حين تتحول صافرة النهاية إلى بداية العنف.. هل يهدد كأس العالم استقرار الأسرة؟
| محمد الدرازي
خلف الشاشات.. معركة أخرى تدور داخل بعض البيوت حين يتحول الشغف إلى غضب.. لماذا يدفع المقربون الثمن؟ كأس العالم بين متعة التشجيع وتحديات الاستقرار الأسري تشجيع بمسؤولية.. الطريق إلى مونديال بلا تعصب ولا عنفمع كل نسخة جديدة من كأس العالم، تنشغل الجماهير حول العالم بمتابعة المباريات، وتتزين البيوت بالأعلام والقمصان، وتمتلئ المقاهي بالمشجعين الذين يعيشون تفاصيل البطولة لحظة بلحظة.
وللوهلة الأولى، تبدو كرة القدم مجرد لعبة تمنح الملايين جرعات من الحماس والفرح والانتماء، لكنها في المقابل تفتح بابًا لنقاش اجتماعي ونفسي يتجدد مع كل بطولة كبرى: ماذا يحدث عندما تنتقل حرارة المنافسة من أرض الملعب إلى داخل المنزل؟
خلال السنوات الماضية، لم يعد الحديث عن تأثير البطولات الكبرى مقتصرًا على الجوانب الرياضية أو الاقتصادية، بل امتد إلى ملفات اجتماعية أكثر حساسية، في مقدمتها العنف الأسري.
فقد أظهرت دراسات أجريت في عدد من الدول وجود ارتفاع في بلاغات العنف المنزلي بالتزامن مع مباريات كرة القدم الكبرى، خصوصًا عند خسارة الفريق الذي يحظى بتأييد جماهيري واسع.
وبينما أثارت هذه النتائج اهتمام الباحثين، شدد المختصون في الوقت ذاته على ضرورة عدم تحميل كرة القدم مسؤولية سلوكيات هي في الأساس نتاج عوامل نفسية واجتماعية متراكمة. فالرياضة بطبيعتها لا تصنع العنف، لكنها قد تضع بعض الأشخاص أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على ضبط انفعالاتهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل البطولة العالمية سبب مباشر في تفاقم العنف الأسري، أم أنها مجرد محفز يكشف مشكلات كانت كامنة أصلاً؟ وكيف يمكن للأسرة أن تستمتع بأجواء المونديال دون أن تتحول المنافسة الرياضية إلى مصدر للتوتر والخلاف؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، التقت "البلاد" الأخصائية النفسية الإكلينيكية خديجة العويناتي والأخصائي النفسي حسن إبراهيم، اللذين قدما قراءة علمية للظاهرة، وشرحا أسبابها النفسية والسلوكية، وطرحا حلولاً عملية لحماية الأسرة خلال البطولات الرياضية الكبرى.
كرة القدم ليست المتهم.. بل مرآة تكشف ما يختبئ داخل الإنسان
ترى الأخصائية النفسية الإكلينيكية خديجة العويناتي أن الربط المباشر بين كرة القدم والعنف الأسري يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا، مؤكدة أن المباريات لا تخلق شخصًا عنيفًا، وإنما تكشف عن اضطرابات أو أنماط سلوكية كانت موجودة مسبقًا.
وتوضح أن كرة القدم تمثل "عدسة مكبرة" للمشاعر، إذ تضخم ما يختبئ داخل الإنسان من غضب أو احتقان أو صعوبة في إدارة الانفعالات، مشيرة إلى أن الشخص الذي يفتقد القدرة على تنظيم مشاعره قد يجد في نتيجة المباراة الشرارة التي تشعل غضبه.
وتلفت إلى أن ما يعرف في علم النفس بـ"انتقال التهيج" يعد أحد التفسيرات المهمة لهذه الظاهرة، إذ يعيش المشجع أثناء المباراة حالة من الاستثارة الجسدية والنفسية ترتفع معها معدلات الأدرينالين ونبضات القلب، ولا تزول هذه الحالة بمجرد إطلاق صافرة النهاية، بل تستمر لفترة قد يتحول خلالها أي موقف بسيط داخل المنزل إلى سبب لانفجار الغضب.
وتضيف أن بعض المشجعين يدخلون في حالة من الاندماج الكامل مع الفريق الذي يشجعونه، حتى تصبح نتيجة المباراة انعكاسًا لقيمتهم الشخصية، فيتعاملون مع الخسارة كما لو كانت إهانة لهم، وهو ما يجعل ردود أفعالهم أكثر حدة.
