إدارة الأصول الخليجية تدخل مرحلة جديدة... من تراكم الثروات إلى صناعة القيمة المالية
| المحرر الاقتصادي
ارتفاع الأصول المُدارة بالخليج يعزز فرص البحرين للاستفادة من نمو صناعة الخدمات المالية الإقليمية
لا يعكس ارتفاع الأصول المُدارة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 2.7 تريليون دولار بنهاية عام 2025، بنمو بلغ 10 % في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مجرد أداء إيجابي لأسواق المال، بل يكشف عن تحول هيكلي في طبيعة الاقتصاد الخليجي ودوره في المنظومة المالية العالمية. فالمنطقة التي ارتبطت لعقود بتصدير رؤوس الأموال إلى المراكز المالية الدولية، بدأت اليوم تتحول تدريجيًّا إلى مركز إقليمي وعالمي لإدارة تلك الثروات، مستفيدة من الإصلاحات الاقتصادية، واتساع الأسواق المالية، وتزايد الاهتمام بالاستثمار المؤسسي والفردي، وهو ما يعزز أحد أهم أهداف التنويع الاقتصادي التي تتبناها دول الخليج. ويحمل النمو اللافت في أصول المستثمرين الأفراد، الذي بلغ 14% مقابل 9 % فقط للأصول المؤسسية، دلالة اقتصادية مهمة تتمثل في تغير الثقافة المالية داخل المجتمعات الخليجية. فالمواطن الخليجي لم يعد يكتفي بالادخار التقليدي أو الاستثمار العقاري، بل أصبح أكثر ميلاً إلى تنويع استثماراته عبر الصناديق الاستثمارية والأسهم والمنتجات المالية الحديثة، وهو تحول يعكس ارتفاع مستويات الوعي المالي، واتساع استخدام المنصات الرقمية، ونجاح الجهات التنظيمية في بناء بيئة أكثر جذبًا للاستثمار. وعلى الرغم من أن المستثمرين الأفراد لا يزالون يمثلون نسبة محدودة من إجمالي الأصول المُدارة، فإن وتيرة نموهم تشير إلى أنهم سيكونون المحرك الأبرز لهذه الصناعة خلال السنوات المقبلة. كما يؤكد التقرير استمرار المملكة العربية السعودية في قيادة قطاع إدارة الأصول على مستوى الخليج، مستفيدة من حجم اقتصادها الكبير، وبرامج الإصلاح المالي، والتوسع المتواصل في سوق رأس المال ضمن مستهدفات رؤية 2030، في حين تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها كمركز مالي عالمي قادر على جذب المؤسسات الاستثمارية الدولية، بينما تحافظ الكويت على حضورها القوي بفضل الصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية ذات الخبرة الطويلة. ويشير هذا المشهد إلى أن المنافسة الخليجية لم تعد قائمة على استقطاب الأموال فقط، بل أصبحت تعتمد على بناء منظومة مالية متكاملة تمتلك القدرة على إدارة هذه الأموال بكفاءة وتحقيق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد. أما بالنسبة للبحرين، ورغم أن التقرير لم يتناولها بشكل مباشر، فإن التحولات التي يشهدها القطاع تفتح أمام المملكة فرصًا مهمة لتعزيز موقعها كمركز مالي متخصص. فالبحرين تمتلك واحدًا من أكثر القطاعات المالية تطورًا في المنطقة، إلى جانب بيئة تشريعية مرنة وخبرة طويلة في العمل المصرفي والخدمات المالية، وهو ما يمنحها فرصة للتركيز على مجالات متقدمة مثل إدارة الأصول الرقمية، والخدمات الاستثمارية المتخصصة، والتكنولوجيا المالية، بدلاً من منافسة الاقتصادات الأكبر حجمًا على حجم الأصول وحده. ومع استمرار المملكة في تطوير التشريعات الداعمة للابتكار المالي، يمكن أن تتحول إلى منصة إقليمية للشركات المتخصصة في إدارة الثروات الرقمية والأصول البديلة. وفي المقابل، يكشف التقرير أن مستقبل المنافسة في قطاع إدارة الأصول لن يُحسم بحجم المؤسسات أو قيمة الأصول التي تديرها، وإنما بقدرتها على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة