كيف ستعيد الجغرافيا السياسية رسم خريطة النمو والتضخم وأسواق الطاقة حتى العام 2028؟
| المحرر الاقتصادي
الاقتصاد العالمي يتجه إلى نمو يتراوح بين 3.1 % و3.2 % حتى 2027 على رغم تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية التضخم العالمي يستقر قرب 4.4 % مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن أسعار النفط مرشحة للتداول بين 80 و100 دولار للبرميل وسط سيناريوهات متباينة حتى 2028
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر آثارها على حدود الدول المتحاربة، بل أصبحت تمتد بسرعة إلى الأسواق المالية العالمية، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة الدولية. وقد أعاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران خلال العام 2026 تسليط الضوء على حقيقة باتت راسخة في الاقتصاد العالمي، وهي أن الاستقرار الجيوسياسي أصبح أحد أهم محددات النمو الاقتصادي العالمي. وعلى الرغم من أن المواجهة العسكرية لم تتحول إلى حرب إقليمية شاملة، فإن الأسواق استجابت منذ الساعات الأولى بارتفاع أسعار النفط والذهب، وزيادة تكاليف التأمين البحري، وتقلبات حادة في أسواق الأسهم والعملات. ويعكس ذلك حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب في منطقة الخليج العربي، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، ويعبر عبرها جزء كبير من تجارة النفط المنقولة بحرًا عبر مضيق هرمز. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية، حتى إن لم تؤدِّ إلى توقف الإنتاج النفطي، يرفع مستوى عدم اليقين لدى المستثمرين ويؤخر قرارات الاستثمار والتوسع الصناعي، وهو ما ينعكس تدريجيًا على معدلات النمو العالمية. توقعات النمو العالمي بين التعافي والحذر وفقًا لأحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا يقارب 3.1 % خلال العام 2026، مع تحسن طفيف إلى نحو 3.2 % في العام 2027، وذلك في السيناريو الأساسي الذي يفترض عدم حدوث اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة أو التجارة العالمية. وعلى الرغم من أن هذه المعدلات تبدو مستقرة مقارنة بالسنوات السابقة، فإنها تظل أقل من متوسط النمو العالمي قبل جائحة كورونا، الذي كان يدور حول 3.7 % و3.8 %. ويعكس هذا التراجع تأثير مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها استمرار أسعار الفائدة المرتفعة في عدد من الاقتصادات الكبرى، وارتفاع مستويات الدين العام، إضافة إلى التوترات التجارية والجيوسياسية. ويرى خبراء الاقتصاد أن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى مراجعة هذه التوقعات نحو الأسفل، خصوصا إذا تسبب في ارتفاع طويل الأمد لأسعار النفط أو تعطل حركة التجارة البحرية. وفي المقابل، فإن استقرار الأوضاع السياسية وعودة أسواق الطاقة إلى التوازن قد يسمحان بتحسن تدريجي في النمو خلال السنوات اللاحقة. أما بالنسبة للعام 2028، فلا توجد حتى الآن توقعات رسمية موحدة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي تغطي هذا العام في ظل استمرار حالة عدم اليقين، ولذلك فإن أي تقديرات متداولة تُعد سيناريوهات تحليلية وليست توقعات رسمية.
التضخم العالمي.. معركة لم تنتهِ بعد كان العام 2024 وبداية 2025 يشهدان مؤشرات إيجابية على تراجع التضخم في العديد من الاقتصادات المتقدمة، إلا أن التوترات العسكرية أعادت المخاوف من موجة تضخمية جديدة، فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتصنيع، ثم ينتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والخدمات والسلع الاستهلاكية. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم العالمي قد يبلغ نحو 4.4 % في العام 2026، مع توقع تراجعه تدريجيًا في 2027 إذا استقرت أسواق الطاقة. غير أن هذه التوقعات تعتمد على فرضية عدم حدوث تعطيل واسع في صادرات النفط أو الغاز. وتواجه البنوك المركزية معضلة حقيقية؛ فمن جهة، يتطلب التضخم المرتفع الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو خفضها بوتيرة بطيئة، ومن جهة أخرى فإن استمرار التشديد النقدي فترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة. ولهذا السبب يتوقع كثير من المحللين أن تكون السياسة النقدية خلال 2026 و2027 أكثر حذرًا، مع اعتماد قرارات أسعار الفائدة على تطورات أسواق الطاقة والبيانات الاقتصادية الشهرية.