ويتفق معها الأخصائي النفسي حسن إبراهيم، الذي يؤكد أن البطولات الرياضية ليست سببًا مباشرًا للعنف، وإنما تعمل كمحفز قوي لاضطرابات قائمة مسبقًا داخل الشخصية أو الأسرة.
ويشير إلى أن نظرية الإحباط والعدوان تفسر جانبًا كبيرًا من هذه السلوكيات، إذ إن خيبة الأمل الناتجة عن خسارة الفريق قد تتحول إلى عدوان تجاه الأشخاص الأقرب للمشجع إذا كان يفتقد مهارات التحكم في مشاعره.
كما يلفت إلى مفهوم انتقال الإثارة العاطفية، موضحًا أن الجسم يبقى في حالة استنفار حتى بعد انتهاء المباراة، ولذلك فإن أي نقاش عائلي أو طلب بسيط قد يتحول إلى مواجهة حادة، ليس بسبب الموقف نفسه، وإنما بسبب استمرار الشحن الانفعالي. ويؤكد أن الدراسات تشير إلى أن ارتفاع الانفعالات لا يقتصر على الخسارة فقط، إذ قد ترتفع مستويات العدوان حتى بعد الفوز نتيجة الاستثارة المفرطة، وإن كانت نسب العنف تبقى أعلى عقب الهزائم.
حين تتحول الهواية إلى هوية.. لماذا يفقد البعض السيطرة؟
يرى المتخصصون أن ردود الفعل العنيفة لا ترتبط بنتيجة المباراة وحدها، بل تتشكل من مجموعة عوامل نفسية وسلوكية تتفاعل مع بعضها البعض، لتصنع ما يشبه "العاصفة الكاملة". فالمشكلة لا تكمن في خسارة فريق أو فوز آخر، وإنما في الكيفية التي يتعامل بها الشخص مع مشاعره، ومدى قدرته على الفصل بين المنافسة الرياضية وحياته الأسرية.
وتوضح الأخصائية النفسية الإكلينيكية خديجة العويناتي أن أخطر أشكال التعصب الرياضي هو ذلك الذي يتحول فيه الفريق إلى امتداد لهوية الإنسان وشخصيته، بحيث يصبح الفوز انتصارًا شخصيًا، بينما تُفسَّر الهزيمة على أنها انتقاص من قيمته أو رجولته. وعندما يصل التشجيع إلى هذه المرحلة، يصبح الشخص أكثر عرضة للانفعال الشديد، لأنه لم يعد ينظر إلى المباراة باعتبارها لعبة، بل معركة تمس مكانته الذاتية.
وتضيف أن الضغوط النفسية المتراكمة تلعب دورًا لا يقل أهمية، فهناك أشخاص يدخلون أجواء البطولة وهم مثقلون بمشكلات العمل أو الضغوط المالية أو الخلافات الاجتماعية، فتتحول المباراة إلى متنفس وحيد للتنفيس عن تلك الضغوط. وعندما لا تأتي النتيجة كما يشتهون، ينفجر الغضب في المكان الأكثر قربًا، وهو المنزل.
وتلفت العويناتي إلى أن المجتمعات الخليجية تختلف في بعض تفاصيلها عن المجتمعات الغربية، إذ إن استهلاك الكحول ليس العامل الأكثر انتشارًا كما تشير إليه كثير من الدراسات الدولية، إلا أن هناك عوامل أخرى تؤدي تأثيرًا مشابهًا، مثل السهر لساعات طويلة، وقلة النوم، والإرهاق الجسدي، والإفراط في تناول المنبهات والكافيين، وهي جميعها تضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، وتخفض قدرة الإنسان على ضبط انفعالاته.
وترى أن العنف لا يبدأ دائمًا بالاعتداء الجسدي، بل غالبًا ما يبدأ بسلسلة من السلوكيات المؤذية، مثل الصراخ، والإهانات، وإلقاء اللوم على الزوجة أو الأبناء، ثم يتطور إلى التجاهل والإهمال العاطفي، وقد يصل في بعض الحالات إلى الاعتداء الجسدي. وعندها تتحول الأسرة من مساحة للأمان إلى بيئة يسودها الخوف والترقب، فيعيش الأبناء والزوجة حالة من الحذر الدائم خشية إثارة غضب رب الأسرة.
