الثورة والفقاعة وجهان لطفرة الذكاء الاصطناعي
| حسن الصائغ
4 تريليونات دولار القيمة السوقية لـ “Nvidia” في 2026 34 % حصة الشركات التكنولوجية السبع الكبرى من القيمة السوقية لمؤشر “S&P500” 400 مليار دولار تقييم “SpaceX” في الأسواق الخاصة 78 % خسائر مؤشر “ناسداك” بعد انفجار فقاعة “الدوت كوم” بين 2000 و2002 8 % الحصة المتوقعة لمراكز البيانات من استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول 2030
منذ إطلاق “ChatGPT” في أواخر العام 2022 أضيفت تريليونات الدولارات إلى القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا العالمية. وفي هذه الفترة تحولت “Nvidia” من شركة لا تتجاوز قيمتها السوقية 360 مليار دولار مطلع العام 2023 إلى شركة تجاوزت قيمتها 4 تريليونات دولار بالعام 2026، لتصبح إحدى أكبر الشركات المدرجة في العالم. وفي الوقت نفسه دخلت كبرى الشركات والحكومات في سباق استثماري محموم لبناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بأن يتجاوز الإنفاق العالمي على هذه البنية أكثر من 527 مليار دولار في السنوات المقبلة. كما ارتفعت تقييمات شركات مثل “OpenAI” و “Anthropic” و “SpaceX” إلى مستويات غير مسبوقة مدفوعة بقناعة متزايدة بأن الذكاء الاصطناعي قد يكون التكنولوجيا الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي منذ ظهور الإنترنت. لكن هذه الطفرة الاستثنائية أعادت إلى الواجهة سؤالا اقتصاديا تكرر مع كل ثورة تكنولوجية كبرى في التاريخ: أيشهد العالم بداية عصر إنتاجي جديد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي أم أن الأسواق تكرر أخطاء الماضي وتبالغ مرة أخرى في تسعير المستقبل؟
من أين جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي؟ لفهم ما يحدث اليوم لا بد من العودة إلى اللحظة التي أطلق فيها “ChatGPT” للعامة أواخر العام 2022، ففي أسابيع قليلة فقط أصبح التطبيق الأسرع نموا في تاريخ التكنولوجيا، وأدرك المستثمرون أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعا بحثيا داخل المختبرات أو الجامعات بل أصبح تقنية قابلة للاستخدام التجاري وقادرة على تغيير طريقة عمل الشركات والمؤسسات والأفراد. هذا الإدراك أطلق ما يشبه سباق التسلح التكنولوجي بين الشركات الكبرى. “Microsoft” ضخت استثمارات ضخمة في “OpenAI” بينما سارعت “Google” إلى إطلاق نماذجها الخاصة، كما دخلت “Amazon” و “Meta” و “Oracle” في سباق بناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أما الرابح الأكبر فكان “Nvidia” التي تحولت معالجاتها المتقدمة إلى المكون الأساسي لتدريب وتشغيل النماذج الذكية، وأدى ذلك إلى انفجار طلب منتجاتها وتحقيقها نموا استثنائيا في الإيرادات والأرباح، ولم يقتصر الأمر على “Nvidia” وحدها، فقد أصبحت الشركات التكنولوجية السبع الكبرى المعروفة باسم “Magnificent Seven” تمثل نحو 34 % من القيمة السوقية لمؤشر “S&P500” الأميركي، ويعني ذلك أن أداء السوق الأميركية بات مرتبطا بتزايد بعدد محدود من الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي، لكن ما حدث لم يكن مجرد قصة نجاح لشركة واحدة ولكن تحول إلى موجة استثمارية شاملة دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم مستقبل التكنولوجيا والاقتصاد العالمي بأكمله.
