رئيس تحرير "البلاد": البحرين… وطنٌ لا يسكن خرائط الأوهام

ليست كل المزاعم تستحق الرد، فبعضها يسقط من تلقاء نفسه تحت وطأة الحقيقة، لكن حين يتعلق الأمر بالبحرين، الوطن الذي اختار شعبه مصيره بإرادته الحرة، وأقر العالم بأسره بسيادته واستقلاله، يصبح الصمت تهاونًا، والرد واجبًا لا مفر منه.

إن ما تكررونه بين الحين والآخر من أن البحرين جزء من إيران ليس رأيًا صحفيًا، ولا قراءة مختلفة للتاريخ، بل خطاب سياسي مأزوم، يحاول عبثًا إحياء أوهام إمبراطورية دفنتها إرادة الشعوب، وأغلقتها الأمم المتحدة بقرار لا لبس فيه، واعترفت به إيران نفسها منذ أكثر من خمسة عقود.

إن مملكة البحرين لم تولد على صفحات «كيهان»، ولن تُمحى من خارطة العالم بمقال في صحيفة. البحرين أقدم من كثير من الدول الحديثة، حضارة دلمون التي أشرقت على هذه الأرض كانت قائمة قبل أن تعرف إيران اسمها الحالي، وهي دولة عربية مستقلة ذات سيادة كاملة، اختار شعبها هويته وانتماءه ومستقبله، وصوت في عام 1970 بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال والعروبة، فاعترفت إيران بهذه الحقيقة، وانتهى الجدل قانونيًا وسياسيًا وتاريخيًا.

أما الزعم بأن الشعب البحريني ما زال يعتبر نفسه إيرانيًا، فهو ادعاء لا يستند إلى دليل، ولا تؤيده وقائع، ولا تعكسه مواقف أبناء البحرين الذين أثبتوا عبر تاريخهم تمسكهم بعروبتهم، وولاءهم لوطنهم، والتفافهم حول قيادتهم الوطنية. فالشعوب لا تُعرَّف من الخارج، ولا تُصادر هويتها بمقالات، ولا تُعاد كتابة ذاكرتها وفق أهواء أصحاب المشاريع التوسعية.

والأكثر غرابة أن تصدر مثل هذه الادعاءات في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات جسيمة تستدعي الحكمة، واحترام سيادة الدول، وبناء علاقات قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على استدعاء سرديات تجاوزها الزمن، ولم يعد لها مكان إلا في أرشيف النزعات التوسعية البائدة.

إن الصحافة الحقيقية ليست بوقًا للأوهام، ولا منصة لتغذية الأطماع، ولا وسيلة لاستفزاز الشعوب والنيل من سيادة الدول. الصحافة رسالة تنوير ومسؤولية أخلاقية، وحين تتحول إلى أداة لتزييف التاريخ وإنكار إرادة الأمم، فإنها تفقد رسالتها وتصبح مجرد منشور دعائي لا أكثر.

ونقول لكم بوضوح: البحرين ليست موضوعًا للنقاش، ولا ملفًا مفتوحًا للمزايدات السياسية، ولا جائزة مؤجلة لمشاريع عابرة للحدود. البحرين وطن نهائي لأبنائه، وعضو كامل السيادة في المجتمع الدولي، وستظل عربية الهوية، مستقلة القرار، عصية على الأوهام، ومحصنة بإرادة شعبها، وشرعية تاريخها، واعتراف العالم بأسره بها.

أما الذين ما زالوا يعيشون أسرى خرائط الماضي، فليدركوا أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن الأمم لا تُقاد بالأحلام الإمبراطورية، بل باحترام الحقائق، والاعتراف بحق الشعوب في أن تكون ما اختارته لنفسها، لا ما يتمنى الآخرون أن تكونه.