كيف بنى مايكل ديل إمبراطورية التكنولوجيا العالمية؟
| طارق البحار
لعل أصدق ما يلخص قصة الصعود المذهلة لعملاق قطاع الحواسيب الشخصية، هو ما قاله بنفسه يومًا: “ربما كان إصرار والديّ على أن أتوقف عما أفعله هو السبب الحقيقي وراء تأسيس هذه الشركة”. فمن رحم تلك المقاومة العائلية المحبة، ولد هذا الكيان التكنولوجي المهول. تبدأ الحكاية في مدينة هيوستن بولاية تكساس، حين استقبلت عائلة مكونة من طبيب تقويم أسنان ومستشارة مالية ووسيطة بورصة، مولودها مايكل سول ديل في الثالث والعشرين من فبراير لعام 1965. منذ نعومة أظفاره، أظهر الصغير شغفًا مزدوجًا بالمال والإلكترونيات، وكان يتعجل دمج هذين العالمين، لدرجة أنه تقدم في سن الثامنة بطلب لاجتياز اختبار تعادل الثانوية العامة، رغبة منه في مغادرة مقاعد الدراسة واقتحام مجتمع المال والأعمال بشكل أسرع. مع دخوله مرحلة المراهقة، كان مايكل يستغل ما يجنيه من وظائف جزئية للاستثمار في الأسهم والمعادن الثمينة، بينما بقي ولعه بالأجهزة والقطع الإلكترونية مستبداً به؛ ففي سن الخامسة عشرة، اشترى حاسوباً من أوائل أجهزة “أبل” وعمد إلى تفكيكه بالكامل في غرفته، مدفوعاً بفضول جارف لمعرفة أسراره وإعادة تجميعه. وخلال مرحلته الثانوية، تولى وظيفة لبيع اشتراكات الصحف، واستخدم مهاراته الفطرية في البحث وتحليل البيانات لتحديد شريحة من العملاء لم يلتفت إليها أحد، ليربح 18 ألف دولار في عام واحد، اشترى بها سيارة بي ام دبليو وحاسوباً جديداً، لتبدأ ملامح مشروعه الخاص في التبلور. وعلى الرغم من رغبة والديه في أن يسلك طريق الطب، إلا أن عامه الأول في جامعة تكساس شهد نقطة التحول الكبرى عام 1984، حين أسس عملاً صغيراً لبيع محركات الأقراص من داخل غرفته في السكن الجامعي. في ذلك الوقت، كان مستخدمو الحواسيب مجبرين على شراء الأجهزة بمواصفاتها القياسية الثابتة من متاجر التجزئة، وأي تعديل في الذاكرة كان يتم بعد الشراء. وهنا ابتكر ديل فكرته؛ حيث كان يشتري أجهزة IBM غير المباعة من المتاجر بسعر التكلفة، ويضيف إليها ذواكر ومحركات أقراص إضافية، ثم يعيد بيعها بأسعار تقل عن أسعار التجزئة بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15 %. برأس مال أولي بلغت قيمته ألف دولار فقط، سجل مشروعه رسمياً في تكساس، وقادته الإعلانات البسيطة لبناء قاعدة عملاء ضخمة في الجامعة، ليتطور الأمر سريعاً إلى عقود خارجية، مما دفعه خلال أشهر للانتقال إلى شقة واسعة خارج الحرم الجامعي ملأها بقطع الغيار وبدأ في تجميع الحواسيب من الصفر وبكسر تكلفة المتاجر التقليدية. ورغم وعوده لوالديه بتقليص نشاطه التجاري ليركز على دراسته، وضعت عطلة الربيع الشاب أمام أمر واقع لا يمكن إخفاؤه؛ إذ كانت مبيعات مشروعه تسجل 80 ألف دولار شهرياً، ليتخذ قراره بترك الجامعة والتفرغ للعمل تماماً، مؤسساً شركة “PC’s Limited” التي أحدثت ثورة عبر بيع الحواسيب بالطلب الهاتفي المباشر. وبحلول عام 1986، كانت الشركة أول من يقدم خدمة الدعم الفني المجاني عبر الهاتف، وهي الممارسة التي تبنتها الصناعة بأكملها لاحقاً. وفي عام 1992، أصبح مايكل ديل في سن السابعة والعشرين أصغر رئيس تنفيذي يقود شركة مدرجة في قائمة “فورشن 500” لأكبر الشركات عالمياً. هذا الانفجار التجاري كان مدفوعاً بتطبيق أسلوب التوريد الفوري “في الوقت المحدد”، حيث كان يشتري القطع بناءً على طلبات مؤكدة في يده، ويجمع الأجهزة للتسليم المباشر، مما ألغى تكاليف التخزين وخفض المصاريف التشغيلية بشكل دراماتيكي، لينعكس ذلك في صورة وفورات للعملاء. ومع