زيركسيس ديساي.. الرجل الذي غيّر مفهوم الوقت في الهند وصنع أسطورة “تايتان”

| طارق البحار

قبل ظهور الساعات الذكية والهواتف المحمولة التي ترافقنا اليوم في كل لحظة، كانت ساعة اليد أكثر من مجرد أداة لمعرفة الوقت؛ كانت رمزاً للنضج والطموح والمكانة الاجتماعية. وفي الهند، ارتبط هذا المعنى لعقود طويلة باسم “تايتان”، العلامة التجارية التي نجحت في تحويل الساعة من منتج عملي إلى جزء من هوية الطبقة الوسطى الصاعدة. تعتبر شركة “تايتان” واحدة من أبرز قصص النجاح في تاريخ الصناعة الهندية الحديثة، التي لم تكتفِ بإعادة تشكيل سوق الساعات في البلاد، بل تحولت إلى واحدة من أكثر العلامات التجارية ثقة وتأثيراً  في الهند وخارجها. وفي قلب هذه الحكاية يقف زيركسيس ديساي، المدير المؤسس للشركة، الذي امتلك رؤية مختلفة للهند في وقت كانت فيه الأسواق تعاني شح الخيارات والقيود الاقتصادية. فقد آمن بأن الهند لا تحتاج إلى المزيد من الساعات فحسب، بل إلى مفهوم جديد بالكامل لما يمكن أن تكون عليه الساعة الهندية. في  كتاب “تايتان: داخل أنجح علامة استهلاكية في الهند” للكاتب فيناي كاماث، نخوض رحلة تأسيس الشركة وما رافقها من تحديات ومقاومة ومخاطر، مستعرضاً الدور المحوري الذي لعبه ديساي في تحويل فكرة طموحة إلى مؤسسة غيّرت قطاعاً بأكمله. وُلد ديساي عام 1937 في عائلة بارسية، ودرس في كلية إلفينستون بمدينة مومباي قبل أن يكمل دراسته في جامعة أكسفورد، حيث تخصص في الفلسفة والاقتصاد والعلوم السياسية. وبعد انضمامه إلى مجموعة “تاتا” عام 1961، تنقل بين عدد من شركاتها في مجالات متنوعة شملت الكيماويات والفنادق والصلب، ما منحه فهماً واسعاً لطبيعة الصناعة الهندية في فترة كانت تخضع لرقابة حكومية صارمة. في ذلك الوقت، كانت شركة “إتش إم تي” الحكومية تهيمن على سوق الساعات، وكان الحصول على ساعة جديدة يتطلب الانتظار لفترات طويلة، فيما كانت الساعات عالية الجودة تصل غالباً عبر قنوات غير رسمية. وسط هذا الواقع، رأى ديساي فرصة لبناء صناعة مختلفة تقوم على الجودة والتصميم والتقنيات الحديثة. آمن الرجل بأن الساعات العاملة بتقنية الكوارتز تمثل مستقبل القطاع، لما توفره من دقة واعتمادية أعلى مقارنة بالساعات الميكانيكية التقليدية. كما اعتبر أن إدخال هذه التقنية إلى الهند سيكون خطوة نحو تحديث الصناعة المحلية ورفع قدرتها على المنافسة عالمياً. وجدت فكرته دعماً من رجل الأعمال الشهير J. R. D. Tata، الذي رأى في المشروع فرصة حقيقية لتطوير قطاع استهلاكي مهم. وبعد سنوات من العمل والتخطيط، تأسست شركة “تايتان” عام 1986 كمشروع مشترك بين مجموعة Tata ومؤسسة التنمية الصناعية في ولاية تاميل نادو، وتم إنشاء مصنعها الرئيسي في مدينة هوسور. وسرعان ما نجحت “تايتان” في تحويل الساعة من مجرد أداة لمعرفة الوقت إلى منتج يرتبط بالمشاعر والإنجازات الشخصية. فأصبحت ساعاتها هدايا مرتبطة بالمناسبات المهمة مثل التخرج والزواج والترقيات وأعياد الميلاد، لتغدو جزءاً من الذاكرة العائلية لدى ملايين الهنود. لكن طموح ديساي لم يتوقف عند السوق المحلية، بل سعى إلى وضع الشركة في مصاف كبار صناع الساعات حول العالم. وتجسد ذلك بوضوح في إطلاق ساعة “تايتان إيدج” عام 2002، التي عُدت آنذاك واحدة من أنحف الساعات في العالم بآلية لا يتجاوز سمكها 1.15 مليمتر، وحصلت على اعتماد دولي من جهات متخصصة في سويسرا، في إنجاز أكد قدرة الصناعة الهندية على المنافسة في أعلى المستويات التقنية. كما لعب ديساي دوراً محورياً في دخول الشركة إلى قطاع المجوهرات عبر إطلاق علامة “تانيشك”. ورغم الصعوبات التي واجهتها في بدايتها، نجحت لاحقاً في إحداث تحول جذري في سوق المجوهرات الهندية من خلال ترسيخ مفاهيم الشفافية والجودة والتصميم العصري على نطاق وطني واسع. ولم يكن اهتمامه مقتصراً على عالم الأعمال فقط، إذ عُرف أيضاً بشغفه بالتخطيط العمراني وتطوير المدن القابلة للعيش. وشارك في مشاريع حضرية مهمة إلى جانب المعماري الشهير Charles Correa، مؤمناً بأن الصناعة والبيئة وجودة الحياة عناصر مترابطة لا يمكن فصلها. بعد أكثر من أربعة عقود قضاها داخل مجموعة “تاتا”، تقاعد ديساي عام 2002 بعدما رسّخ مكانة “تايتان” كواحدة من أنجح العلامات الاستهلاكية في الهند. وواصلت الشركة توسعها لاحقاً في مجالات الساعات والمجوهرات والنظارات والإكسسوارات، مع حفاظها على السمعة والثقة اللتين شكلتا أساس نجاحها. وفي 27 يونيو 2016، رحل زيركسيس ديساي عن عمر ناهز 79 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً صناعياً وإنسانياً كبيراً. واليوم، يعيد مسلسل “صُنع في الهند: حكاية تايتان” تقديم قصته إلى جيل جديد، مذكراً بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم المبيعات فقط، بل بالقدرة على بناء مؤسسات تترك أثراً دائماً في المجتمع. فديساي لم يمنح الهند علامة ساعات ناجحة فحسب، بل منحها ثقة أكبر بقدرتها على الابتكار والمنافسة وصناعة المستقبل. لقد نجح ديساي في تحقيق ما هو أكبر من بناء علامة تجارية ناجحة؛ فقد صنع رمزاً ثقافياً ارتبط بأحلام أجيال كاملة من الهنود، وحوّل ساعة اليد إلى قصة نجاح وطنية ما زالت عقاربها تتحرك حتى اليوم. وتبقى قصة زيركسيس ديساي شاهداً على أن أعظم الإنجازات لا تبدأ بالخبرة الكاملة، بل برؤية واضحة، وعقل منفتح على التعلم، وإيمان راسخ بأن المستحيل يمكن أن يصبح واقعاً. واليوم تُعد Titan Company Limited واحدة من أكثر العلامات التجارية احتراماً في الهند، وتضم تحت مظلتها أسماء بارزة مثل Titan وTanishq وFastrack وSonata وTitan Eye+، لتواصل الشركة خدمة ملايين العملاء داخل الهند وخارجها.  رؤية استثنائية لم يكن زيركسيس ديساي مجرد مؤسس لشركة “تايتان”، بل كان صاحب رؤية استثنائية آمن بقدرة الهند على صناعة منتجات عالمية المستوى في وقت لم يكن كثيرون يعتقدون أن ذلك ممكن. وقد أصبح اسمه مرتبطاً بقصة نجاح واحدة من أبرز العلامات التجارية الاستهلاكية في الهند، بعدما نجح في تحويل فكرة طموحة إلى مؤسسة رائدة تحظى بثقة الملايين. ومن بين المواقف اللافتة التي يجسدها العمل، قوله: “أريد أن أتحدى نفسي”، وهي العبارة التي تعكس قراره الجريء بترك وظيفة حكومية مرموقة والانطلاق في مسار مهني غير مضمون النتائج. كما تظهر فلسفته في التعامل مع الإخفاق من خلال مقولته: “يجب أن نحتفل بالفشل”، وذلك بعد تعرض إحدى الساعات التي قُدمت هدية إلى رجل الأعمال الشهير J. R. D. Tata لعطل مفاجئ، حيث رأى في الحادثة فرصة للتعلم والتحسين بدلاً من اعتبارها نهاية الطريق. ومن أكثر المواقف التي تعبر عن إصراره، تعهده بعدم ارتداء أي ساعة حتى تنجح شركته في إنتاج ساعة هندية عالمية المستوى، في إشارة إلى حجم التزامه بالمشروع الذي كان يعمل على تأسيسه. وعندما شكك بعض أعضاء مجلس الإدارة في قدرته على دخول عالم صناعة الساعات، جاء رده بسيطاً لكنه معبر: “قد لا أعرف الآن كيف أصنع ساعة، لكنني سأتعلم وسأصنع أفضل ساعة في العالم”. وهي عبارة أصبحت رمزاً لفلسفة التعلم المستمر والثقة