أمين صالح يضيء مهرجان أفلام السعودية بكتاب جديد عن شانتال أكرمان

| طارق البحار

ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة للدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، يحتضن مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي إثراء جلسة توقيع كتاب "شانتال أكرمان.. عبقرية الهامش" للكاتب والناقد البحريني البارز أمين صالح، وذلك مساء 30 يونيو في مكتبة إثراء، في لقاء يجمع المهتمين بالسينما والنقد الفني مع أحد أبرز الأسماء الثقافية في الخليج والعالم العربي وبإدارة الاستاذ الصحفي عبدالوهاب العريض الى جانب كتاب "الصمت في السينما" لعبدالعزيز الشنتوف.

ويأتي كتاب "شانتال أكرمان.. عبقرية الهامش" ليقدم قراءة معمقة لتجربة المخرجة البلجيكية الراحلة شانتال أكرمان، التي تُعد من أكثر الأصوات تأثيراً في السينما العالمية الحديثة، حيث يتناول صالح ملامح مشروعها السينمائي وأسلوبها البصري الفريد، إلى جانب أثرها الكبير في تطوير لغة الفيلم المعاصر.

يُعد الأديب أمين صالح من أبرز رواد النقد والكتابة السينمائية في البحرين والمنطقة العربية، إذ تمتد مسيرته لأكثر من خمسة عقود في مجالات الأدب والسينما والفكر والثقافة. وقد أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات والدراسات المتخصصة في الفن السابع، إلى جانب حضوره اللافت ككاتب قصة وشاعر وسيناريست وناقد ثقافي.

وعُرف صالح بدوره الريادي في نشر الثقافة السينمائية عربياً، من خلال كتبه وأبحاثه ومشاركاته المستمرة في المهرجانات والملتقيات الفنية، فضلاً عن إسهاماته في تأسيس حركة نقدية سينمائية خليجية وعربية أكثر عمقاً واحترافية. كما ارتبط اسمه بعدد من المشاريع السينمائية البحرينية والعربية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي.

وتكتسب جلسة التوقيع أهمية خاصة لكونها تجمع بين مهرجان يُعنى بدعم صناعة السينما السعودية والخليجية، وأحد أبرز المثقفين العرب المتخصصين في قراءة وتحليل التجارب السينمائية العالمية، ما يمنح جمهور المهرجان فرصة للاطلاع على أحدث إصداراته الفكرية ومناقشة أحد أهم الأسماء المؤثرة في تاريخ السينما المعاصرة.

لم تكن المخرجة البلجيكية الراحلة شانتال أكرمان مجرد صانعة أفلام عابرة، بل كانت ثورة بصرية متحركة غيرت مفهوم السينما الطليعية والنسوية إلى الأبد. وُلدت أكرمان في بروكسل عام 1950، وهو التاريخ الشخصي الذي ألقى بظلاله الكثيفة على معظم أعمالها، حيث ركزت باستمرار على مفاهيم الاغتراب، الصدمة، والروتين اليومي الخانق. غادرت أكرمان عالمنا في باريس عام 2015 تاركةً وراءها إرثاً سينمائياً يُدرس في كبرى الجامعات والمعاهد الفنية.

انطلقت شرارة شغفها السينمائي في سن الخامسة عشرة بعد مشاهدتها لفيلم "بيدرو المجنون" للمخرج الفرنسي جان-لوك غودار، مما دفعها لترك دراستها الأكاديمية والتوجه مباشرة نحو التجريب وصناعة الأفلام بميزانيات ضئيلة وجهد ذاتي. تميز أسلوبها الصحفي والفني بالجرأة والابتعاد عن السرد التقليدي وهوليوود البراقة؛ فكانت كاميراتها تميل إلى اللقطات الثابتة والمطولة التي تجبر المشاهد على مواجهة الواقع دون رتوش، مستخدمة "الزمن الحقيقي" كأداة درامية أساسية لتفكيك العزلة الإنسانية.

في عام 1975، وهي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، أحدثت أكرمان هزة عنيفة في الأوساط الثقافية بإخراجها التحفة السينمائية "جان ديلمان، 23 رصيف التجارة، 1080 بروكسل". على مدار ما يقرب من أربع ساعات، تتبعت الكاميرا بتفصيل ممل ودقيق الروتين المنزلي لربّة منزل وأم عزباء، لتكشف من خلال تقشير البطاطس وترتيب السرير عن حجم القهر الخفي والتحولات النفسية العميقة للمرأة، وهو الفيلم الذي توجته مجلة "Sight & Sound" البريطانية المرموقة لاحقاً كأعظم فيلم في تاريخ السينما على الإطلاق في استفتاء النقاد لعام 2022، متفوقاً على كلاسيكيات كبرى مثل "المواطن كين".

تنقلت أكرمان طوال مسيرتها بين السينما الروائية، الأفلام الوثائقية، والفنون التجهيزية في المتاحف، متنقلةً بجسدها وأفكارها بين نيويورك، باريس، وجنوب غرب أمريكا. تميزت أعمالها اللاحقة مثل "أنا، أنت، هو، هي" و"أخبار من المنزل" بلمسة ذاتية وشاعرية تقترب من السيرة الذاتية. لقد ظلت شانتال أكرمان حتى أيامها الأخيرة صوتاً راديكالياً يرفض التنازل عن رؤيته الفنية، ومثّلت تجسيداً حياً للمخرج الذي لا يصنع أفلاماً للتسلية، بل يعيد صياغة الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا.