أستراليا تزيح تشيلي وتتربع على عرش صادرات الليثيوم
| طارق البحار
دخلت سلاسل توريد بطاريات السيارات الكهربائية مرحلة جديدة من إعادة التشكل، بعد أن انتقل مركز ثقلها عالمياً نحو الجنوب، حيث نجحت أستراليا ولأول مرة في تاريخها في تجاوز منافستها التقليدية تشيلي، لتصبح المصدر الأكبر في العالم لليثيوم عالي الجودة والمخصص للبطاريات. ويعكس هذا التحول التاريخي نجاح كانبيرا في الانتقال من مجرد دولة مصدرة للمواد الخام إلى قوة كيميائية كبرى قادرة على صعود سلم القيمة المضافة. وطوال سنوات مضت، اقتصرت قصة الليثيوم الأسترالي على شحن صخور “السبودومين” الخضراء الكثيفة إلى الخارج لتحويلها كيميائياً. أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً مع تحول تلك الصخور على الأراضي الأسترالية إلى هيدروكسيد وكربونات الليثيوم الصالحة للبطاريات، مستفيدة من مصافي التكرير الجديدة في غرب أستراليا والاستثمارات المتواصلة من المنتجين العالميين. وساهم هذا النهج في تقليص المسافات بين المناجم ومصانع المعالجة، مستفيداً من تسارع وتيرة اعتماد السيارات الكهربائية والسياسات الداعمة؛ فحين كانت عمليات استخراج الليثيوم من المحاليل الملحية (كما في تشيلي) تواجه تعقيدات الطقس والتراخيص، تميزت الإمدادات الأسترالية من الصخور الصلبة بقدرتها على التوسع السريع وبإيقاع ثابت يلبي حاجة المشترين للاستمرارية وضخامة الإنتاج. وتمنح الميزة الكيميائية تفوقاً إضافياً للمصافي الأسترالية؛ إذ يعتبر “هيدروكسيد الليثيوم” المادة المفضلة لإنتاج كاثودات النيكل العالية المستخدمة في السيارات الكهربائية الفاخرة ذات الكثافة الطاقية العالية، وتتميز صخور السبودومين الأسترالية بقدرتها على التحول إلى هيدروكسيد بخطوات وسيطة أقل. وإلى جانب الجيولوجيا، لعبت السياسات الصناعية الدولية والمحلية – مثل حوافز الشراء والاعفاءات الضريبية للمعادن الحرجية – دوراً حاسماً في منح المستثمرين الثقة، خاصة مع رغبة أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان وكوريا في تنويع مصادر توريدها بعيداً عن الاحتكار. كما تحولت معايير الحوكمة الشفافة، وثقافة السلامة، والشراكة مع السكان الأصليين في أستراليا إلى ميزات تجارية مرجحة. وفي المقابل، لا يقلل هذا الإنجاز من القوة الاستراتيجية لتشيلي؛ إذ تظل موارد المحاليل الملحية في صحراء “أتاكاما” ذات مستوى عالمي وتتميز بتكلفة إنتاج يصعب منافستها، حيث تسعى البلاد عبر نهج جديد يجمع بين القطاعين العام والخاص إلى توسيع قدراتها مع تشديد الرقابة البيئية والمائية. ويرى الخبراء أن المشهد العالمي ليس معادلة صفرية، بل إن تظافر الإمدادات المكررة من أستراليا مع الإنتاج المستقر لتشيلي، والكميات المتنامية من الصين وإفريقيا والأرجنتين، يصب نهاية المطاف في مصلحة استقرار السوق الذي يتأرجح تاريخياً بين الندة والفائض بحدة. بالنسبة لشركات صناعة السيارات، يعنى هذا التوسع الأسترالي خيارات أوسع للحصول على مواد منخفضة الشوائب وواضحة المنشأ، مما يسهل تلبية قواعد المحتوى المحلي، ويضمن للمستهلكين مستقبلاً أسعاراً أكثر استقراراً للبطاريات وطرحاً أسرع للموديلات الجديدة. وتتجه الأنظار حالياً نحو مراقبة كفاءة تشغيل مصافي التكرير الأسترالية الجديدة (مثل كوينانا وكيميرتون)، وبنية عقود الشراء طويلة الأجل المرتبطة بمصانع البطاريات العملاقة في أوروبا وأمريكا، ومدى تطور تقنيات إعادة التدوير وبطاريات صوديوم-أيون. وفي سوق تتحول فيه الذرات إلى أصول استراتيجية، أثبتت أستراليا أن تحويل الصخور الصامتة إلى كيمياء موثوقة ونظيفة هو المهارة التي ستكتب اقتصاديات الطاقة للعقد المقبل بحسب shopattheponds.