تحليل اقتصادي | التريليونات المفخخة.. هل ينجو قطار التنمية المستدامة من فخ الديون العالمية؟

| المحرر الاقتصادي

60 % من الدول منخفضة الدخل تواجه ضائقة ديون حقيقية تهدد أهداف 2030 الفوائد تلتهم 400 مليار دولار سنويا وتستنزف 20 % من إيرادات الدول النامية الدين العالمي يتجاوز 350 تريليون دولار ويلامس 235 % من الناتج الإجمالي

 

يمر الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن بمرحلة تاريخية حرجة تتسم بتقاطع معقد بين ثلاثة تحديات هيكلية جسيمة، تتمثل في الارتفاع غير المسبوق في مستويات الدين العام والخاص، وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، والعيش في بيئة أسعار فائدة مرتفعة مقارنة بالعقد الماضي، هذا المزيج المعقد يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق الدولية، ويفرض قيودا غير مسبوقة على صناع السياسات الاقتصادية، ما يهدد مسارات النمو ويعوق جهود التنمية المستدامة، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة والنامية التي تجد نفسها الطرف الأضعف في مواجهة هذه الصدمات المتتالية. وتؤكد البيانات المشتركة الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية أن العالم يعيش حاليا ما يُعرف بـ “موجة الدين الرابعة”، وهي الأسرع والأوسع نطاقا منذ الحرب العالمية الثانية. ووفقا لأحدث المؤشرات، قفز إجمالي الدين العالمي ليتجاوز حاجز 315 إلى 350 تريليون دولار، مدفوعا بتسارع الاقتراض الحكومي في الاقتصادات الكبرى والأسواق الناشئة على حد سواء، ويتجاوز هذا الحجم الضخم من الديون نسبة 235 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وسط تحذيرات جادة من صندوق النقد الدولي بأن الدين العام الحكومي وحده يلامس ويندفع بثبات نحو خط الـ100 % من الناتج العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة، ما يقلص المصدات المالية للدول ويزيد هشاشتها الاقتصادية. ولم تعد خطورة هذه المعضلة تكمن في الحجم المجرد للديون، بل في تضاعف كلفة خدمتها، فبعد سنوات طويلة من معدلات الفائدة الصفرية، أجبرت الضغوط التضخمية البنوك المركزية على رفع الفائدة، ما تحول إلى نزيف مالي مستمر في الموازنات الحكومية. وتُشير التقديرات الدولية إلى أن مدفوعات الفائدة وحدها في الاقتصادات النامية تجاوزت حاجز 400 مليار دولار سنويا، إذ تستهلك خدمة الدين في كثير من الحالات ما بين 10 % و20 % من الإيرادات الحكومية الجارية، وفي بعض الدول الأكثر فقرا تتجاوز هذه النسبة 30 %. هذا الوضع يقتطع مباشرة من الحصص المالية المقررة للقطاعات الحيوية التي تمثل أساس التنمية البشرية، كالتعليم، والصحة، وتطوير البنية التحتية. وفي موازاة ذلك، تبرز التوترات الجيوسياسية في مناطق حيوية من العالم كعامل مضاعف للمخاطر الاقتصادية، إذ تؤدي النزاعات إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما يغذي التضخم ويبقي الفائدة مرتفعة. ومن جانب آخر، تفرض هذه الاضطرابات صدمات مالية مباشرة على الموازنات نتيجة اضطرار الحكومات لزيادة الإنفاق الدفاعي والطارئ على أمن الطاقة والغذاء، وتُظهر تحليلات صندوق النقد الدولي أن حالات عدم اليقين الجيوسياسي قادرة على رفع مستويات الدين العام في بعض السيناريوهات بما يصل إلى 4 % أو 5 % من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لتراجع معدلات النمو الاقتصادي من جهة، وزيادة النفقات الطارئة من جهة أخرى. ونتيجة لهذه الضغوط المتلاحقة، يحذر البنك الدولي من أن أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل أصبحت بالفعل تعاني من ضائقة ديون حقيقية أو معرضة بشكل شديد لخطر السقوط فيها، ما يعوق قدرتها على بناء رأس المال البشري أو التكيف مع التغير المناخي. وفي الوقت الذي يتطلب فيه تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030 سد فجوة تمويلية هائلة تُقدر بتريليونات الدولارات سنويا، تجد هذه الدول نفسها مكبلة بسداد التزامات قديمة، ما يحول تمويل المشروعات الخضراء والمستدامة إلى واحد من أكبر التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمع الدولي. في المقابل، لا تعني هذه المؤشرات القاتمة انهيارا حتميا ومطلقا لمسار التنمية، إذ لا يزال الاقتصاد العالمي يظهر مرونة غير متوقعة مع معدلات نمو تدور حول 3 % سنويا، مدفوعة بطلب استهلاكي قوي في بعض الأسواق الكبرى وأداء إيجابي لقطاع الخدمات. كما تشير البيانات إلى أن عددا من الاقتصادات الناشئة نجح في تحسين إدارة ملف الديون وتمديد آجال استحقاقها وبناء مصدات مالية متينة بالاعتماد على أسواق الدين المحلية، ما أثبت أن السياسات الحمائية والإصلاحات الهيكلية الجادة يمكنها توفير حماية نسبية ضد التقلبات العالمية العنيفة. وإن مستقبل الاستقرار الاقتصادي والتنمية يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة المجتمع الدولي والدول بمفردها على إدارة هذه العوامل الثلاثة بكفاءة عالية. ويتطلب العبور الآمن نحو المستقبل ضرورة إصلاح الهيكل المالي العالمي لتسريع عمليات إعادة هيكلة ديون الدول الفقيرة، بالتوازي مع التزام الحكومات المحلية بتعزيز كفاءة الإنفاق وتوجيه الأموال المقترضة نحو المشاريع الإنتاجية والاستثمارية التي تولد عوائد حقيقية، بالإضافة إلى الابتكار في أدوات التمويل مثل سندات الاستدامة والسندات المرنة المرتبطة بالصدمات، لتقليل المخاطر وحماية المكتسبات التنموية على المدى الطويل.