أسعار النفط.. العامل الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي لا يزال النفط يمثل المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي، على الرغم من التوسع في مصادر الطاقة المتجددة. ويزداد هذا التأثير عندما تكون التوترات في منطقة الخليج العربي، إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط البحرية العالمية. وقد شهدت أسعار خام برنت ارتفاعات ملحوظة عقب تصاعد التوترات، مدفوعة بمخاوف المستثمرين من احتمال تعطل الإمدادات أو زيادة تكاليف النقل والتأمين. وتشير السيناريوهات الأساسية إلى أن متوسط سعر النفط قد يبقى في نطاق يتراوح بين 80 و90 دولارًا للبرميل خلال العام 2026 إذا استمرت الأوضاع الحالية دون تصعيد كبير. لكن السيناريو الأكثر تشددًا يشير إلى إمكان تجاوز الأسعار حاجز 100 دولار للبرميل في حال حدوث اضطرابات واسعة في حركة الملاحة أو تراجع صادرات النفط من المنطقة. وفي المقابل، فإن التوصل إلى تفاهمات سياسية واستمرار الإنتاج عند مستوياته الطبيعية قد يدفع الأسعار إلى الاستقرار تدريجيًا خلال 2027. ويؤكد خبراء الطاقة أن الأسواق أصبحت تتفاعل مع الأخبار الجيوسياسية بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وهو ما يجعل أسعار النفط أكثر تقلبًا حتى في غياب نقص فعلي في الإمدادات.
الغاز الطبيعي وأمن الطاقة لم يعد النفط وحده محور الاهتمام العالمي، إذ أصبح الغاز الطبيعي عنصرًا أساسيًا في أمن الطاقة، خصوصا بالنسبة لأوروبا وآسيا. وقد دفعت الأزمات المتكررة العديد من الدول إلى تسريع استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال، وتنويع مصادر الاستيراد، وتقليل الاعتماد على مورد واحد. كما تواصل الحكومات الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ليس فقط لأسباب بيئية، وإنما أيضًا لتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل تأثير الصدمات الجيوسياسية في أسواق الطاقة. الشحن البحري وسلاسل الإمداد تمثل منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر شريانًا رئيسًا للتجارة العالمية، ولذلك فإن أي توتر أمني ينعكس مباشرة على حركة الشحن البحري. وخلال فترات التصعيد، ترتفع أقساط التأمين على السفن، وتزداد تكاليف النقل، كما تضطر بعض الشركات إلى اختيار مسارات بحرية أطول وأكثر تكلفة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة زمن وصول البضائع وارتفاع أسعار السلع النهائية في الأسواق العالمية، وهو ما يعيد إلى الأذهان الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا. وعلى الرغم من أن شركات الشحن الكبرى نجحت في التكيف مع كثير من التحديات، فإن استمرار التوترات فترة طويلة قد يفرض ضغوطًا إضافية على التجارة العالمية، خصوصا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بشكل كبير على الواردات من آسيا أو صادرات الطاقة من الخليج. وتشير معظم التقديرات إلى أن استقرار الملاحة البحرية سيكون عاملًا حاسمًا في استعادة الثقة بالاقتصاد العالمي خلال العامين المقبلين، إذ إن انخفاض تكاليف الشحن يسهم في تخفيف الضغوط التضخمية وتحسين تدفقات التجارة والاستثمار. اقتصادات الخليج بين مكاسب أسعار النفط وتسارع التنويع الاقتصادي تعد دول مجلس التعاون الخليجي من أكثر الاقتصادات تأثرًا بالتغيرات في أسواق النفط العالمية، سواء إيجابا أو سلبا، فمن ناحية، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الإيرادات الحكومية وتحسن الفوائض المالية، وهو ما يمنح الحكومات مساحة أكبر لتمويل المشاريع التنموية والاستثمار في البنية التحتية، وتسريع تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن اقتصادات الخليج ستحافظ على معدلات نمو إيجابية خلال العامين 2026 و2027، مدعومة بارتفاع الاستثمارات الحكومية، ونمو القطاعات غير النفطية، وزيادة الإنفاق على السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، إلا أن المؤسسات الدولية تؤكد في الوقت نفسه أن استمرار الاعتماد على العائدات النفطية يجعل اقتصادات المنطقة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وتبرز المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر كأبرز المستفيدين من ارتفاع أسعار الطاقة، بفضل امتلاكها احتياطيات مالية كبيرة، وسياسات اقتصادية تستهدف تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط. وفي المقابل، تظل الدول ذات الموارد المحدودة أكثر حساسية لارتفاع تكاليف الاستيراد وأسعار الغذاء والطاقة. ولا تقتصر المكاسب على زيادة الإيرادات النفطية، بل تمتد إلى ارتفاع الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة والصناعات التحويلية والموانئ والخدمات اللوجستية، إذ تسعى الشركات العالمية إلى تعزيز وجودها في منطقة تتمتع بموقع استراتيجي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
