المتزايدة للتعليم الخاص والرعاية الصحية للأطفال عائقًا رئيسًا. ويمكن للجهات المعنية التخفيف من ذلك من خلال تقديم إعفاءات ضريبية على النفقات التعليمية أو توسيع نطاق خيارات رعاية الأطفال العامة وتحسين جودتها، بما يضمن ألا تبقى “الأبوة والأمومة الجيدة” حكرًا على الطبقة المتوسطة العليا. رابعًا: دعم شامل للخصوبة والصحة الإنجابية. مع ارتفاع متوسط سن الزواج، تزداد العوائق البيولوجية أمام إنجاب الكثير من الأولاد بشكل طبيعي. ينبغي التفكير في علاجات للخصوبة المتقدمة، بما في ذلك التلقيح الصناعي وتشخيصات الصحة الإنجابية، بشكل كامل في إطار التغطية الصحية الوطنية للمواطنين. ويُعدّ دعم الأزواج الراغبين في الإنجاب والذين يواجهون عوائق طبية وسيلةً فعّالة وسريعة لرفع معدلات المواليد. وأكدت القاسمي أنه تتطلب السياسات الديموغرافية فترةً زمنيةً تمتد لعقود عديدة لإظهار نتائجها، فإذا انتظرنا حتى نشهد نقصًا حادًّا في القوى العاملة كما هو المتوقع في أربعينيات وخمسينيات القرن الحالي قبل أن نتحرك، فسيكون ذلك بمثابة تأخيرٍ كبيرٍ جدًّا. لذا، يجب وضع الأسس الهيكلية اللازمة اليوم.
تفكيك إنساني للمشهد في ظل هذا التشابك بين ما هو اقتصادي وما هو ثقافي وما يتشكل في عمق البنية الاجتماعية من تحولات صامتة، لا يعود فهم الظاهرة ممكنًا من زاوية واحدة، بل يحتاج إلى تفكيك أعمق من الداخل الإنساني للأسرة.
وهنا يتجه التحقيق إلى قراءة أخرى من داخل البيت نفسه، حيث تقدم الأخصائية النفسية والأسرية ندى نسيم مقاربة مختلفة لهذا التحول. تقول الأخصائية النفسية والأسرية ندى نسيم إن التحولات التي يشهدها المجتمع البحريني في نظرة الشباب إلى الزواج والإنجاب لا يمكن قراءتها باعتبارها امتدادًا طبيعيًّا لما كان قائمًا في الأجيال السابقة، بل بوصفها انعكاسًا لتغير عميق في البنية النفسية والاجتماعية للجيل الجديد. وتوضح ندى نسيم: بلا شك، لا يمكن مقارنة هذا الجيل بالأجيال السابقة من حيث نظرته إلى الزواج والإنجاب. فالشباب اليوم يواجهون تحديات متسارعة ومتنوعة تجعل فكرة الزواج والإنجاب أقل وضوحًا واستقرارًا في أذهانهم. وترافق هذه الفكرة مشاعر من التردد والقلق والخوف من الفشل في تحمل المسؤوليات الأسرية. واضافت: لذلك نلاحظ أن بعض الشباب يتأخرون في اتخاذ قرار الزواج، وكذلك في اتخاذ قرار الإنجاب. ففي السابق، كان الإنجاب أحد الدوافع الرئيسة للزواج بهدف تأسيس أسرة واستمرار الامتداد العائلي، أما اليوم فقد أصبح الزواج بحد ذاته قرارًا مستقلًا، وأصبح الإنجاب قرارًا آخر يخضع لاعتبارات نفسية ومادية ومهنية متعددة. واسترسلت بالقول: يعد هذا الموضوع من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للشباب المقبلين على الزواج، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية. ويكاد العامل المالي يكون أحد الأسباب الرئيسة لعزوف بعض الشباب عن الزواج أو تأجيله. فعندما يشعر الشاب بعدم قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية أو توفير مستوى من الاستقرار الذي يتوافق مع تطلعاته، فإنه قد يعيد النظر في فكرة الزواج وتأسيس الأسرة. كما أن هذا الشعور قد يمنحه إحساسًا بالعجز وعدم القدرة على الوفاء بالمسؤوليات المتوقعة منه، الأمر الذي