المبيعات الهائلة، فرض ديل على مورديه بناء مستودعات قرب مصانعه لتسريع الإنتاج وتخفيض الكلفة، مما ضمن أرباحاً للجميع. وفي عام 1988، تغير اسم الشركة إلى “Dell Computer Corporation” وطُرحت للاكتتاب العام جامعة 30 مليون دولار، لتنطلق بعدها نحو العالمية بمصانع وشراكات في أوروبا وآسيا وأستراليا وأميركا اللاتينية. كما كانت الشركة رائدة في التجارة الإلكترونية عبر الويب منذ يوليو 1996، ومع نهاية التسعينيات، بلغت مبيعاتها عبر الإنترنت 18 مليون دولار يومياً، لتصبح ديل الشركة الأكثر ربحية في قطاع الحواسيب الشخصية حول العالم. ومع توسع أعمال الشركة لتشمل الخوادم وأنظمة التخزين والطابعات والخدمات التقنية، جرى اختصار الاسم إلى “Dell Inc”. وفي عام 1998، أسس مايكل شركة الاستثمار الخاص “MSD Capital LP”، وتلا ذلك تأسيس “مؤسسة مايكل وسوزان ديل” الخيرية عام 1999 بالتعاون مع زوجته سوزان ليبرمان التي ارتبط بها عام 1989، بهدف دعم التعليم والصحة للأطفال عالمياً. كما أصدر سيرته الذاتية التي روى فيها كيف تحول استثماره الصغير إلى إمبراطورية بقيمة 100 مليار دولار. وفي عام 2004، تنحى عن منصب الرئيس التنفيذي مع بقائه رئيساً لمجلس الإدارة، وببلوغه سن الأربعين، قدرت ثروته بنحو 20 مليار دولار، وصنفته مجلة فوربس عام 2005 كرابع أغنى رجل في أميركا. وخلال هذه الفترة، قدمت مؤسسته تبرعات سخية تجاوزت مئات الملايين لدعم القطاع الطبي والبحثي وبناء مستشفى ديل للأطفال وقاعة علوم الحاسوب بجامعة تكساس. في عام 2007، عاد ديل إلى منصب الرئيس التنفيذي بعد تراجع شركته للمركز الثاني، وتحرك سريعاً لاستعادة الصدارة عبر طرح أجهزة قوية والبيع عبر المتاجر الكبرى مثل “وال مارت” واقتحام السوق الصينية، والاعتماد على أنظمة تشغيل مثل “لينكس”، لتتجاوز المبيعات 60 مليار دولار عام 2008. ورغم أزمة الركود الاقتصادي العالمي وتوجه المستهلكين للأجهزة اللوحية والهواتف الذكية عام 2012، اتخذ ديل في عام 2013 خطوة جريئة بخصخصة الشركة مجدداً عبر صفقة استحواذ بلغت 24.4 مليار دولار بالتعاون مع “سيلفر ليك” ومايكروسوفت، محتفظاً بنسبة 16 % من الأسهم. وفي عام 2015، قاد صفقة تاريخية بالاستحواذ على شركة تخزين البيانات “EMC” مقابل 67 مليار دولار، في واحدة من أكبر الصفقات التقنية، لينتج عنها كيان “Dell Technologies” الذي بات أكبر شركة تكنولوجيا خاصة في العالم، متفوقاً على المنافسين في قطاع خوادم الحوسبة السحابية. أعير طرح الشركة للاكتتاب العام في عام 2018 بصفقة قيمتها 21.7 مليار دولار لشراء حصص المستثمرين، مما سمح له بقيادة الكيان نحو قطاعات واعدة كإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، ليتصدر غلاف فوربس عام 2021 بثروة بلغت 50 مليار دولار. وتوالت نجاحاته الاستراتيجية بحصده أرباحاً طائلة من بيع شركة “VMware” إلى “Broadcom” عام 2023 بمكاسب إجمالية بلغت 70 مليار دولار، ما أكد عبقريته الاستثمارية. ومع حلول مايو 2024، اخترقت ثروته حاجز 100 مليار دولار مدفوعة بالطلب العالمي الهائل على معدات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ليرتقي إلى المرتبة الحادية عشرة في مؤشر بلومبرغ للأثرياء بثروة ناهزت 113 مليار دولار. وتوج ديل وزوجته مسيرتهما الإنسانية في عام 2025 بتقديم تبرع خيري تاريخي وغير مسبوق بقيمة 6.25 مليار دولار لتمويل حسابات استثمارية لـ 25 مليون طفل أميركي لتعزيز فرصهم التعليمية والاقتصادية المستقبلية، مركزين على المجتمعات ذات الدخل المحدود. وفي أبريل 2026، واصل الزوجان