ومن جانبه، يؤكد الأخصائي النفسي حسن إبراهيم أن ما يُعرف في علم النفس بـ"اندماج الهوية مع الفريق" يعد من أبرز عوامل الخطورة، إذ يربط بعض المشجعين تقديرهم لأنفسهم بنتائج الفريق الذي يشجعونه، فتتحول الخسارة الرياضية في أذهانهم إلى تهديد مباشر لكرامتهم، الأمر الذي يفسر ردود الأفعال غير المنطقية التي قد تصاحب بعض المباريات.
ويضيف أن الضغوط الحياتية تجعل كثيرًا من الأشخاص يعتبرون المباريات وسيلة للهروب من أعباء الواقع، لكن عندما تتحول المباراة نفسها إلى مصدر جديد للإحباط، فإن هذا الإحباط يجد طريقه إلى داخل الأسرة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في إدارة الغضب.
كما يشير إلى أن المراهنات، في الدول التي تنتشر فيها، تضيف بعدًا آخر أكثر خطورة، إذ تتحول الخسارة من مجرد إحباط رياضي إلى خسارة مالية تمس دخل الأسرة واستقرارها، بينما يؤدي تعاطي الكحول أو المواد المؤثرة على المزاج إلى إضعاف قدرة الدماغ على كبح السلوك العدواني، وهو ما يزيد احتمالات وقوع العنف.
ويحذر إبراهيم من أن الضحية لا تقتصر على الزوجة فقط، بل تمتد إلى الأطفال الذين يعيشون أجواء من القلق والترقب، الأمر الذي ينعكس سلبًا على نموهم النفسي وشعورهم بالأمان، وقد يترك آثارًا تستمر معهم لسنوات طويلة.
البحرين.. غياب الأرقام لا يعني غياب الظاهرة
ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية في البحرين أو دول الخليج تربط بصورة مباشرة بين البطولات الرياضية وارتفاع حالات العنف الأسري، فإن الأخصائيين يؤكدون أن الواقع المهني يكشف مؤشرات تستحق التوقف عندها.
وتقول خديجة العويناتي إن كثيرًا من الحالات التي تستقبلها العيادات النفسية لا تذكر كأس العالم باعتباره سببًا مباشرًا للمشكلة، إلا أن تتبع التسلسل الزمني للأحداث يكشف في أحيان كثيرة أن حدة الخلافات الزوجية ارتفعت خلال البطولات الكبرى، نتيجة السهر الطويل، والانشغال المستمر بالمباريات، وازدياد التوتر والانفعال داخل المنزل.
وتشير إلى أن عدداً من الزوجات يصفن شعورهن بأن المباريات "اختطفت" أزواجهن طوال فترة البطولة، حيث يصبح الزوج إما شديد الانعزال، أو سريع الانفعال، وهو ما يزيد من فرص الاحتكاك اليومي داخل الأسرة، لافتة إلى أنها لاحظت أيضًا تصاعدًا في النزاعات الأسرية وطلبات الاستشارة بعد انتهاء البطولات، وكأن الضغوط التي تراكمت طوال أسابيع المنافسات كانت القشة التي قصمت ظهر العلاقة الزوجية.
أما حسن إبراهيم، فيؤكد ضرورة التمييز بين غياب الإحصاءات الرسمية ووجود الملاحظات المهنية، موضحًا أن الواقع العيادي لا يشير إلى موجة عنف جسدي ممنهجة سببها المباريات، لكنه يرصد ارتفاعًا في المشاحنات الأسرية، والخلافات المتعلقة بإهمال المسؤوليات المنزلية، وقضاء ساعات طويلة خارج المنزل أو أمام الشاشات، وهو ما يضاعف شعور الزوجة بالضغط ويزيد الاحتقان داخل الأسرة.
ويضيف أن الأشخاص الذين يعانون أصلًا اضطرابات مزاجية أو ضعفًا في إدارة الغضب يصبحون أكثر عرضة للانفعال خلال البطولات الرياضية، ما يجعل هذه المواسم بيئة خصبة لتصاعد الخلافات إن لم تكن هناك قدرة على ضبط الانفعالات وإدارة الضغوط.