ينعكس نفسيًّا في صورة ضغوط نفسية وإحباط وقلق مستمر بشأن المستقبل. ومن المهم الإشارة إلى أن المشكلة لا تكمن دائمًا في مستوى الدخل، وإنما في الإحساس بالأمان والاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل بثقة. ونوّهت إلى أن: الحديث الآن عن جيل مختلف في تصوراته وطموحاته ونظرته إلى الحياة الزوجية. فلم تعد الأسرة أو الأبناء وحدهم محور تحقيق الذات لدى الكثير من الأزواج، بل ظهرت أهداف أخرى تتعلق بالتطور المهني والإنجاز الشخصي وتحسين جودة الحياة. كما أن الزيجات الحديثة غالبًا ما تتكون من شريكين يتمتعان بمستوى عالٍ من التعليم والوعي والرغبة في تطوير الذات. وأضافت: وقد تراجع النموذج التقليدي الذي كانت تختزل فيه أدوار المرأة في رعاية الأبناء فقط، لتصبح شريكًا فاعلًا في تحقيق الطموحات الأسرية والمهنية معًا. وقد يؤدي السعي لتحقيق هذه الأهداف إلى نوع من الصراع بين متطلبات الأسرة والرغبة في الإنجاز الشخصي، مما يدفع بعض الأزواج إلى تأجيل الإنجاب أو تقليص عدد الأبناء بهدف التفرغ للدراسة، أو بناء مشروع خاص، أو الحفاظ على نمط حياة يتناسب مع قناعاتهم وتطلعاتهم المستقبلية. وأشارت: لا يمكن تجاهل تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية في انخفاض معدلات الخصوبة، إلا أنني أرى أن هناك تحولات نفسية وقيمية أعمق تلعب دورًا مهمًّا في تشكيل هذا القرار. فالأمر يرتبط بمدى استعداد الزوجين لإدارة الحياة الزوجية، وقدرتهما على تحمل المسؤولية، ومهاراتهما في حل المشكلات والتكيف مع الضغوط، إضافة إلى مدى رغبتهما في إنجاح مؤسسة الزواج ذاتها. كما أن بعض الأفراد ينظرون إلى إنجاب طفل في ظل عالم سريع التغير ومعقد التحديات باعتباره مسؤولية كبيرة تتطلب استعدادًا نفسيًّا وماديًّا وتربويًّا متكاملًا. وقد تصاحب هذه النظرة مخاوف تتعلق بالقدرة على تقديم الرعاية الكافية للأبناء أو تحقيق التوازن بين متطلبات الأسرة والطموحات الشخصية. ومن هنا، يمكن القول إن أنماط الشخصية والقيم الفردية والتجارب الأسرية السابقة أصبحت عوامل مؤثرة في تشكيل المواقف تجاه الإنجاب واتخاذ القرار بشأنه. لذلك، فإن فهم انخفاض الخصوبة يتطلب النظر إليه باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع العوامل النفسية والقيمية والثقافية.
واقع طبي مخيف وإذا كانت الأرقام قد روت جانبًا من الحكاية، وفسر الاقتصاد والاجتماع والنفس أسبابًا من التحول، فإن الطب يفتح نافذة أخرى على ما يحدث بصمت داخل أجساد الأزواج. هنا، لا يعود السؤال مرتبطًا بالرغبة في الإنجاب فحسب، بل بالقدرة عليه أيضًا، وهي الزاوية التي يتناولها استشاري المسالك البولية والتناسلية والعقم الدكتور حمد الحلو في قراءته الطبية لهذا التحول. يقول الحلو: نحن أمام تحول ديموغرافي وصحي بطيء، لكنه متصاعد، يعيد تشكيل أنماط الإنجاب في العالم، معدلات الخصوبة تتراجع بشكل ملحوظ في عدد متزايد من الدول، ولم يعد هذا التراجع مقتصرًا على دول بعينها، بل أصبح ظاهرة تمتد إلى مختلف المجتمعات، بما في ذلك دول الخليج العربي. وأضاف: المؤشرات العلمية خلال العقود الأخيرة لا تشير فقط إلى انخفاض في معدلات المواليد، بل أيضًا إلى تراجع في مؤشرات الخصوبة الذكورية، وعلى رأسها جودة الحيوانات