الملياردير وأسطورة الاستثمار الذي عاش 70 عاماً بلا جهاز تكييف
اختار الملياردير الراحل تشارلي مونغر أن يكتب قصة مختلفة تماماً لحياة فاحشي الثراء. فالرجل الذي كوّن ثروة بمليارات الدولارات وأصبح الذراع اليمنى لوارن بافيت وأحد أعظم المستثمرين في التاريخ، عاش نحو 70 عاماً في المنزل نفسه، من دون نظام تكييف هواء، معتمداً في بعض فترات الحر الشديد على المراوح وأكياس الثلج لتبريد غرفته.
لم تكن حياة مونغر المتواضعة نتيجة عجز مالي أو ظروف خاصة، بل جاءت خياراً واعياً اتخذه بنفسه. فالمستثمر الراحل، الذي شغل منصب نائب رئيس شركة بيركشاير هاثاواي لعقود طويلة، امتلك من الثروة ما يكفي لشراء أفخم المنازل في الولايات المتحدة، بل كان يملك بالفعل منزلاً فاخراً مطلاً على المحيط في منطقة مونتيسيتو بكاليفورنيا، لكنه نادراً ما استخدمه، مفضلاً البقاء في منزله البسيط الذي اشتراه في خمسينيات القرن الماضي، وفقاً لما ذكرته "ياهوو فاينانس"، واطلعت عليه "العربية Business".
وخلال مقابلة أُذيعت بعد وفاته، كشف مونغر عن السبب وراء هذا الاختيار غير المألوف بين المليارديرات. إذ قال إنه ووارن بافيت شاهدا أصدقاء كثراً حققوا ثروات ضخمة ثم بنوا منازل فارهة، لكنه خلص إلى أن تلك القصور جعلت أصحابها أقل سعادة وليس أكثر. وبرأيه، فإن المنزل الكبير قد يوفر مساحة إضافية لاستضافة الضيوف، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة حياة أفضل أو أكثر راحة.
ولم يكن رفض مونغر للترف المفرط مجرد قرار اقتصادي، بل جزءاً من فلسفة أوسع تجاه الحياة والثروة. فقد كان يخشى أن يؤدي استعراض الثراء إلى إفساد الأبناء أو دفعهم إلى تبني نمط حياة مترف بعيد عن قيم العمل والاجتهاد والانضباط. ولهذا تعمّد أن يعيش بطريقة لا تجعله يبدو، على حد وصفه، مثل أحد النبلاء الذين تحيط بهم مظاهر الرفاهية من كل جانب.
وتتوافق هذه القناعة مع الدروس الاستثمارية التي اشتهر بها مونغر طوال حياته. فالرجل الذي ساهم مع بافيت في بناء واحدة من أنجح الإمبراطوريات الاستثمارية في العالم، كان يدعو باستمرار إلى العيش بأقل من الإمكانات المالية المتاحة، وتجنّب الديون غير الضرورية، والابتعاد عن الحسد، والتركيز على التراكم طويل الأجل للثروة بدلاً من الإنفاق الاستعراضي.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن مونغر كان قادراً على شراء أي مستوى من الرفاهية يريده، لكنه اختار أن يقاوم إغراءات الثروة. فبينما ينظر كثيرون إلى المليارات باعتبارها طريقاً لحياة أكثر بذخاً، كان يرى أنها تمنح صاحبها حرية اتخاذ القرارات التي يراها صحيحة، حتى وإن بدت غريبة للآخرين. ولهذا ظل يعيش في المنزل نفسه لعقود، بينما كانت ثروته تنمو عاماً بعد عام إلى مليارات الدولارات.
وعندما توفي مونغر في نوفمبر 2023 عن عمر ناهز 99 عاماً، لم يترك خلفه سجلاً استثمارياً استثنائياً فحسب، بل ترك أيضاً درساً نادراً في معنى الثروة الحقيقية. فأسطورة الاستثمار الذي عاش 70 عاماً بلا تكييف أثبت أن النجاح لا يقاس بما يستطيع الإنسان شراءه، بل بما يستطيع الاستغناء عنه دون أن يفقد شعوره بالرضا والسعادة.