التشجيع مسؤولية.. كيف تحافظ الأسرة على متعة المونديال؟
ورغم أن البطولات الكبرى تصنع أجواءً استثنائية داخل المنازل، فإن الخبراء يؤكدون أن الاستمتاع بها لا يتعارض مطلقًا مع الحفاظ على الاستقرار الأسري، بل إن البطولة يمكن أن تتحول إلى فرصة لتعزيز الترابط العائلي إذا أحسن الجميع إدارة مشاعرهم وتنظيم أوقاتهم.
وتؤكد الأخصائية النفسية الإكلينيكية خديجة العويناتي أن البداية تكمن في ما تصفه بـ"ميثاق الشرف العائلي"، وهو اتفاق بسيط يسبق انطلاق البطولة، يجلس خلاله أفراد الأسرة لتحديد آلية مشاهدة المباريات، وتقسيم المسؤوليات المنزلية، والاتفاق على احترام الجميع مهما كانت نتائج اللقاءات.
وترى أن مثل هذه الاتفاقات المسبقة تزيل كثيرًا من أسباب الخلاف، وتؤسس لأجواء يسودها الاحترام والتفاهم، بدلاً من ترك الانفعالات تتحكم في تصرفات أفراد الأسرة خلال المباريات.
وتضيف أن من المهم أيضًا منح المشجع مساحة خاصة إذا كان يدرك أن انفعالاته ترتفع أثناء اللقاءات، سواء بمشاهدة المباراة مع الأصدقاء أو في مكان هادئ بعيدًا عن أجواء الأسرة، على أن يكون ذلك بتفاهم واحترام متبادل، وليس باعتباره عزلة أو هروبًا من المسؤوليات.
وتشدد العويناتي على أهمية ما تسميه "قاعدة الدقائق الخمس" بعد نهاية المباراة، معتبرة أنها من أكثر الوسائل فعالية في منع انتقال التوتر إلى المنزل. وتنصح بعدم فتح أي نقاشات أسرية أو اتخاذ قرارات مهمة مباشرة بعد صافرة النهاية، لأن الجهاز العصبي لا يكون قد عاد إلى حالته الطبيعية بعد.
وتقول إن استغلال هذه الدقائق في الوضوء أو الصلاة أو المشي أو أي نشاط هادئ يساعد على تفريغ الشحنة الانفعالية، ويمنع تحول الإحباط الرياضي إلى خلاف عائلي لا مبرر له.
كما تدعو إلى تحويل الطاقة السلبية إلى نشاط بدني إيجابي، مثل ممارسة الرياضة أو المشي، لما لذلك من دور في خفض مستويات الأدرينالين واستعادة التوازن النفسي.
وفي المقابل، ترى أن لحظات الفرح يمكن أن تتحول إلى ذكريات أسرية جميلة، من خلال إعداد وجبات مشتركة، أو ارتداء قمصان الفريق المفضل، أو مشاهدة المباريات في أجواء مليئة بالضحك والمشاركة، بحيث تصبح البطولة مناسبة لتعزيز الروابط العائلية بدلاً من إضعافها.
من جانبه، يقدم الأخصائي النفسي حسن إبراهيم مجموعة من الإرشادات التي ترتكز على مهارات العلاج السلوكي المعرفي وتنظيم الانفعالات، مؤكدًا أن الخطوة الأولى تتمثل في ترسيخ مفهوم "التشجيع الواعي"، أي تذكير النفس باستمرار بأن كرة القدم وسيلة للترفيه، وأن نتيجة المباراة لن تغير واقع الحياة أو المسؤوليات اليومية.
ويشير إلى أن المشجع ينبغي أن يراقب المؤشرات الأولى لتصاعد الغضب، مثل تسارع نبضات القلب أو ضيق التنفس أو التوتر الشديد، وعندها يكون الانسحاب المؤقت من أجواء المباراة، وأخذ أنفاس عميقة أو غسل الوجه بالماء البارد، وسيلة فعالة لاستعادة السيطرة على المشاعر قبل أن تتحول إلى ردود فعل مؤذية.
كما يدعو الوالدين إلى استثمار المباريات في تربية الأبناء على تقبل الفوز والخسارة بروح رياضية، لأن الأطفال يتعلمون من سلوك آبائهم أكثر مما يتعلمون من الكلمات. فإذا شاهد الطفل والده يتقبل الهزيمة بهدوء، فسيتعلم أن الخسارة جزء طبيعي من الحياة، أما إذا ارتبطت الهزيمة بالصراخ أو الاعتداء، فإن ذلك يرسخ لديه أن العنف وسيلة مقبولة للتعبير عن الإحباط.