المنوية من حيث العدد والحركة والشكل مقارنة بالأجيال السابقة، هذا التحول جعل من الحمل الطبيعي في عدد من الحالات عملية أكثر تعقيدًا، تتطلب تدخلًا طبيًّا متقدمًا مثل تقنيات الإخصاب المساعد والحقن المجهري. وتابع: وفي السياق المحلي، لا يمكن فصل البحرين عن هذا المسار العام. نمط الحياة الحديث فرض مجموعة من الضغوط الصحية والسلوكية التي لم تكن بهذا الشكل سابقًا؛ مثل تأخر سن الزواج، ارتفاع مستويات التوتر، قلة النشاط البدني، السمنة، والتدخين بكلا أنواعه، كما أن انتشار الأمراض المزمنة مثل السكري واضطرابات الهرمونات، إلى جانب تبعات بعض الأمراض الفيروسية الحديثة، كلها عوامل تترك أثرًا مباشرًا على القدرة الإنجابية لدى الجنسين. وأردف: من النقاط التي لا تزال تعامل بحساسية اجتماعية رغم وضوحها الطبية، قضية العقم عند الرجال، تاريخيًّا، جرى تحميل المرأة وحدها مسؤولية تأخر الإنجاب، إلا أن الطب الحديث يؤكد أن الرجل يدخل طرفًا مباشرًا أو مساهمًا رئيسًا في نحو نصف حالات تأخر الحمل، وهو ما نرصده بشكل متكرر في الممارسة الإكلينيكية اليومية، المشكلات المتعلقة بالحيوانات المنوية، سواء في العدد أو الحركة أو الشكل، إضافة إلى دوالي الخصيتين أو السمنة، هي حالات طبية شائعة وليست استثناءات، لكنها غالبًا ما تُكتشف متأخرة بسبب الحرج الاجتماعي أو تأجيل الفحص. ونوّه إلى أن: العامل الزمني بدوره لا يمكن تجاهله، في ظل التوسع في التعليم والطموحات المهنية وتأخر الاستقرار الأسري، يتم تأجيل قرار الإنجاب، بينما تستمر الساعة البيولوجية في العمل بشكل طبيعي، مع تراجع تدريجي في الخصوبة لدى النساء بعد منتصف الثلاثينيات، وكذلك لدى الرجال مع التقدم في العمر، وإن انخفاض الخصوبة لم يعد قضية فردية معزولة، بل أصبح تحديًا صحيًّا ومجتمعيًّا واقتصاديًّا في آن واحد، ينعكس على البنية السكانية وسوق العمل واستدامة المجتمعات، وهو ما دفع عددًا من الدول إلى تبني سياسات داعمة للأسرة والصحة الإنجابية. وأشار إلى أنه الناحية الطبية، الحل لا يبدأ عند ظهور المشكلة، بل قبل ذلك بكثير. الصحة الإنجابية جزء من الطب الوقائي ونمط الحياة، وليست حالة طارئة، تحسين نمط الحياة، تقليل عوامل الخطر، رفع الوعي، وتوفير خدمات طبية متقدمة ومبكرة، إلى جانب دعم نفسي واجتماعي للأزواج، كلها عناصر أساسية في التعامل مع هذا الملف. وأكد أن العقم حالة طبية قابلة للتشخيص والعلاج مثلها مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، والاعتراف بها مبكرًا يمثل نقطة الانطلاق الصحيحة. ومع التطور الكبير في تقنيات الإخصاب المساعد والجراحات الدقيقة، فإن فرص العلاج اليوم أصبحت أعلى وأكثر دقة من أي وقت مضى. إن قضية الإنجاب لم تعد قرارًا فرديًّا فقط، بل ملفًّا يرتبط مباشرة باستقرار المجتمع واستمراريته”.
120 دينارًا لكل طفل بعد أن كشف الطب جانبًا من حدود الجسد، وتحدثت التخصصات الاجتماعية والنفسية عن تحولات القرار داخل الأسرة، يبقى سؤال آخر لا يقل تأثيرًا: كيف يترجم هذا التغير في السلوك الإنجابي إلى أرقام في الاقتصاد، وإلى أنماط في الاستهلاك، وإلى معادلات في النمو والاستدامة المالية للدولة؟ وهل هنالك أسباب أخرى نجهلها مستمدة من واقع نمط حياة الأسرة الجديدة في البحرين.