بالنفس التي قاد بها مشروعه. وكيف دفع بطموحه فريق العمل نحو تحدٍ جديد قائلاً: “لنصنع أنحف ساعة في العالم”، وهو الهدف الذي تحول لاحقاً إلى إنجاز تقني عزز مكانة “تايتان” على الساحة الدولية. ولا تقتصر دروس ديساي على الجرأة والطموح فقط، بل تشمل أيضاً التواضع وتحمل المسؤولية. فعندما أخفقت تجربة توسع الشركة في أوروبا، لم يبحث عن مبررات أو أعذار، بل اعترف أمام فريقه قائلاً: “لقد أخطأت، وكان يجب أن أستمع إليكم”. وهو موقف يعكس احترامه لآراء الآخرين وإيمانه بقوة العمل الجماعي. وتؤكد مسيرته أن الابتكار لا يبدأ من اليقين الكامل، بل من الجرأة على طرح سؤال بسيط: “لماذا لا؟”. فمن خلال التعلم المستمر والتجريب وعدم الخوف من الفشل، استطاع بناء مؤسسة أصبحت نموذجاً يحتذى به في عالم الأعمال. مسلسل “صُنع في الهند” نجح مسلسل “صُنع في الهند: حكاية تايتان” في تقديم واحدة من أبرز قصص النجاح الصناعية في الهند بأسلوب مشوق وإنساني، مستعرضاً رحلة تأسيس شركة “تايتان” التي تحولت من مشروع طموح إلى واحدة من أشهر العلامات التجارية في البلاد. ويقود العمل الممثل جيم ساربه في أداء لافت لشخصية زيركسيس ديساي، بينما يجسد نصرالدين شاه شخصية رجل الأعمال الأسطوري J. R. D. Tata. تدور أحداث المسلسل في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين يعود زيركسيس ديساي إلى مجموعة تاتا بعد فترة من العمل خارجها. وهناك يقوده لقاء يجمع معلمه جي آر دي تاتا بأحد صناع الساعات الأجانب إلى تبني مشروع طموح لتأسيس شركة هندية قادرة على منافسة كبرى الشركات العالمية في صناعة الساعات. ومن هذه الفكرة البسيطة تبدأ رحلة ولادة “تايتان”، التي أصبحت لاحقاً إحدى أبرز قصص النجاح الصناعي في الهند. ويتميز العمل بأنه لا يتعامل مع الشركة أو مؤسسها باعتبارهما أسطورة خالية من الأخطاء، بل يقدم صورة أكثر واقعية وإنسانية. فالمسلسل لا يتحول إلى مادة دعائية للعلامة التجارية، بل يسلط الضوء على التحديات والعقبات والإخفاقات التي واجهها الفريق في طريقه نحو النجاح، مقدماً ديساي كشخصية طموحة وملهمة لكنها ليست معصومة من الخطأ. ورغم أن المسلسل يحافظ على إيقاع سريع وممتع، إلا أن بعض النقاد رأوا أن هذا الإيقاع جعل العديد من الأزمات تبدو أسهل مما كانت عليه في الواقع، ما قلل أحياناً من الإحساس بحجم المخاطر التي واجهتها الشركة خلال مراحل تأسيسها الأولى. ومع ذلك، يبقى العمل محتفظاً بجاذبيته وقدرته على جذب المشاهد حتى النهاية. ويُعد أداء جيم سرب أحد أبرز عناصر القوة في المسلسل، حيث يقدم شخصية زيركسيس ديساي بصورة طبيعية ومقنعة، جامعاً بين الذكاء والطموح والثقة بالنفس، إلى جانب بعض نقاط الضعف الإنسانية مثل العناد والغرور. ونجح في تجريد الشخصية من هالتها الأسطورية وتقديمها كرجل يكافح لتحقيق حلمه، وهو ما يجعل المشاهد أكثر ارتباطاً بالقصة. في المقابل، اختار نصرالدين شاه أسلوباً مختلفاً في تجسيد شخصية جي آر دي تاتا، فظهر بكاريزما وهيبة تعكسان مكانته التاريخية في عالم الأعمال الهندي، مع المحافظة على الجانب الإنساني للشخصية. كما قدم عدد من الممثلين المساندين أداءً مميزاً أسهم في إثراء الأحداث ومنحها مزيداً من الواقعية. وحصل المسلسل على تقييم 3.5 من 5 نجوم، ليُصنف كواحد من الأعمال التي تنجح في الجمع بين المتعة والإلهام، مقدماً قصة رجل آمن بفكرة بدت مستحيلة في بدايتها، قبل أن تتحول إلى علامة تجارية يعرفها الملايين اليوم. المصادر: Rediff Hindustantimes Parsikhabar