"الطريق": الفيلم الذي كلّف مخرجه مئة عام إضافية من السجن

سيناريو وكتاب يلماز غونية بين إصدارات الموسوعة السعودية للسينما

ضمن إصدارات الموسوعة السعودية للسينما الصادرة عن جمعية السينما ودار جسور في السعودية صدرت الترجمة الأولى لكتاب (الطريق للمخرج التركي الراحل يلماز غونيه وترجمه من التركية الكاتبة والشاعرة النرويجية رويا إسماعيل)، ويتزامن صدور الكتاب مع انطلاق مهرجان أفلام السعودية بدورته الثانية عشر، وتأتي أهمية كتاب الطريق غير احتواءه على سيناريو الفيلم، بل يتحدث عن رحلة الكتابة وإنتاج وإخراج الفيلم الذي عرض وفاز في مهرجان كان رغم وجود غونيه في السجن. لا يبدأ فيلم الطريق من السجن فحسب، وإنما من سؤال الحرية ذاته. فمنذ المشهد الأول، حيث تحلق الطيور في السماء قبل الانتقال إلى فضاء السجن المغلق، يضع غونيه المشاهد أمام مفارقة سترافق العمل حتى نهايته: هل يكفي الخروج من السجن كي يصبح الإنسان حرًا؟ يُعد الطريق أحد أهم أفلام السينما الثالثة، ذلك التيار الذي تعامل مع السينما بوصفها وسيلة لفهم الواقع وكشف تناقضاته. ومن خلال قصة مجموعة من السجناء الذين يحصلون على إجازة مؤقتة من سجن إمرالي بعد انقلاب 12 أيلول 1980، يقدّم الفيلم صورة لمجتمع تبدو الحرية فيه أكثر تعقيدًا من مجرد الخروج من السجن. تتوزع السردية على عدد من الشخصيات التي تبدو مختلفة في الظاهر، لكنها تشترك في مواجهة أشكال متشابهة من القمع. فخارج أسوار السجن لا يجد السجناء الحرية المنشودة، وإنما عالمًا تحكمه سلطة العائلة والعرف والبيروقراطية والعنف الاجتماعي. يجد سيد علي نفسه أسيرًا لمفهوم الشرف أكثر من كونه أسيرًا للسجن، بينما يكتشف مولود أن أبسط خياراته الشخصية تخضع لرقابة الجماعة. أما يوسف، فتتحول رحلته إلى مأساة صامتة تكشف هشاشة الفرد أمام سلطة بيروقراطية لا تعترف بظروفه الإنسانية. ويواجه عمر شكلًا آخر من القهر، حين يعود إلى قريته ليجد نفسه محاصرًا بين الحضور العسكري المكثف والأعراف القبلية التي تفرض عليه الزواج من زوجة أخيه المقتول والتخلي عن المرأة التي يحبها، فتُسلب منه إمكانية اختيار مستقبله بنفسه، وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قصة محمد صالح، التي تُعد من أكثر مسارات الفيلم قسوة وتأثيرًا. فالرجل وزوجته يحاولان الهروب مع اطفالهما من ماضٍ يطاردهما بمنطق الثأر، غير أن الموت يلحق بهما حتى داخل القطار، في مشهد يكشف كيف يمكن للخوف والانتقام أن يتحولا إلى قدر يطارد الأفراد أينما ذهبوا. هنا يتجلى القمع بوصفه بنيةً اجتماعيةً أوسع تتغلغل في العلاقات اليومية والعائلية وتعيد إنتاج نفسها باستمرار. وتحتل المرأة موقعًا محوريًا في هذا العالم المضطرب، إذ يجعل الفيلم من تجارب النساء مرآةً للعلاقات غير المتكافئة داخل المجتمع، كاشفًا أثر الأعراف والتقاليد في تقييد حرياتهن وتشكيل مصائرهن. وتتجلى قوة الطريق أيضًا في لغته البصرية، حيث تتحول الطرق الطويلة والقطارات والفضاءات المفتوحة إلى صور تؤكد اتساع المسافة بين الشخصيات والخلاص. كما تبدو الطبيعة نفسها قاسية وصامتة، تراقب الشخصيات وهي تدور في دائرة مغلقة من الانتظار والخسارة. لم يقتصر أثر الفيلم على نجاحه الفني وانتشاره العالمي، إذ أدى فوزه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1982، إلى جانب تصريحات غونيه للصحافة الأجنبية، إلى فتح ملفات قضائية جديدة ضده بتهمة "الدعاية المعادية لتركيا في الخارج". وقد طالبت النيابة التركية على أساس هذه الاتهامات بعقوبات إضافية بلغت نحو مئة عام من السجن، الأمر الذي عمّق القطيعة بينه وبين السلطات التركية وأسهم في ترسيخ وضعه كمنفي سياسي حتى وفاته عام 1984. بعد أكثر من أربعة عقود على إنتاجه، لا يزال الطريق يحتفظ بحضوره وتأثيره النقدي. فالعمل يتجاوز حدود الحكاية المباشرة ليقدّم معالجة سينمائية عميقة لمسائل الحرية والسلطة والكرامة الإنسانية. وربما لهذا السبب ظل واحدًا من أهم أفلام السينما العالمية، وواحدًا من أكثر الأعمال قدرة على تحويل المعاناة اليومية إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.