التشغيلية، بل أصبح محركًا رئيسًا لإعادة تشكيل الصناعة بأكملها، من خلال خفض التكاليف، وتسريع عمليات التحليل، وتحسين إدارة المحافظ الاستثمارية، وتقديم خدمات أكثر دقة لعدد أكبر من العملاء. وهذا التطور قد يمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصة لمنافسة الشركات الكبرى إذا نجحت في الاستثمار المبكر في الحلول التقنية، وهو ما يغير قواعد المنافسة التقليدية التي كانت تعتمد في السابق على حجم المؤسسة وعدد موظفيها. وفي السياق نفسه، يبرز التقرير أهمية قنوات التوزيع باعتبارها العنصر الأكثر حسمًا في المنافسة المستقبلية. فمع تزايد عدد المنتجات الاستثمارية وتشابهها، لم يعد التحدي الأساسي هو تطوير منتج جديد، بل الوصول إلى المستثمر وإقناعه. ولذلك أصبحت المنصات الرقمية، والتطبيقات الذكية، وشبكات المستشارين الماليين، والعلاقات المؤسسية، تمثل أصولاً استراتيجية لا تقل أهمية عن المحافظ الاستثمارية نفسها. ومن المتوقع أن تستثمر المؤسسات الخليجية بصورة أكبر في تطوير هذه القنوات خلال السنوات المقبلة للحفاظ على حصصها السوقية وجذب شرائح جديدة من المستثمرين. ومن أبرز الرسائل المستقبلية التي يحملها التقرير أيضًا صعود مفهوم ترميز الأصول، الذي يُتوقع أن يعيد تشكيل الأسواق المالية العالمية خلال العقد المقبل. فإمكانية تحويل الأصول التقليدية، مثل العقارات أو الأصول الخاصة، إلى وحدات رقمية قابلة للتداول عبر تقنيات البلوك تشين ستفتح الباب أمام نماذج استثمار أكثر مرونة وسيولة، وستوسع قاعدة المستثمرين، وتخفض تكاليف التداول، وتخلق منتجات مالية جديدة لم تكن متاحة سابقًا. وإذا نجحت دول الخليج في تطوير الأطر التنظيمية لهذا القطاع مبكرًا، فإنها قد تصبح من أوائل المراكز المالية التي تستفيد من هذا التحول العالمي، مستندة إلى بنيتها التحتية الرقمية المتقدمة ورغبتها في تبني التقنيات الحديثة. وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة أن اقتصادات الخليج تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها القطاع المالي أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي، وليس مجرد وسيط لإدارة الفوائض النفطية. فكل توسع في صناعة إدارة الأصول يعني زيادة الطلب على الكفاءات المالية، والمحللين، وخبراء البيانات، والمختصين في الذكاء الاصطناعي، والمستشارين القانونيين، وهو ما يخلق وظائف نوعية ذات قيمة مضافة مرتفعة، ويعزز مساهمة قطاع الخدمات المالية في الناتج المحلي الإجمالي. كما أن نمو هذه الصناعة يدعم أسواق المال، ويرفع كفاءة تخصيص رؤوس الأموال، ويزيد من قدرة الاقتصادات الخليجية على تمويل مشاريعها التنموية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الإيرادات النفطية. وفي المحصلة، يؤكد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي تجاوزت مرحلة الاكتفاء بتجميع الثروات، ودخلت مرحلة أكثر أهمية تتمثل في بناء صناعة متطورة لإدارة تلك الثروات وفق أعلى المعايير العالمية. وستكون المؤسسات القادرة على الجمع بين التكنولوجيا، والابتكار، وقوة التوزيع، والمرونة التشغيلية هي الأكثر قدرة على قيادة المرحلة المقبلة، في وقت تتزايد فيه المنافسة العالمية على استقطاب رؤوس الأموال. أما بالنسبة للبحرين، فإن هذه التحولات تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها كمركز مالي إقليمي متخصص في الخدمات الاستثمارية المتقدمة وإدارة الأصول الرقمية، بما ينسجم مع توجهاتها في تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع المالي في النمو المستدام.