الشرق الأوسط.. تفاوت في التأثير الاقتصادي تختلف تداعيات النزاع من دولة إلى أخرى داخل الشرق الأوسط، تبعًا لهيكل الاقتصاد ومستوى الاعتماد على الطاقة والتجارة الخارجية، فالدول المصدرة للنفط قد تستفيد من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، بينما تواجه الدول المستوردة للطاقة ضغوطًا مزدوجة تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات وزيادة معدلات التضخم، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الموازنات العامة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. كما تؤثر التوترات الأمنية في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ يفضل المستثمرون عادة الأسواق المستقرة سياسيًا. ومع ذلك، أثبتت بعض اقتصادات الخليج خلال السنوات الأخيرة قدرتها على الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية بفضل الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال. التجارة العالمية أمام اختبار جديد تُعد التجارة الدولية من أكثر القطاعات حساسية للأزمات الجيوسياسية، فكلما ارتفعت المخاطر الأمنية، زادت تكاليف النقل والتأمين، وانخفضت كفاءة سلاسل الإمداد. وقد دفعت الأحداث الأخيرة العديد من الشركات العالمية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها اللوجستية، عبر تنويع الموردين، وتقليل الاعتماد على مسار واحد لنقل البضائع، وإنشاء مراكز إنتاج أقرب إلى الأسواق المستهدفة. ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى تغيرات هيكلية في التجارة العالمية، مع زيادة الاستثمار في الموانئ، والمناطق الحرة، وسلاسل الإمداد الذكية.
الأسواق المالية.. تقلبات تعكس حجم المخاطر عادة ما تكون الأسواق المالية أول من يتفاعل مع الأزمات السياسية والعسكرية، ففي أوقات عدم اليقين، يتجه المستثمرون إلى تقليل المخاطر والبحث عن الأصول الآمنة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الذهب والسندات الحكومية، في حين تتعرض أسواق الأسهم لضغوط بيعية، خصوصا في القطاعات الأكثر ارتباطًا بالنمو الاقتصادي. وفي المقابل، تستفيد شركات الطاقة والدفاع وبعض شركات الشحن من ارتفاع الطلب على خدماتها، بينما تواجه شركات الطيران والصناعة ضغوطًا ناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل. أما الدولار الأميركي فيستفيد غالبًا من دوره كعملة احتياطية عالمية، إذ يزداد الطلب عليه خلال فترات الاضطراب، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على عملات الأسواق الناشئة.
الاستثمار في الطاقة المتجددة على الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يوفر مكاسب للدول المنتجة، فإنه في الوقت نفسه يعزز الجدوى الاقتصادية لمشروعات الطاقة المتجددة، فكلما ارتفعت تكلفة الوقود الأحفوري، أصبحت الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر أكثر تنافسية. ولهذا يتوقع خبراء الطاقة استمرار زيادة الإنفاق العالمي على مشاريع التحول الطاقي، ليس فقط لتحقيق أهداف المناخ، وإنما أيضًا لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على المناطق الجغرافية المعرضة للتوترات.
قراءة مستقبلية حتى العام 2028 إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، فمن المرجح أن يشهد الاقتصاد العالمي تحسنًا تدريجيًا في معدلات النمو، مع انخفاض التضخم واستقرار أسعار الطاقة والشحن. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز التجارة العالمية، وزيادة الاستثمارات، وتحسن ثقة الأسواق. أما إذا استمرت التوترات أو تجددت متكررةً، فمن المتوقع أن يبقى الاقتصاد العالمي في حالة من النمو البطيء، مع استمرار تقلب أسعار النفط، وارتفاع تكاليف النقل، وتباطؤ الاستثمارات، وهو ما سيؤثر مباشرة في الاقتصادات الناشئة والدول الأكثر اعتمادًا على الواردات. وفي جميع الأحوال يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد تحولًا متسارعًا نحو تنويع مصادر الطاقة، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، وزيادة الاستثمار في التقنيات الحديثة، وهي اتجاهات بدأت بالفعل قبل الأزمة، لكنها اكتسبت زخمًا أكبر نتيجة التطورات الجيوسياسية.