Saving Mr. Banks.. حين يصبح فيلم ديزني رسالة غفران لطفولة لم تلتئم

| طارق البحار

قد يبدو فيلم Saving Mr. Banks للمخرج الأميركي جون لي هانكوك، الصادر عام 2013، وكأنه يحكي فقط كواليس تحويل رواية “ماري بوبينز” إلى فيلم من إنتاج ديزني، لكنه في جوهره يروي قصة أكثر إنسانية وعمقًا؛ قصة امرأة تحاول حماية ذكرياتها قبل أن تحمي كتابها.

يستعرض الفيلم المرحلة التي سبقت موافقة الكاتبة البريطانية باميلا ليندون ترافرز على منح استوديوهات ديزني حقوق تحويل روايتها الشهيرة إلى عمل سينمائي. وبينما تبدو في البداية متشددة في كل تفصيلة وترفض أي تعديل على نصها، يكشف الفيلم تدريجيًا أن معركتها لم تكن دفاعًا عن رواية بقدر ما كانت دفاعًا عن ماضٍ شخصي لا تزال جراحه مفتوحة.

من خلال سلسلة من الاسترجاعات، يرسم الفيلم صورة مؤثرة لعلاقة باميلا بوالدها؛ الرجل الذي منحها خيالًا واسعًا وأشعل في داخلها حب الحكايات، لكنه في الوقت نفسه كان أسير الإدمان والفشل، لتنتهي حياته تاركًا في قلب ابنته شعورًا دائمًا بالعجز عن إنقاذه. تلك الندبة تحولت لاحقًا إلى وقود لإبداعها، حتى إنها احتفظت باسمه في اسمها الأدبي، وكأنها أرادت أن تمنحه حياة أخرى لا يستطيع الزمن انتزاعها.

ويقدم الفيلم قراءة مختلفة لشخصية "ماري بوبينز"، إذ لا تبدو مجرد مربية جاءت لإنقاذ الأطفال، بل رمزًا لمحاولة أخيرة لإنقاذ الأب الذي لم تستطع الحياة أن تمنحه نهاية سعيدة، فتكفلت بها المخيلة والأدب.

في المقابل، لا يغفل الفيلم أثر الأم، التي مثلت الوجه الآخر للحياة؛ امرأة أنهكها الواقع وحاولت النجاة وسط الانكسارات، لتنشأ باميلا بين أب يفتح لها أبواب الخيال وأم تذكرها دائمًا بقسوة الحقيقة. ومن هذا التناقض ولدت الكاتبة التي عرفت كيف توازن بين الحلم والألم.

أما شخصية والت ديزني، فلا تظهر كرجل أعمال يسعى للحصول على حقوق رواية ناجحة، بل كشخص يدرك أن بعض القصص لا تُباع، لأنها مرتبطة بأشخاص رحلوا وبذكريات يخشى أصحابها فقدانها مرة أخرى. لذلك اختار الإصغاء بدل المواجهة، والتفهم بدل الإقناع، حتى وصلت باميلا بنفسها إلى المصالحة مع ماضيها.

ينجح Saving Mr. Banks تقديم مفهوم مختلف للغفران، ليس بوصفه نسيانًا أو تبريرًا للأخطاء، بل باعتباره تصالحًا مع الماضي وإدراكًا أن الآباء، مثل أبنائهم، عاشوا هم أيضًا تحت وطأة الخيبات والضعف.

لهذا يبقى Saving Mr. Banks  أكثر من فيلم عن ولادة ماري بوبينز، إنه تأمل صادق في معنى الغفران، وفي الأثر الذي يتركه الآباء في أبنائهم، وفي قدرة السينما على تحويل الذكريات المؤلمة إلى تجربة إنسانية تمس كل من يشاهدها.