اضطرابات مضيق هرمز: كيف تتحول الأزمة إلى عبء عالمي على الاقتصادات الأكثر هشاشة؟

تنطلق الورقة من فرضية رئيسية مفادها أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا يمثل أزمة إقليمية تخص الخليج العربي فقط، وإنما يتحول بسرعة إلى صدمة عالمية في أسواق الطاقة، تكون آثارها الأكثر قسوة على الدول الفقيرة والاقتصادات الهشة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد النفط والمنتجات البترولية. وترى الأمم المتحدة أن الأزمة لا تقاس فقط بارتفاع أسعار النفط، وإنما بما يترتب عليه من ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والغذاء والتضخم والعجز المالي، وهو ما يهدد قرابة مليار إنسان يعيشون في الدول الأقل نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية.  أولاً: مضيق هرمز نقطة ارتكاز النظام العالمي للطاقة توضح الورقة أن التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة أدت إلى اضطراب حركة التجارة والطاقة، مما انعكس سريعاً على الأسعار العالمية. وبحسب البيانات الواردة: * ارتفع متوسط أسعار النفط الخام بأكثر من 40%. * ارتفعت أسعار البنزين والمنتجات المكررة بأكثر من 50% مقارنة بمتوسط الأسعار السابقة.  وتشير الورقة إلى أن هذه الزيادة لا تمثل مجرد تغير دوري في الأسعار، بل صدمة واسعة النطاق تنتقل آثارها إلى مختلف الاقتصادات عبر سلاسل الإمداد العالمية. ثانياً: من هم الأكثر تضرراً؟ تركز الدراسة على 75 اقتصاداً هشاً حول العالم، وتشمل: * أقل البلدان نمواً (LDCs). * الدول الجزرية الصغيرة النامية (SIDS). وتبين النتائج أن: * 65 دولة من أصل 75 تعتمد على استيراد النفط. * يعيش في هذه الدول نحو 983 مليون نسمة. * أكثر من 30% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر البالغ ثلاثة دولارات يومياً. 

وتحذر الدراسة من أن هذه الدول تفتقر إلى القدرة المالية التي تمكنها من امتصاص صدمات الطاقة كما تفعل الاقتصادات المتقدمة. ثالثاً: المشكلة ليست النفط الخام بل الوقود المكرر تكشف الورقة نتيجة مهمة، وهي أن الاقتصادات الهشة لا تستورد النفط الخام في الغالب، وإنما تعتمد بصورة شبه كاملة على المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين والديزل. وتشير الأرقام إلى أن: * 97.8% من وارداتها النفطية عبارة عن منتجات مكررة. * بينما لا تتجاوز واردات النفط الخام 2.2%.  وهذا يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار الوقود، نظراً لافتقارها إلى مصافي التكرير المحلية. رابعاً: التكلفة الاقتصادية المباشرة تفترض الدراسة سيناريو استمرار ارتفاع أسعار النفط بنسبة 50% مع بقاء حجم الاستيراد ثابتاً. وفي هذه الحالة سترتفع فاتورة واردات النفط للدول محل الدراسة بنحو:  20.4 مليار دولار سنوياً. وتتوزع هذه الزيادة إلى: 16.1 مليار دولار على أقل البلدان نمواً. 4.3 مليارات دولار على الدول الجزرية الصغيرة.  وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الأرقام لا تشمل الآثار غير المباشرة مثل التضخم أو ارتفاع تكاليف النقل. خامساً: الدول الأكثر تعرضاً ترصد الدراسة الدول التي ستتحمل أكبر عبء اقتصادي مقارنة بحجم اقتصادها. ومن أبرزها: •    موريتانيا •    غامبيا •    بوركينا فاسو •    ليبيريا •    زامبيا •    مالاوي •    أوغندا •    تنزانيا •    موزمبيق •    السنغال وفي الدول الجزرية: •    جزر المالديف •    فانواتو •    موريشيوس •    فيجي •    جامايكا •    سيشل وغيرها.   سادسا: ماذا عن دول الخليج العربي؟ رغم أن الدراسة لا تركز على اقتصادات الخليج نفسها، فإنها تمنح المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها المصدر الرئيسي للطاقة العالمية. وتعتبر الدراسة أن الجزء الأكبر من النفط الذي تعتمد عليه عشرات الدول الفقيرة يمر أو يصدر من هذه المنطقة. أي اضطراب فيها يعني انتقال الصدمة إلى العالم كله. وتورد الدراسة نسب الاعتماد على واردات النفط القادمة من منطقة هرمز. ومن الأمثلة: •    سيشل: 99% •    أوغندا: 61.5% •    موريشيوس: 58.3% •    تنزانيا: 56% •    المالديف: 43.1% •    موريتانيا: 43% •    موزمبيق: 35.5%  وهذا يعني أن أي تعطيل طويل للإمدادات الخليجية سيخلق أزمة حقيقية في هذه الدول. تشدد الورقة على ضرورة أن تبحث الدول المستوردة عن مصادر بديلة للطاقة وتقليل الاعتماد على منطقة واحدة. إلا أنها لا تشير إلى وجود بديل قادر حالياً على تعويض الطاقة الخليجية بالكامل. سابعا: التداعيات الاقتصادية تلخص الورقة الآثار المتوقعة في أربع دوائر رئيسية: •    ارتفاع تكاليف الإنتاج زيادة أسعار الوقود ترفع تكاليف النقل البحري والبري، فتزداد أسعار معظم السلع. •    ارتفاع التضخم ترتفع أسعار الغذاء والكهرباء والخدمات بصورة متسارعة، خاصة في الدول التي تعتمد على الوقود المستورد. •    الضغوط المالية تضطر الحكومات إلى الاختيار بين:

دعم أسعار الوقود. تمويل التعليم والصحة. الاستثمار في التنمية. تباطؤ النمو

تؤدي زيادة فاتورة الاستيراد إلى:

اتساع عجز الحساب الجاري. ضغوط على العملات المحلية. ارتفاع أسعار الفائدة. تباطؤ النشاط الاقتصادي. 

ثامنا: قراءة تحليلية رغم أن الورقة تبدو إنسانية في ظاهرها، فإنها تحمل رسالة استراتيجية أعمق، وهي أن استقرار مضيق هرمز ليس قضية تخص الدول الخليجية أو الدول المنتجة للنفط فقط، بل يمثل منفعة عامة للاقتصاد العالمي. وتبرز الدراسة أن الدول الخليجية، ولا سيما السعودية والإمارات والكويت وقطر، ليست مجرد مصدرين للطاقة، بل تشكل منظومة إمداد يعتمد عليها عدد كبير من الاقتصادات الهشة. كما توحي ضمناً بأن أي استثمار خليجي في حماية الممرات البحرية، أو توسيع خطوط الأنابيب البديلة، أو تعزيز أمن الطاقة، ستكون له آثار إيجابية تتجاوز المنطقة لتشمل الأمن الاقتصادي العالمي. وفي المقابل، تركز الورقة على معاناة الدول المستوردة، ولا تتناول بصورة مفصلة المكاسب المالية التي قد تحققها الدول الخليجية المصدرة نتيجة ارتفاع الأسعار. الخلاصة: ترى الأمم المتحدة أن أمن مضيق هرمز هو عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب طويل فيه لا يهدد أسواق النفط فحسب، بل يفاقم الفقر والتضخم ويقوض التنمية في عشرات الدول منخفضة الدخل، بينما تظل دول الخليج العربي في قلب معادلة أمن الطاقة العالمية، بوصفها المصدر الرئيسي للإمدادات التي تعتمد عليها تلك الاقتصادات.

 ملخص ورقة صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) بعنوان "اضطرابات مضيق هرمز: عبء صدمات أسعار النفط على الاقتصادات الهشة"، وهي ورقة موجزة من 12 صفحة صدرت في  يونيو 2026.