لهذه القراءة العميقة ستكون لنا وقفة مع الباحث الاقتصادي والمحاضر المصرفي المتخصص في الاقتصاد المجتمعي والسلوك الاستهلاكي وسياسات التقشف والاستثمار وتمويل التجارة عارف خليفة، لفهم كيف يعيد تراجع الخصوبة تشكيل البنية الاقتصادية من الداخل. يقول الباحث الاقتصادي والمحاضر المصرفي المتخصص في الاقتصاد المجتمعي والسلوك الاستهلاكي وسياسات التقشف والاستثمار وتمويل التجارة عارف خليفة إن الهاجس الاقتصادي بات العامل الأكثر تأثيرًا في قرار الإنجاب داخل المجتمع البحريني، متقدمًا على بقية الاعتبارات الاجتماعية والتربوية والتعليمية، ومتوقعًا أن يصل المجتمع خلال السنوات الخمس المقبلة إلى مرحلة الاكتفاء بطفل واحد للأسرة الواحدة في ظل الضغوط المعيشية المتصاعدة. يوضح عارف خليفة: أن الهاجس الاقتصادي هو الهاجس الأول في الإنجاب وانخفاض معدل الإنجاب. خلال خمس سنوات أتوقع أن البحرينيين سيكتفون بولد واحد. الهاجس الأول هو الاقتصادي، وبعده التربوي، وبعده الهاجس التعليمي. ويضيف: اقتصاديًّا، معدل دخل الفرد في البحرين بالنسبة للحد الأدنى للعيش الكريم يقدر بنحو 3 دنانير في اليوم، بينما يحتاج الفرد الواحد لمستوى معيشة أساسي من مأكل ومشرب وملبس دون احتساب السكن والتعليم إلى ما بين 90 و120 دينارًا شهريًّا. وعليه، فإن الإيراد المثالي للفرد البحريني يجب ألا يقل عن 850 دينارًا لأسرة مكونة من زوجين وطفلين. وينوّه خليفة إلى أن” الشباب اليوم يتساءلون، كيف أستطيع أن أدرس ابني؟ الهاجس الاقتصادي في ظل رواتب تبلغ في المتوسط نحو 550 دينارًا للجامعي، هذا الأمر الذي يقوده تدريجيًا إلى تقليص عدد الأبناء إلى طفلين ثم إلى طفل واحد مستقبلا، خصوصًا إذا ارتفعت معدلات التضخم مع ثبات مستويات الأجور. ووفقًا لحديثه فإننا في البحرين نحتاج إلى دعم الأسر من قبل الحكومة، موضحًا أنه في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تصرف علاوات للأطفال تتراوح بين 200 و250 دينارًا للطفل الواحد، وهي في حدها الأدنى مقارنة بما تتطلبه كلفة المعيشة الفعلية. وبحسب دوله: إن أسباب انخفاض الخصوبة متعددة، منها غلاء المعيشة مع ثبات الأجور، وارتفاع أسعار السكن والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية في البحرين. ورغم التعديلات المشكورة على مستويات الأجور في القطاع الحكومي لتصل إلى نحو 550 دينارًا، فإن القطاع الخاص ما زال بحاجة إلى تعميم أكبر وتحسينات إضافية. وتابع: كما أن تغير نمط الحياة لعب دورًا محوريًّا؛ فدخول المرأة سوق العمل خلق شراكة اقتصادية داخل الأسرة، لكنه في الوقت ذاته ضاعف من التزاماتها وانشغالها، خاصة في ظل ارتفاع مساهمتها في قرارات التعليم والرعاية. كثير من الأسر اليوم تميل إلى التعليم الخاص وهو رأي يرجع للزوجة بشكل أكبر من الزوج، ما يرفع الكلفة بشكل كبير، إذ قد تصل مصاريف طفلين إلى نحو 6000 دينار سنويًّا في بعض الحالات. وزاد: إلى جانب ذلك، أصبحت الكماليات جزءًا من نمط الحياة الأساسي، بما في ذلك السفر أكثر من مرة سنويًّا، والرغبة في رفع مستوى المعيشة بما يتجاوز الاحتياجات التقليدية. ومع ارتفاع جودة التعليم والخدمات الصحية كهدف مجتمعي، وهو أمر إيجابي، إلا أنه أسهم في زيادة التكاليف، خاصة مع توسع المدارس الخاصة التي قد تتراوح رسومها بين 1500 دينار سنويًّا للطفل الواحد أو أكثر. كما أن الإقبال المتزايد على القطاع الصحي الخاص أضاف أعباء مالية إضافية على الأسر. وذكر: هذه التحولات مجتمعة أدت إلى إعادة تشكيل قرار الإنجاب، بحيث أصبح يتجه نحو تقليل عدد الأطفال لضمان توفير مستوى معيشة وتعليم ورعاية صحية أعلى لكل طفل على حدة. وأشار إلى أن: على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن انخفاض الخصوبة سيؤدي إلى اختلال في التوازن بين القوى العاملة والمتقاعدين، وضغط