"مسألة حياة أو موت" يجدد دماء السينما السعودية في مهرجان الأفلام
| طارق البحار
من الوهلة الأولى التي تشرع فيها شاشات مهرجان أفلام السعودية في عرض "مسألة حياة أو موت"، يتسلل إليك شعور دافئ بأنك أمام تجربة بصرية مغايرة تحمل هوية محلية طازجة، وصياغة سينمائية ترفض السير في الطرق المستهلكة. ورغم أن القراءة النقدية الرصينة تفرض دائماً التريث ومحاكمة العمل عبر مشاهدة ثانية أكثر تفكيكاً وعمقاً، إلا أن الانطباع الأول المبهج الذي يتركه الفيلم بأجوائه الممتعة وتدفقه القصصي الخاص، يستحق التوقف والاحتفاء؛ لأنه ببساطة يمنح المشاهد جرعة مكثفة من المتعة البصرية والقصصية.
تأخذنا الحكاية إلى تفاصيل مدينة جدة بصخبها وحيويتها، لتدور الكاميرا حول "حياة" التي تجسدها سارة طيبة، وهي شابة تعيش تحت وطأة فكرة سوداوية وهوس يسكن روحها بوجود لعنة عائلية تطارد نساء بيتها، وتؤمن بيقين مرعب أن قطار حياتها سيتوقف تماماً في ليلة عيد ميلادها الثلاثين، تماماً كما حدث مع والدتها وجدتها من قبل. وفي محاولاتها العبثية واليائسة لإنهاء حياتها بيديها قبل حلول ذلك الموعد المشؤوم، تتقاطع طرقها في مفارقة قدرية غريبة مع "يوسف" الذي يلعب دوره يعقوب الفرحان، وهو جراح قلب انطوائي، يعيش حالة طبية نادرة تتمثل في بطء شديد في نبضات قلبه، ويعاني في الوقت ذاته من صراعات داخلية وأفكار قاتمة تدفعه نحو رغبة دفينة في القتل.
من هذا التناقض الصارخ ينبت الفيلم، حيث تلتقي فتاة تهرول نحو الموت، بطبيب يكافح رغبة مظلمة، ليبرم الاثنان اتفاقاً غريباً تسيره مفارقات كوميدية طريفة، تقودهما معاً لمواجهة مخاوفهما واكتشاف الجمال غير المتوقع في هذه الحياة، وكيف يمكن للحب أن يرمم الشقوق في أرواحنا وسط أصعب الظروف. ويكشف هذا البناء الدرامي الذكي عن نضج واضح ومحطة جديدة للكاتبة سارة طيبة، التي تواصل ترسيخ أسلوبها الخاص، حيث برزت قوة نصها في رسم شخصيات حقيقية نابضة بالحياة، تتحرك بدوافع منطقية تنتمي لبيئتها بعيداً عن أي افتعال أو مبالغة.
هذا النضج انعكس بوضوح على الشاشة من خلال الانسجام اللافت والثنائية المدهشة بين سارة ويعقوب، اللذين نجحا في صياغة لحظات إنسانية مؤثرة قريبة من قلب المتلقي، حيث يواصل يعقوب الفرحان تأكيد تفرده وقدرته على التلون وتقديم أدوار تمنح مسيرته الفنية طابعاً مستقلاً وعمقاً إضافياً في كل إطلالة. ولم يتوقف تميز الأداء عند البطلين، بل امتد ليشمل الشخصيات الثانوية التي صِيغت بعناية فائقة لدعم السرد وتطوير الأحداث، مدعومة بموسيقى تصويرية ذكية جاءت متناغمة مع الأجواء العامة وشحنت المشاهد بجرعات شعورية متزنة.
وعلى الرغم من أجواء الإشادة السائدة في أروقة المهرجان بالفيلم، إلا أن التجربة كأي عمل فني طموح، لا تخلو من بعض السلبيات البسيطة، وتحديداً في بعض الخيارات الإخراجية التي أربكت إيقاع العمل في لحظات معينة، وحرمت الفيلم من ملامسة سقف أعلى من التميز كان قريباً جداً من متناول يده بفضل أرضيته النصية والتمثيلية القوية؛ وهي ملاحظات تظل في إطار الحراك النقدي الطبيعي ولا تسلب الفيلم قيمته أو أهميته. وفي المجمل، نحن أمام عمل يشكل علامة مضيئة ومحطة مهمة تؤكد التطور المتسارع للسينما السعودية وقدرتها على صياغة لغتها الخاصة، ويبقى الحكم الفني النهائي معلقاً بانتظار قراءة تالية أكثر تفصيلاً، لكن المؤشرات الأولى تبشر بفيلم يستحق عناء المتابعة والكثير من الاحتفاء.