ويرى إبراهيم أن تحويل مشاهدة المباريات إلى نشاط عائلي، من خلال إعداد الطعام أو تنظيم مسابقات ترفيهية بسيطة بين أفراد الأسرة بعيدًا عن أي رهانات مادية، يسهم في كسر حدة التعصب، ويجعل البطولة مناسبة اجتماعية تعزز التقارب بين أفراد العائلة.
مسؤولية تبدأ من الملعب.. وتنتهي داخل كل منزل
ولا يحمّل المختصون الأسرة وحدها مسؤولية الحد من التعصب الرياضي، بل يؤكدون أن المؤسسات الرياضية والإعلامية تمتلك دورًا محوريًا في تشكيل وعي الجماهير، باعتبارها الأكثر تأثيرًا في سلوك المشجعين.
وترى خديجة العويناتي أن الاتحادات والأندية مطالبة بتوسيع دورها المجتمعي، بحيث لا يقتصر على تنظيم البطولات، وإنما يمتد إلى إطلاق حملات توعوية قبل كل حدث رياضي كبير، تركز على مفاهيم التشجيع المسؤول وإدارة الغضب واحترام الأسرة.
وتشير إلى أن نجوم كرة القدم يمتلكون تأثيرًا استثنائيًا على الجماهير، ويمكن لرسائل قصيرة منهم تدعو إلى احترام أفراد الأسرة ونبذ العنف أن تحقق أثرًا يفوق عشرات المحاضرات والندوات، لأن المشجعين يتأثرون بسلوك اللاعبين الذين يعتبرونهم قدوة.
كما تدعو إلى تبني الإعلام الرياضي خطابًا أكثر اتزانًا، يبتعد عن الإثارة المفرطة ولغة الاستفزاز، ويمنح مساحة أكبر للخبراء النفسيين والاجتماعيين لتفسير السلوكيات المرتبطة بالتعصب الرياضي، بما يعزز الوعي المجتمعي ويحد من الانفعالات السلبية.
ويتفق معها حسن إبراهيم، الذي يؤكد أن بعض وسائل الإعلام، بقصد أو دون قصد، تسهم في رفع مستويات الاحتقان عندما تقدم المباريات على أنها معارك مصيرية، أو تستخدم لغة تقوم على التجييش والاستقطاب. ويرى أن المطلوب هو خطاب إعلامي يركز على القيم الرياضية، واحترام المنافس، والاستمتاع باللعبة، بعيدًا عن تصوير الفوز والهزيمة وكأنهما معيار للكرامة أو القيمة الشخصية.
كما يدعو إلى شراكات بين الاتحادات الرياضية والمؤسسات النفسية والجمعيات الأسرية لإطلاق حملات توعوية تحت شعارات تعزز التشجيع الإيجابي، إلى جانب تنظيم مناطق مشاهدة عائلية توفر بيئة آمنة ومنضبطة، تسهم في نشر ثقافة الرياضة باعتبارها وسيلة للتقارب الاجتماعي، لا سببًا للانقسام أو العنف.
الرياضة تجمع القلوب.. والعنف يفرقها
في النهاية، تبقى كرة القدم واحدة من أجمل اللغات التي توحد الشعوب، وتصنع لحظات لا تُنسى من الفرح والانتماء. لكنها، كما يؤكد المختصون، لا تتحمل مسؤولية السلوك العدواني الذي قد يصدر عن بعض الأفراد، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف إدارة الغضب، والتعصب المفرط، والضغوط النفسية التي تبحث عن منفذ للتفريغ.
ورغم أن الدراسات العالمية رصدت ارتفاعًا في معدلات بلاغات العنف الأسري خلال بعض البطولات الكبرى، فإنها في الوقت نفسه تشير إلى أن المباريات ليست سوى عامل محفز يكشف هشاشة موجودة مسبقًا، وليست سببًا يصنع العنف من العدم.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الأسرة، ودور الإعلام، ومسؤولية المؤسسات الرياضية، في ترسيخ ثقافة تؤكد أن الفوز الحقيقي لا يقاس بعدد الأهداف أو الكؤوس، بل بقدرة الإنسان على العودة إلى منزله محافظًا على هدوئه، واحترامه لمن يحب، وإدراكه أن أجمل انتصار يمكن أن يحققه أي مشجع هو أن تنتهي المباراة... وتبقى الأسرة آمنة ومتماسكة.