متزايد على سوق العمل، مع حاجة أكبر إلى العمالة الأجنبية، سواء الماهرة أو غير الماهرة. كما أن شيخوخة المجتمع سترفع تكاليف الرعاية الصحية والتقاعد، وتؤثر على معدلات النمو الاقتصادي على المدى الطويل. أما من ناحية المعالجات، فيرى خليفة ضرورة تبني حزمة سياسات متكاملة، تشمل دعمًا ماليًّا مباشرًا لكل طفل، وحوافز نقدية تصاعدية بحسب عدد الأبناء، على غرار بعض التجارب الخليجية. كما يشدد على أهمية رفع مستويات الرواتب بما يتماشى مع التضخم، وإعادة النظر في السياسات الإسكانية لتوفير سكن ملائم للأسر الشابة. ويضيف أن دعم المرأة العاملة عبر تقليل ساعات العمل وتوفير بيئات أكثر مرونة، إلى جانب خفض تكاليف التعليم في القطاع الخاص ورفع جودة التعليم الحكومي، يمثل عنصرًا أساسيًّا في أي استراتيجية لمواجهة هذا التحدي. فاليوم، تشير التقديرات إلى أن تعليم طفلين فقط في المدارس الخاصة قد يكلف ما بين 3000 إلى 6000 دينار سنويًّا، وهو رقم يفسر جزءًا كبيرًا من تراجع معدلات الإنجاب”.
تمكين المرأة والفجوات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف تمكين المرأة في البحرين، لم يعد الحديث مقتصرًا على حجم الإنجاز المتحقق بقدر ما بات يتجه نحو قراءة أعمق لتوازن هذا التمكين مع متطلبات الأسرة وديناميكيات الحياة الاجتماعية. فبينما حققت المرأة البحرينية حضورًا واسعًا في سوق العمل، خاصة في القطاع الحكومي والقيادي والمهني تشكر عليه الحكومة والمجلس الأعلى للمرأة، وتزايدت نسب مشاركتها خلال السنوات الخمس الماضية وفق مؤشرات المجلس، يبرز اليوم سؤال أكثر تعقيدًا حول كيفية مواءمة هذا التقدم مع احتياجات الوقت الأسري، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنجاز المهني والاستقرار العائلي ضمن معادلة أكثر توازنًا واستدامة. يُظهر تقرير المجلس الأعلى للمرأة ملامح تحوّل بنيوي واضح في سوق العمل البحريني، حيث لم تعد مشاركة المرأة استثناءً أو حضورًا داعمًا، بل أصبحت جزءًا مركزيًّا من البنية الوظيفية للدولة، مع بلوغ نسبتها 60 % في القطاع الحكومي و64 % في الوظائف التخصصية، وهي أرقام تعكس انتقالًا تدريجيًّا من مرحلة “التمكين الكمي” إلى مرحلة “الهيمنة المهنية النوعية” في قطاعات الصحة والتعليم والقانون والهندسة، وصولًا إلى مواقع قيادية وتنفيذية متقدمة. لكن في المقابل، يفتح هذا الارتفاع اللافت في المشاركة المهنية بابًا لتحليل اجتماعي أوسع يتعلق ببنية الأسرة وأنماط الإنجاب. ففي الأدبيات السوسيولوجية الحديثة، يُطرح أن دخول المرأة بقوة إلى سوق العمل، وما يرافقه من توسع في المسؤوليات المهنية والوظيفية، قد ينعكس على قرارات تكوين الأسرة وتوقيت الإنجاب، ليس من باب الامتناع، بل من باب إعادة ترتيب الأولويات وضغط الوقت اليومي وتعدد الالتزامات. فارتفاع نسب المشاركة في القطاعات التخصصية والصحية والأكاديمية، على سبيل المثال، يعني بالضرورة ساعات عمل أطول، ومسارات مهنية أكثر تنافسية، وهو ما قد يحدّ من المرونة الزمنية المتاحة داخل الحياة الأسرية. ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا يقدم بوصفه دعوة للحد من تمكين المرأة أو تقليص حضورها في سوق العمل، بل على العكس، باعتبار أن هذا التمكين أصبح واقعًا تنمويًّا راسخًا. غير أن الإشكالية المطروحة هنا تتصل بكيفية تطوير أدوات التوازن بين العمل والأسرة، عبر سياسات أكثر مرونة في إدارة الوقت، وأنظمة عمل تراعي الاحتياجات الأسرية، بما يتيح للمرأة الجمع بين دورها المهني المتقدم ودورها الأسري، دون أن يأتي أحدهما على حساب الآخر. وفي هذا السياق، يصبح النقاش الحقيقي ليس حول “تراجع التمكين”، بل حول “تطوير هندسة التمكين” بما يضمن استدامة الخصوبة الاجتماعية وتماسك البنية الأسرية في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة.