هل نحن أمام فقاعة جديدة؟ هذا السؤال يعيد إلى الأذهان تجربة فقاعة الإنترنت في نهاية التسعينات. في ذلك الوقت كان الاعتقاد السائد أن الإنترنت سيغير الاقتصاد العالمي وهو ما حدث بالفعل لاحقا، لكن الأسواق بالغت في تقدير سرعة التحول وحجم الأرباح المتوقعة، ما أدى إلى انهيار حاد في أسهم التكنولوجيا مع بداية الألفية الجديدة وأثناء ذروة فقاعة “الدوت كوم”. ارتفع مؤشر “ناسداك” إلى مستويات قياسية قبل أن يفقد نحو 78 % من قيمته بين العامين 2000 و2002، وعلى الرغم من أن الشركات الحالية أكثر قوة وربحية من نظيراتها قبل ربع قرن، فإن هذا المثال التاريخي يوضح أن وجود تقنية ثورية لا يمنع الأسواق من المبالغة في تسعير المستقبل. وعلى الرغم من التشابه الظاهري فإن هناك اختلافات مهمة بين المرحلتين، ففي فقاعة “الدوت كوم” كانت العديد من الشركات تحصل على تقييمات ضخمة على الرغم من أنها لا تحقق أرباحا أو حتى إيرادات حقيقية، أما اليوم فإن الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي هي شركات عملاقة تحقق مليارات الدولارات من الأرباح وتمتلك نماذج أعمال مستقرة وقواعد عملاء عالمية. غير أن وجود أرباح حقيقية لا يعني بالضرورة غياب الفقاعة، فالتاريخ الاقتصادي يظهر أن معظم الثورات التكنولوجية الكبرى صاحبتها موجات من المبالغة الاستثمارية، فالسكك الحديدية والكهرباء والسيارات والإنترنت كانت جميعها تقنيات غيرت العالم لكنها شهدت أيضا فترات من المضاربة المفرطة قبل أن تستقر الأسواق على قيمتها الحقيقية، ولهذا يرى عدد من الاقتصاديين أن القضية لا تتعلق بوجود تقنية حقيقية أو عدم وجودها بل بمدى واقعية التوقعات التي تبني الأسواق الحالية عليها تقييماتها.
المال الرخيص يعود إلى الواجهة على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يقف في قلب الطفرة الحالية فإن التكنولوجيا وحدها لا تفسر الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها الأسواق العالمية في العامين الماضيين، فالأسواق المالية لا تتحرك فقط بفعل الابتكار ولكن أيضا بفعل تكلفة المال. وأثناء الفترة التي أعقبت جائحة كورونا شهد الاقتصاد العالمي واحدة من أكبر موجات السيولة في تاريخه الحديث، مدفوعة بأسعار فائدة متدنية وبرامج تحفيز واسعة النطاق، ومع بدء البنوك المركزية، وعلى رأسها “الاحتياطي الفيدرالي الأميركي”، في رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، توقع كثير من المستثمرين أن تتعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط قوية بسبب ارتفاع تكلفة التمويل، لكن ما حدث كان مختلفا، فمع تزايد التوقعات بأن دورة التشديد النقدي تقترب من نهايتها عادت شهية المستثمرين نحو الأصول ذات النمو المرتفع، وفي مقدمتها شركات الذكاء الاصطناعي، وأصبحت الأسواق تراهن على أن أي تراجع مستقبلي في أسعار الفائدة سيزيد جاذبية الشركات التي تعتمد قيمتها الحالية على أرباح متوقعة في المستقبل البعيد. فالذكاء الاصطناعي لم يستفد فقط من التفاؤل التكنولوجي ولكن استفاد أيضا من رهانات المستثمرين على اتجاه السياسة النقدية العالمية في السنوات المقبلة، ومن هنا يرى بعض المحللين أن جزءا من الطفرة الحالية لا يعكس فقط قوة الذكاء الاصطناعي ولكن يعكس كذلك توقعات الأسواق بشأن عودة بيئة مالية أكثر مرونة، وهو ما يجعل القطاع أكثر حساسية لأي تغير مفاجئ في مسار أسعار الفائدة أو تباطؤ اقتصادي عالمي.
