في مهرجان افلام السعودية

"كعكة الرئيس".. حكاية طفولة عراقية تواجه الجوع والحرب ببراءة موجعة

| طارق البحار

هناك نوع من الأفلام التي تتمحور حول الأطفال، لكنها في الحقيقة ليست موجهة إليهم، بل للكبار الذين يدركون قسوة الحياة. تبدأ هذه الفئة بأعمال يمكن للمراهقين مشاهدتها، لكنها تحمل في طياتها رسائل ثقيلة للكبار، ثم تتدرج نحو أفلام أكثر إيلاماً، وصولاً إلى تلك التي ترصد الأطفال وهم يكافحون للبقاء وسط الحروب والمآسي الإنسانية. وفي هذا السياق يأتي فيلم The President’s Cake أو "كعكة الرئيس" للمخرج والكاتب العراقي حسن هادي، الذي عرض في مهرجان افلام السعودية 12 ضمن سينما الرحلة، والذي ينجح في تقديم تجربة مؤثرة دون أن يغرق في الميلودراما، قبل أن يوجه للمشاهد ضربة عاطفية قاسية في مشاهده الأخيرة. تدور أحداث الفيلم في العراق خلال فترة حرب الخليج، حيث يتابع رحلة الطفلة اليتيمة لمياء، ذات التسعة أعوام، التي تؤدي دورها ببراعة اللافتة بنين أحمد نايف، في أول تجربة تمثيلية لها. ورغم الخلفية السياسية القاتمة، يختار الفيلم أن يرى العالم من منظور طفلة، فيمنح الحكاية قدراً من الدفء والفكاهة والمغامرة، وهو ما جعله يحصد جائزة الجمهور في قسم "أسبوع المخرجين"!بمهرجان كان، إضافة إلى جائزة الكاميرا الذهبية لأفضل فيلم أول. تبدأ الأزمة عندما تُجبر لمياء، عبر قرعة مدرسية، على إعداد كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. لكن المهمة تبدو شبه مستحيلة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق، والتي جعلت الغذاء نادراً وباهظ الثمن. تعتقد لمياء أن رحلتها مع جدتها إلى المدينة ستكون لشراء مكونات الكعكة، لكنها تكتشف أن للجدة هدفاً آخر، فتقرر الهرب والانطلاق مع صديقها الصغير سعيد في مغامرة للبحث عن الدقيق والسكر والبيض ومسحوق الخَبز، وهي رحلة تتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ للبراءة والنجاة. يرسم حسن هادي صورة لبلد أنهكته الحرب والعقوبات والاستبداد، حيث يعيش الناس بين ضغط العالم الخارجي وقسوة السلطة الداخلية. وخلال رحلة لمياء، تكتشف أن التمسك بالأخلاق ليس أمراً سهلاً عندما يصبح معظم البالغين الذين تقابلهم مستعدين لاستغلالها أو خداعها من أجل البقاء. وفي المقابل، تكشف رحلة الجدة للبحث عن حفيدتها عجز مؤسسات الدولة التي تبدو غارقة بين مواكب الاحتفالات الرسمية وأعداد الضحايا، حتى فقدت قدرتها على القيام بأبسط واجباتها. ويحمل الفيلم أهمية خاصة بوصفه أول عمل سينمائي عراقي يُعرض في مهرجان كان، في خطوة تعد محطة بارزة للسينما العراقية التي نادراً ما تحظى بحضور دولي بهذا الحجم، خصوصاً مع مشاركة أسماء بارزة في الإنتاج التنفيذي مثل إريك روث، وكريس كولومبوس، ومارييل هيلر. ورغم خصوصية البيئة العراقية التي يستند إليها الفيلم، فإن قوته تكمن في عالميته. فحكاية أطفال يبحثون عن الطعام وسط الجوع المفروض عليهم قسراً، بينما يُجبرون في الوقت ذاته على الاحتفال بزعيم يعيش في رفاهية، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتلامس واقعاً يعرفه كثيرون اليوم. ومن دون خطابات مباشرة أو شعارات سياسية، ينجح الفيلم في إيصال رسالته من خلال التعاطف مع شخصياته، ليؤكد أن الأطفال، حتى في أقسى الظروف، يواصلون اللعب والمشاجرة والضحك والتشبث بالأمل، بينما يخذلهم عالم الكبار يوماً بعد آخر. إنها قصة إنسانية مؤلمة تترك أثرها العميق بعد إسدال الستار، وتثبت أن أبسط الحكايات قد تكون الأكثر قدرة على فضح قسوة الحروب.