"صرخة نملة".. فيلم يحوّل الصمت إلى لغة سينمائية ويؤكد ميلاد صوت إخراجي واعد

| طارق البحار

لا يكتفي الفيلم السعودي القصير "صرخة نملة" للمخرجة الشابة لجين سلام بسرد حكاية تقليدية، بل يختار منذ مشاهده الأولى أن يراهن على الصورة أكثر من الحوار، وعلى الرمز أكثر من المباشرة، ليقدم تجربة سينمائية تبحث في أسئلة الهوية والحرية والبحث عن الذات بلغة بصرية تنحاز إلى التأويل وتمنح المشاهد مساحة واسعة لقراءة العمل بطريقته الخاصة. الفيلم، الذي توّج بجائزة عبدالله المحيسن للفيلم الأول ضمن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، يلفت الانتباه بقدرته على بناء عالم يحمل خصوصيته بعيداً عن الحلول السردية السهلة. فالمخرجة لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تترك شخصياتها تواجه عوالمها الداخلية، لتتحول الرحلة إلى تأمل بصري في معنى الوجود وإثبات الذات. وتقف شخصية "رؤى" في قلب هذه التجربة، ليس بوصفها بطلة للأحداث فحسب، بل باعتبارها رمزاً لجيل يسعى إلى أن يجد مكانه وصوته في عالم يفرض عليه قيوداً وأسئلة لا تنتهي. ومن خلال هذه الشخصية، ينجح الفيلم في الانتقال من الحكاية الفردية إلى فضاء إنساني أوسع، يجعل التجربة قابلة للتأويل والتماهي مع شرائح مختلفة من الجمهور. وتبرز قوة "صرخة نملة" في أسلوبه الإخراجي الذي يمزج بين الواقعية والنَفَس السريالي، مع توظيف مدروس للسينوغرافيا والإيقاع البصري، ما يمنح كل مشهد وظيفة درامية تتجاوز الجماليات الشكلية. كما يعتمد الفيلم على تكوينات بصرية دقيقة ورموز متكررة تكتسب مع تطور الأحداث معاني جديدة، في تجربة تعكس وعياً سينمائياً واضحاً لدى مخرجتها. ولا يبدو فوز الفيلم بالجائزة مجرد تتويج لعمل أول، بل إشارة إلى بروز صوت إخراجي يمتلك رؤية فنية وهوية مستقلة. فـ"صرخة نملة" يبرهن أن السينما السعودية الشابة باتت أكثر جرأة في خوض تجارب تعتمد على اللغة السينمائية نفسها، بعيداً عن الخطابة أو التفسير المباشر، وهو ما يجعل الفيلم واحداً من أبرز الأعمال القصيرة التي تركت أثراً في الدورة 12 من المهرجان ودور جامعة عفت في تقديم هذا المنتج العالي.