الفائز بالنخلة الذهبية للفيلم الخليجي الروائي الطويل

"إركالا كلكامش" فيلم عراقي يمزج الأسطورة بواقع الطفولة المنسية

| طارق البحار

يقدّم فيلم "إيركالا: حلم جلجامش" للمخرج العراقي محمد جبارة الدراجي والفائز بالنخلة الذهبية للفيلم الخليجي الروائي الطويل، تجربة سينمائية آسرة ضمن الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان افلام السعودية 12، تمزج بين الخيال المستلهم من الأساطير العراقية القديمة والواقع القاسي الذي يعيشه أطفال الشوارع في بغداد. ورغم حضوره البصري المفعم بالأحلام والرموز، فإن الفيلم لا يبتعد لحظة عن حقيقة الحرب والفقر والفقد.

الفيلم الذي شاهدته عدة مرات في مهرجانات دولية مختلفة، لم يمنعني ذلك التمتع مجددا من مشاهدة بطل الفيلم الطفل المشرد “شم شم” مجددا، وهو الذي يعيش وسط مدينة أنهكتها النيران والخراب، ويتمسك بحلم يبدو مستحيلاً؛ إذ يؤمن بأن دخوله إلى عالم “إيركالا” الأسطوري قد يمنحه فرصة لإعادة والديه إلى الحياة. وبين الرؤى الأسطورية وقسوة الواقع، تتحول رحلته إلى محاولة للتمسك بالأمل في عالم لا يمنح الأطفال سوى الخسارات.

إلى جانبه يظهر “مودي”، الصديق الأكبر سناً، الذي يسعى للهروب من بغداد مهما كانت المخاطر، بينما ترافقهما “مريم”، وهي معلمة وسائقة حافلة تحمل جراحها الخاصة بعد سنوات من العنف، لتجد نفسها تؤدي دور الأم البديلة لهذين الطفلين.

يعتمد الفيلم على إيقاع هادئ في بعض مشاهده، قبل أن ينقلب فجأة إلى لحظات مشحونة بالألم والتوتر، في رحلة عاطفية تجعل المشاهد يعيش حالة دائمة من الترقب، متشبثاً بالأمل رغم إدراكه لحجم المأساة التي تحيط بالشخصيات.

ويبرز الأداء التمثيلي كأحد أهم عناصر القوة في العمل، حيث يقدم يوسف هشام الذهبي وحسين رعد زويعر أداءً مؤثراً يتسم بالصدق والعفوية، فيما ينجح المخرج محمد جبارة الدراجي في تقديم رؤية إنسانية تنبع من ذاكرة العراق المثقلة بالحروب، لتبدو أحداث الفيلم أقرب إلى شهادة حية منها إلى عمل روائي.

لا يكتفي إيركالا: حلم جلجامش بسرد حكاية عن أطفال مشردين، بل يطرح تأملاً عميقاً في قدرة الخيال على مقاومة اليأس، وفي أهمية الرحمة والتعاطف لكسر دوائر العنف. إنه فيلم مؤلم وجميل في آنٍ واحد، يترك أثراً إنسانياً عميقاً، ويؤكد أن الأمل، مهما بدا هشاً، يظل قادراً على البقاء، برافو الدراجي!