تغيير سلم الأولويات في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المجتمع البحريني، وما رافقها من تغيرات في أنماط التفكير وسلوكيات الأجيال الجديدة، يقدم الخبير التربوي والموفق الأسري ومؤسس مبادرة “القلوب الطاهرة للتزويج” سعيد حبيب قراءة ميدانية ترى أن الشباب من الجنسين باتوا يضعون أولوياتهم الشخصية في مقدمة اهتماماتهم، بما يعكس إعادة تشكيل واضحة لسلم القيم المرتبط بالزواج وتكوين الأسرة، إذ يأتي الزواج خصوصًا بالنسبة للفتيات على المستوى الثالث أو الرابع من سلم الأوليات بعد الدراسة والوظيفة والمنصب أو الدراسة العليا، وهو ما أسهم في تأخر سن الزواج لدى شريحة واسعة، الأمر الذي انعكس بدوره على تراجع معدلات الخصوبة ضمن سياق اجتماعي تتداخل فيه عوامل التعليم والعمل وتبدل أنماط الحياة.
صف شبه فارغ في نهاية هذا التحقيق، لا يبدو أن المشهد الذي بدأ بصورة معلمٍ يحدّق في صفٍ شبه فارغ هو مجرد استعارة أدبية، بل احتمال واقعي يتشكل بهدوء داخل بنية مجتمع كامل. ما بين ألبوم العائلة القديم الذي يفيض بالأبناء، وألبوم الحاضر الذي يضيق شيئًا فشيئًا، تتكشف قصة تحول لا تصرخ، لكنها تعمل ببطء منتظم تحت سطح الحياة اليومية. تتقاطع في هذه القصة العوامل الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك القرارات الفردية مع التغيرات الثقافية، فيما تظل النتيجة النهائية واحدة: انخفاض مستمر في عدد المواليد، وإعادة تشكيل تدريجية للهرم السكاني. لم يحدث ذلك بقرار، ولم يفرض بقانون، لكنه تراكم عبر سنوات طويلة من تغير أنماط العيش، والعمل، والتعليم، وتوقعات الحياة ذاتها. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن هذا التحول لم يقابل حتى الآن بوعي جمعي يعادل حجمه، فبينما تتقدم المؤشرات الديموغرافية بهدوء نحو مستقبل مختلف، لا يزال النقاش العام محصورًا غالبًا في تفاصيل جزئية، لا في الصورة الكاملة لما يعنيه مجتمع أصغر عددًا، وأكبر سنًا، وأكثر تعقيدًا في احتياجاته وتوازناته. وفي لحظة كهذه، لا يطرح التحقيق إجابات بقدر ما يترك الأسئلة مفتوحة على مستقبل لم يكتب بعد: كيف سيبدو المجتمع حين يصبح الأطفال أقل عددًا من الذاكرة نفسها؟ وكيف يمكن لوطن أن يحافظ على امتداده الطبيعي وهويته إذا استمر الزمن في تقليص حجمه السكاني بهذا الهدوء؟ بين هذه الأسئلة فقط، يتحدد شكل الفصل القادم من القصة.