سباق نصف التريليون دولار إذا كانت أسعار الأسهم هي الوجه الظاهر لطفرة الذكاء الاصطناعي، فإن الوجه الأكثر أهمية يتمثل في حجم الإنفاق الرأسمالي غير المسبوق. وتشير تقديرات مؤسسات مالية عالمية إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يصل إلى نحو 527 مليار دولار بين العامين 2025 و2028، ويشمل ذلك بناء مراكز البيانات العملاقة وتطوير الرقائق المتقدمة وتوسيع قدرات الحوسبة السحابية وشبكات الطاقة المرتبطة بها. ويقارن بعض المحللين هذه الأرقام بالإنفاق الذي رافق بناء شبكة الإنترنت العالمية في التسعينات، لكن الفارق أن حجم الأموال المتدفقة اليوم أكبر بكثير، كما أن المنافسة تشمل شركات عملاقة وحكومات. وفي الوقت نفسه هذه الأرقام تثير تساؤلات جوهرية عن العائد الاقتصادي النهائي لهذه الاستثمارات؛ أستتمكن الشركات من تحقيق إيرادات وأرباح كافية لتسويغ هذا الحجم من الإنفاق أم أن جزءا من هذه الاستثمارات يتم بدافع الخوف من التخلف عن المنافسة أكثر من كونه قائما على طلب حقيقي ومستدام؟ هذا هو السؤال الذي يشغل المؤسسات المالية العالمية اليوم.
الذكاء الاصطناعي يبتلع الكهرباء خلافا لما يعتقده كثيرون فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد قصة تكنولوجية فقط بل أصبح أيضا قصة طاقة، فكل نموذج جديد يحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء لتدريبه وتشغيله. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ارتفع طلب الطاقة بصورة دفعت شركات التكنولوجيا إلى البحث عن مصادر جديدة للكهرباء. وتشير تقديرات حديثة إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك ما يصل إلى 8 % من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول العام 2030 مقارنة بنحو 3 % فقط حاليا، وهذا ما يفسر تنامي اهتمام شركات التكنولوجيا بالطاقة النووية والطاقة المتجددة كمصادر استراتيجية لدعم توسعها المستقبلي، ولهذا السبب بدأت بعض التقارير الاقتصادية تتحدث عن أن الرابحين من طفرة الذكاء الاصطناعي قد لا يكونون فقط شركات البرمجيات والرقائق ولكن أيضا شركات الطاقة والمرافق والبنية التحتية، وهنا تظهر مفارقة مهمة، فكلما ازداد اعتماد الاقتصاد العالمي على الذكاء الاصطناعي ازدادت حاجته إلى موارد مادية حقيقية مثل الكهرباء والمعادن والأراضي ومراكز البيانات، ما يعني أن الثورة الرقمية الجديدة ترتبط بشكل أكبر بالاقتصاد الحقيقي مما كان يتوقعه كثيرون.
من “Nvidia” إلى “SpaceX”.. اقتصاد التوقعات على الرغم من أن “SpaceX” لا تُصنف كشركة ذكاء اصطناعي فإن تقييمها الذي تجاوز 400 مليار دولار في الأسواق الخاصة يجعلها مثالا واضحا على ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التوقعات”، فالمستثمرون يدفعون أسعارا مرتفعة استنادا إلى إمكانات النمو المستقبلية أكثر من النتائج الحالية، الأمر نفسه ينطبق على “OpenAI” و “Anthropic” و “xAI” وغيرها من الشركات التي أصبحت تجذب استثمارات ضخمة استنادا إلى إمكاناتها المستقبلية أكثر من نتائجها الحالية، فالمستثمرون اليوم لا يشترون الأرباح الحالية فقط بل يشترون المستقبل نفسه، وفي فترات التفاؤل الكبرى تصبح الرواية أكثر أهمية من الأرقام وتتحول التوقعات إلى عامل رئيس في تحديد قيمة الشركات، لكن التاريخ المالي يعلمنا أن هذه المرحلة غالبا ما تكون الأكثر حساسية لأن أي فجوة بين التوقعات والواقع قد تؤدي إلى تصحيحات حادة في الأسواق.