عطاءهما بالإعلان عن منحة ضخمة بقيمة 750 مليون دولار لجامعة تكساس في أوستن، ليتجاوز إجمالي تبرعاتهما للجامعة حاجز المليار دولار، مخصصة لإنشاء مجمع للأبحاث المتقدمة ومركز طبي متطور يستهدف دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في رعاية المرضى وأبحاث علوم الحياة، لتظل مسيرة مايكل ديل نموذجاً حياً لابتكار لا يتوقف وعطاء يمتد للأجيال القادمة. أعمال الخير وسط صخب بورصة نيويورك وشاشاتها المضيئة، شقّ الزوجان مايكل وسوزان ديل طريقهما مؤخراً لقرع جرس الافتتاح، احتفاءً بتعهد تاريخي قطاعاه في “ثلاثاء العطاء” الماضي؛ والمتمثل في تخصيص 6.25 مليار دولار لصالح 25 مليون مستثمر مستقبلي من الأطفال في أميركا. وتُعد هذه المنحة الأكبر من نوعها كتبرع منفرد من مواطنين أميركيين، وتعادل تمويل برنامج “هيد ستارت” الوطني للطفولة المبكرة بأكمله لنصف عام. وبحلول الرابع من يوليو، وإذا كان الآباء قد أنشأوا لأطفالهم حساباً استثمارياً من نوع (530A) أو ما يُعرف بـ “حساب ترامب”، فسيجد ملايين الأطفال أنفسهم أغنى بمقدار 250 دولاراً. ورغم أن الأموال ستظل حبيسة الحساب حتى بلوغهم سن الثامنة عشرة، إلا أن عائلة ديل تأمل أن تنمو هذه المدخرات لتشكل ركيزة لمستقبلهم. تعود جذور الفكرة إلى عام 2021 عبر براد جيرستنر، رئيس مؤسسة “إنفست أمريكا”، وحينها بدأ الزوجان حساب الأرقام بحماس على المناديل الورقية في المطاعم. ويمتلك الزوجان ثروة تقدر بنحو 150 مليار دولار، وصرح مايكل سابقاً بنيتهما التبرع بالجزء الأكبر منها قبل وفاتهما، معتبرين الاستثمار في الصغار عبر “مؤسسة مايكل وسوزان ديل” الطريقة المثلى لدعم الأجيال. وبفضل جهود جيرستنر وعرض مايكل للفكرة على الرئيس في المكتب البيضاوي، أُدرج مشروع القانون ليكون كل طفل أميركي مولود بين عامي 2025 و2028 مؤهلاً للحصول على 1000 دولار من دافعي الضرائب. وتستهدف عائلة ديل شريحة أكبر سناً (المولودين بين 2016 و2024) بتقديم 250 دولاراً لكل طفل يعيش في منطقة يقل متوسط دخلها عن 150 ألف دولار، وهو ما يغطي 80 % من الأطفال في تلك الفئة. ويؤكد مايكل أن امتلاك الطفل لحساب مصرفي يرفع نسب تخرجه من الثانوية، وإقباله على التعليم العالي، وحصوله على وظيفة ومنزل، فضلاً عن تعزيز صحته النفسية. ورغم وجود مبادرات محلية سابقة كـ “سندات الأطفال”، فهذه الأولى وطنيّاً. ويرى مايكل في المبادرة وسيلة لتعريف الأسر بقوة النظام الرأسمالي والاستثمار التراكمي، بينما تأمل سوزان أن تمنح الأطفال شعوراً بأن بلدهم يؤمن بهم. يعكس هذا المشروع فلسفة ديل القائمة على “البيع المباشر دون وسطاء”، وهي العقلية التي صنعت إمبراطورية “ديل تكنولوجيز” في عصر الذكاء الاصطناعي. وتأمل العائلة أن يجذب هذا الضخ المالي مليارديرات آخرين؛ إذ ساهم جيرستنر في إنديانا، وعائلة داليو في كونيتيكت، وتكفل متبرع مجهول بمواليد سان فرانسيسكو لعام 2026. ورغم بعض الانتقادات الاقتصادية التي تخشى تفاقم الفجوة بين الأسر الغنية والفقيرة، أو تعقيدات التوزيع الجغرافي، يرى مايكل أن المبادرة خطوة تحويلية مكملة للجهود القائمة. يشترك الزوجان في إيمان عميق بقيمة التعليم وإصلاح العالم، وضخت مؤسستهما 3.3 مليار دولار منذ تأسيسها عام 1999. وعندما سُئل الزوجان عما يتمنيان أن ينفق الشباب أموالهم فيه مستقبلاً، أجاب مايكل: “لا أعتقد أنه ينبغي عليهم الاستماع إلينا لأننا لا نعرف ظروفهم”، بينما لخصت سوزان الأمر قائلة: “إذا كانوا يفكرون في مستقبلهم، فهذا بحد ذاته أمر جيد لمستقبل بلادنا”.
- المصادر: Time Achievement