وداعاً "بوفهد".. رمز الأصالة والوفاء والنقاء

| أسامة الماجد

فقدت البحرين اليوم أديباً وشاعراً استثنائياً، وشخصيةً فذةً من أعلام الفكر والثقافة في الخليج والعالم العربي؛ إنه شاعرنا الكبير والمعلم "علي عبد الله خليفة"، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالإبداع والعطاء المتميز.

​لقد كانت مسيرة الراحل تمثل حالةً مبهرةً من الجمال والأصالة؛ فرؤيته الشعرية غاصت في الأعماق الداخلية للشخصية البحرينية، بل جسّدت روح الطبيعة البحرينية من الداخل. لم يكن شعره مجرد محاكاةٍ للطبيعة كما فعل الكلاسيكيون، بل نَفَذ إلى جوهر الإنسان البحريني وطبيعته الخلاقة، مصوراً ملامح الحياة بصدقٍ وقوةٍ، مستلهماً أسرار الجمال من تأملاته الطويلة في تفاصيل بيئته.

​وفي حوارٍ جمعني به عام 2020، لخص لي رؤيته لدور الشاعر قائلاً: ​"الشاعر ليس مصلحاً اجتماعياً أو مرشداً تربوياً يؤدي واجباتٍ محددة، فهو طائرٌ حرٌّ يحلق في الفضاء الفسيح دون قيود. الشاعر ملزمٌ بفنه، وتطوير أدواته، والتعبير عن خلجات روحه وانعكاسات أحداث زمانه عليه دون إملاءات. هو معنيٌّ بالتأمل والتفكر واجتراح الصور الفنية الصادقة بعيداً عن الزيف أو ادعاء البطولات الكاذبة".

​كان العم "بوفهد" أحد أعمدة "أسرة الأدباء والكتاب" ومؤسسيها في مطلع السبعينيات، وربطته بوالدنا الأديب الراحل "محمد الماجد" علاقةٌ أخويةٌ وثيقة، حيث قضيا أوقاتاً طويلةً من النقاشات الفكرية في منزلنا بـ "فريج الشيخ عيسى بن علي" في المحرق؛ وكنت شاهداً على تلك الحلقات التي تفيض بالإبداع. ​لقد كان الراحل سنداً لكل الشعراء الشباب من مختلف الأجيال، يأخذ بأيديهم ويقدم لهم النصح والإرشاد. سطع اسمه في سماء الشعر العربي كأحد رواده، وتناولت تجربته أقلامُ كبار النقاد العرب، مُثرياً المكتبة البحرينية والعربية بدواوين وإصداراتٍ ستظل محفورةً في ذاكرة الزمن.

​بالنسبة لي، مثّل "علي عبد الله خليفة" الأصالة والنقاء والوفاء بكل معانيها. حين طلبت منه دعم كتابنا "محمد الماجد.. القلم المتوحش الأليف" عن والدي، لم يتردد لحظة، بل استقبله بسعادةٍ وتكفل بصفّه وإخراجه فنياً، وسلّمنا إياه جاهزاً للطباعة، والتي قامت بها "أسرة الأدباء والكتاب" مشكورة.

​شخصيةٌ كـ "علي عبد الله خليفة" لا تتكرر. لقد ارتبط اسمه بـ "مركز كانو الثقافي" فكان ضياءه ونوره. وقبل أيام، احتفت به "مؤسسة البلاد" فكان فارساً من فرسان "منبر القلم"؛ ولا تزال كتبه تزين رفوف مكتبة "البلاد"، حيث أخذتُ بالأمس ثلاثة منها للكتابة عنها ضمن مبادرة القراءة النقدية الأسبوعية التي تسلط الضوء على تجربته الريادية الطويلة. رحمك الله يا "بوفهد".. سيظل عطاؤك وإبداعك باقياً إلى الأبد؛ فالمبدعون لا يموتون.