حرب الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين لا يمكن فهم طفرة الذكاء الاصطناعي بمعزل عن البعد الجيوسياسي، فالسباق الحالي لا يدور بين الشركات فقط بل بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم: الولايات المتحدة والصين، فواشنطن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم عناصر التفوق الاقتصادي والعسكري في العقود المقبلة، ولهذا فرضت قيودا على تصدير الرقائق المتقدمة والتكنولوجيا المرتبطة بها إلى الصين، وفي المقابل تسعى بكين إلى تطوير منظومتها الخاصة من الرقائق والنماذج الذكية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، كما خصصت عشرات المليارات من الدولارات لدعم صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي في محاولة لتقليص الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن جزءا كبيرا من الاستثمارات الحالية لا تحركه فقط الاعتبارات التجارية ولكن أيضا اعتبارات الأمن القومي والتنافس الجيوسياسي، وهذا ما يجعل طفرة الذكاء الاصطناعي مختلفة عن كثير من الطفرات التكنولوجية السابقة، فهي ليست مجرد منافسة بين شركات على الأرباح ولكن جزء من سباق عالمي على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي. ولا يقتصر الرهان الحالي على الشركات المدرجة في البورصات بل يمتد إلى أسواق التمويل الخاصة والسندات والبنية التحتية والطاقة، فكل دولار يُستثمر في الذكاء الاصطناعي اليوم يولد طلبا إضافيا للرقائق والكهرباء ومراكز البيانات وشبكات الاتصال، وهو ما يجعل الطفرة الحالية أكثر تشابكا مع الاقتصاد الحقيقي مقارنة بالفقاعات التكنولوجية السابقة.
ربما يكون السؤال الخطأ هو: هل توجد فقاعة؟ فالتاريخ الاقتصادي يشير إلى أن معظم الثورات التكنولوجية الكبرى صاحبتها فقاعات استثمارية بدرجات متفاوتة، فالسكك الحديدية والكهرباء والسيارات والإنترنت شهدت جميعها موجات من المضاربة قبل أن تصبح جزءا أساسيا من الاقتصاد العالمي، واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في المسار ذاته، فمن جهة لا يوجد شك في أن التقنية تمتلك القدرة على تغيير الإنتاجية وإعادة تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى تبدو بعض التقييمات والاستثمارات الحالية كأنها تسبق النتائج الاقتصادية الفعلية بسنوات طويلة، كما أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة الشركات على تطوير نماذج أكثر ذكاء، ولكن أيضا بقدرة الاقتصاد العالمي على تمويل هذه الاستثمارات الضخمة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات الدين العالمي وتباطؤ النمو وعدم اليقين بشأن أسعار الفائدة، فالتاريخ يظهر أن التكنولوجيا تصنع الثورات لكن السيولة هي التي تحدد حجم الفقاعات ولذلك قد لا يكون العالم أمام خيارين متناقضين: ثورة أو فقاعة، بل أمام الظاهرتين معا في الوقت نفسه، فالذكاء الاصطناعي يمثل تحولا اقتصاديا حقيقيا قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة، لكن ذلك لا يمنع من أن تكون بعض الأسهم أو الشركات أو التقييمات الحالية قد تجاوزت حدود الواقع، وفي النهاية لن يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، بل “من سيكون “أمازون” المرحلة المقبلة؟” و “من سيكونون ضحايا الفقاعة الجديدة؟”، فكما أفرزت فقاعة الإنترنت شركات عملاقة أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، فإن طفرة الذكاء الاصطناعي ستصنع على الأرجح فائزين كبارا وخاسرين كبارا أيضا. والسؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت الثورة حقيقية بل “من سيتمكن من تحويل الوعود إلى أرباح مستدامة عندما تنتهي موجة الحماسة الأولى؟”.